أنثروبولوجيون في العالم Anthropologists in the world‎‏
عزيزي الزائر الكريم
انت لم تسجل في المنتدى بعد، عليك الضغط على زر التسجيل ادناه لتتمكن من مشاهدة ‏جميع الصور والروابط في المنتدى، والمشاركة معنا.ان امتناعك عن التسجيل يعني ‏حرمانك من مزايا المنتدى الرائعة .‏

القيم الاجتماعية العراقية في المهجر الأوربي/ دراسة اجتماعية

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

القيم الاجتماعية العراقية في المهجر الأوربي/ دراسة اجتماعية

مُساهمة من طرف إبراهيم حسن في 31/5/2010, 23:56

القيم الاجتماعية العراقية في المهجر الأوربي/ دراسة اجتماعية



عبد الرحمن الوائلي


هدف البحث

يسعى هذا البحث إلى الكشف عن التصورات العامة التي تحكم النشاط الأخلاقي القيمي لأفراد المجتمع العراقي في ساحة المهجر عامة وهو لذلك يسعى وبشكل أساسي إلى:

1- كشف وقياس مستوى المتغير إلى الثابت من مفردات منظمة القيم لدى أفراد الجالية العراقية المقيمين في المهجر الأوربي بالإضافة إلى كشف وقياس مستوى ردة الفعل التي تصدر عن الجالية العراقية تجاه تحديات قيمة جديدة بدأوا يواجهونها هم وأبناؤهم الذين يمثلون الأجيال القادمة في عملية الاندماج الاجتماعي مع المجتمع الأوربي بكل ما يحمله هذا المجتمع من قوانين وعادات وأعراف يتميز بها عن المجتمع الشرقي المسلم الذي ينتمي إليه العراقيون.

2- والى كشف تلمس وتعقب حقيقة التأثير الجدلي بين الدوافع الأخلاقية والوقائع الاجتماعية التي تسببت بها الأزمات والكوارث التي مرت على الشعب العراقي حيث المسعى ألقيمي الأخلاقي يتأتى أولا من معطيات نفسية واجتماعية تحدد طبيعة السلوك الذي يهدف إلى إبراز أو تثبيت ظاهرة معينة من الظواهر الاجتماعية في المهجر.

وقد يكون لهذه المعطيات تأثير كبير على مستوى الوعي الثقافي الذي يصل إليه أفراد المجتمع كل حسب اجتهاده وظروفه مما يدفعنا إلى القول بأن مشكلة القيمة سوف تطرح في هذا السياق بوصفها غرضا للوجود وغاية للحياة وهدفا للفكر والسلوك على حد سواء.

3- ولمعرفة وإبراز نقاط الالتقاء ونقاط الاختلاف في ما يجمع هذه الفئات العراقية المتعددة من ميول واتجاهات نفسية أخذوا يعيشون تجلياتها في ساحة المهجر حيث يربط بينهم هدف واحد ومصير واحد في ساحة المهجر والتي أهم ما يميزها هنا أنها خارج وطنهم الأم وهو العراق.

أهمية دراسة القيم العراقية في المهجر تكتسب دراسة التغيرات المحتملة في القيم أهميتها القصوى من تحديد صورة المستقبل الذي يتطلع اله كل مجتمع من المجتمعات الإنسانية في هذه الحياة وهي ذاتها أي هذه المتغيرات تشترك بشكل فاعل في رسم هذه الصورة وتضع لها الملامح المميزة عبر سلسلة التنويعات القيمة التي تشتمل عليها ومكانيا من أجل إحداث هذه النقلة المستقبلية التي تتحدد قيمتها الحقيقية والنهائية في إطار الحكم الأخلاقي العام بالنسبة لمفهومي الخير والشر في الحياة الاجتماعية كما هو معروف.

ومن الثابت أن دراسة القيم وقياس المتغيرات الحاصلة فيها تعتبر من المهمات الحضارية الأساسية التي يسعى الفكر الإنساني دائما لتحصيلها من أجل العمل على تصحيح أو تهذيب الفاسد والخاطئ منها من جانب وتكريس الدعم المستمر للصالح والنافع منها من جانب أخر.

غير أن هذه المهمة الشاقة تقتضي من القائمين بها أن يحددوا مبحث التعريف الكامل والشامل لكل المفاهيم التي يشتمل عليها بالإضافة إلى تحديد وترسيم المساحة الواقعية لهذه المفاهيم في الحياة الاجتماعية العامة.

فمن المعروف أن القيم لا زالت غير مستقلة استقلالا علميا كاملا أي ليس هناك تعريفا محددا ومستقلا لها عند المفكرين والفلاسفة ما لم يتم إضافتها إلى عنوان أخر كالأخلاق والسلوك والتربية وعلم النفس وما إلى ذلك من حقول الدراسات الأخرى.

وعلى هذا الأساس يربط الكثير من المفكرين ربطا وثيقا بين مبحث القيم ومبحث الأخلاق بوصف هذا الأخير منبعا شاملا يسمح للقيم العامة بالانطلاق في كل اتجاه في إطار اتفاق أنساني شامل لرصد الأصول الأولى التي تشتمل عليها الفلسفة الأخلاقية ومناهجها التربوية العامة.

((من هنا فان الأخلاق رغبة تتطلع إلى النظام والاتساق وتهدف إلى فهم السلوك البشري فهما باطنيا والحق إن الإنسان ما كاد يسيطر على ضرورات التجربة المباشرة ويعيد تأليفها في الذهن حتى شعر بأمنية تدفعه إلى الرغبة في اتساق يشمل سلوكه بأسره كما يشمل الاتساق ) harmony بين وجوده ووجود الآخرين والاتساق مع النظام الاجتماعي أيا كان شكله بل الاتساق مع الكون الذي يحيط به)). (1)

إن دراسة القيم وقياس متغيراتها تكاد تشمل كل هذا النظام الاتساق الذي يحيط بالإنسان ويميز بيئته الاجتماعية في زمان ومكان محددين بوصفهما عاملين حاسمين في أحداث عملية التغيير المحتملة في هذا النظام وهنا يمكن اعتبار مبحث القيم مبحثا مكملا يرصد المستويات المتغيرة في الأخلاق الأولى والأساسية التي ينشأ عليها الإنسان في بيئته من جانب ويرصد أيضا الأخلاق الجديدة التي تفرزها البيئة الاجتماعية نفسها من جانب أخر.

وعلى هذا الأساس يتم قياس المتغيرات القيمة فقط في الظروف الاستثنائية المتبدلة من أجل رصد عملية التغيير في كلا الجانبين المذكورين.

وتعد حالة الهجرة سوءا كانت هذه الحالة قسرية أو اختيارية من الظروف الاستثنائية التي يعيشها مجموعة من الناس ويخضعون فيها لتدلات ظرفية زمانية ومكانية تختزن إمكانية الاستثنائية وضعفها وبحسب المسافة الفاصلة بين منظومة القيم القديمة التي تحملها هذه المجموعة وبين منظومة القيم الجديدة التي يواجهونها في واقعهم المهجري الجديد.

وفي خضم هذا الاختلاف بين المنظومتين القيمتين يبرز الواقع النفسي للمجموعة المهاجرة ليلقي بضلاله الثقيلة على عملية صراع جديدة بين بيئتين مختلفتين في المعطيات الحضارية وما يترشح عن هذا الاختلاف من قيم يفترض أن تلتزم بها المجموعة المهاجرة في إطار تعايشها في البيئة الجديدة وتعاطيها للقيم السائدة فيها طوعا أو كرها إذا صح التعبير.

وغالبا ما يترشح عن هذا الاختلاف أزمة حقيقية شاملة أو جزئية في المنظومة القيمة التي تحملها المجموعة المهاجرة في أكثر من صعيد مما يخلق جوا جديدا مشحونا بالمعاناة لأفراد هذه المجموعة وأسرهم على حد سواء ولأنهم أقلية فان سعيهم الحثيث للمحافظة على منظومتهم القيمة سوف يخلق عندهم حالة من الدفاع المستمر ضد مظاهر الذوبان التي قد تواجههم في البيئة الجديدة وما يترشح عنها من قيم مخالفة لقيمهم وأعرافهم التي نشأوا عليها من قبل.

من هنا تأتي أهمية الانتباه في رصد كل قيمة متغيرة جديدة قد تشكل تحديا حقيقيا لهذه المجموعة المهاجرة في عملية التعايش الجديدة التي تفرضها الظروف الاستثنائية في ساحة المهجر كما قدمنا قبل قليل.

الحياة الاجتماعية العراقية

يبدو الحديث عن الحياة الاجتماعية العراقية محاطا بصعوبات كثيرة فإلى جانب قلة المصادر العلمية التي تناولت هذا الموضوع هناك نظريات متعددة ومتضاربة في تفسير السلوك الاجتماعي العراقي بعضها اعتمد على جذور تاريخية اعتبرها الأساس في عملية التفسير هذه وبعضها الأخر اعتمد على أساس جغرافي وأخر سياسي والى غير ذلك من المناهج المستقلة بذاتها والعدد القليل من الباحثين قام بجمع هذه المناهج في دراسة واحدة وانطلق منها لتفسير الحياة الاجتماعية العراقية بشكل عام.

ولعل من أشهر الباحثين العراقيين في هذا المجال هو الدكتور علي الوردي الذي ألف عددا من الكتب التي حاول من خلالها التعرف على الحياة الاجتماعية العراقية وتفسيرها في ضوء هذا المنهج الشامل والمتضمن لكل الناهج التي ذكرناها وعلى الرغم من أنني أعتبر كتب الوردي غير كافية في تحديد طبيعة الحياة الاجتماعية العراقية لأنها عانت من وجهة نظري من فجوات كثيرة إلا الموضوع بالذات ولذلك سوف نعتمد على بعض مؤلفاته في هذا البحث وخصوصا كتابه الموسوم (دراسة في طبيعة المجتمع العراقي)

وعلى الرغم من أن الحياة الاجتماعية العراقية ومنظومتها القيمة لا تنفصل عن الحياة لاجتماعية العامة للمجتمع العربي عموما إلا أنها أيضا تحتفظ بمميزات واضحة وعلامات فارقة لا تشبه في بعضها ما هو سائد في البلدان العربية الأخرى من العادات والتقاليد الاجتماعية وبوسعنا هنا أن نقسم الحديث عن الحياة الاجتماعية العراقية ومنظومتها القيمة إلى بضعة محاور أساسية ابتغاء توضيح أبرز القيم في هذه المنظومة .

مصادر الثقافة في الحياة الاجتماعية العراقية

يميل كثير من الباحثين ومن ضمنهم الدكتور علي الوردي أيضا إلى النظرية التي ترد مصادر الثقافة الاجتماعية العراقية إلى حالة البداوة التي تطبع المجتمع العربي عموما بطابعها المتأصل فيها منذ زمن بعيد رغم كل التقلبات التي حدثت في التاريخ وأثرت بإسقاطاتها الثقافية على المجتمع العربي بشكل عام والمجتمع العراقي بشكل خاص وحالة البداوة هذه تحمل في طياتها مركبات أساسية ثلاث هي (العصبية ، الغزو ، المروءة) فالفرد البدوي يريد أن يغلب بقوة قبيلته أولا وبقوته الشخصية ثانيا وبمروءته أي بتفضله على الغير ثالثا. (2)

لقد سعت هذه الفرضية لتفسير مجمل الحياة الاجتماعية العربية ومنها الحية الاجتماعية الكرم العراقية وما تشتمل عليه من قيم عامة وخاصة على حد سواء وعلى هذا الأساس يكون المجتمع العراقي مجتمع بدوي في معظم قيمه وأخلاقه وعاداته وتقاليده حيث تبرز فيه قيم أساسية مثل الشجاعة والأمانة والكرم والمروءة والعفة والطاعة والوفاء بالوعد والولاء كقيم ايجابية بالإضافة إلى قيم سلبية أخرى من وجهة نظر القيم الأخلاقية العامة مثل الحسد والنفاق والثأر والغزو والعصبية القبلية وغيرها وتبرز هذه القيم بشقيها السلبي والايجابي في الحياة البدوية تبعا للظروف التي تحكم المجتمع وتؤثر فيه.

غير أن الحديث عن حالة البداوة في الحياة الاجتماعية العراقية يقودنا إلى استفهام مهم وهو ثل إن حالة البداوة هذه تحكم كل المجتمع العراقي أم أنها تخص نسبة معنية منه والجواب على هذا السؤال يقتضي منا أن نتعرف أولا على الفئات الأساسية الثلاثة التي يتكون منها المجتمع العراقي وهي (البدو ، الريف ، الحضر) كما قسمها الباحثون العراقيون في العلوم الاجتماعية حيث نجد كما تقول الإحصاءات بأن نسبة البدو الريف تفوق نسبة الحضر في المجتمع العراقي وبالتالي تكون الإجابة على السؤال المتقدم واضحة وهي إن أغلبية فئات المجتمع العراقي ينتمون في جذورهم الثقافية إلى قيم الحياة البدوية التي عددنا قيمها الأساسية في السطور السابقة وهذه القيم تختلف بنسب معينة في ظهورها وبروزها بين الحياة البدوية والريفية والحضرية كما هو واضح ومعرف وعلى هذا الأساس سوف نستعرض جوانب من هذه القيم الأساسية في الحياة الاجتماعية العراقية وفقا لعناوين عامة تميز بها المجتمع العراقي عن غيره من المجتمعات العربية

محورية القيم الدينية

يميل المجتمع العراقي بشكل عام إلى التدين في حياته الاجتماعية ويأتي هذا الميل في رأيي كحالة طبيعية رافقت الحياة الاجتماعية العراقية منذ أن فتح المسلمون الأوائل هذا البلد وأصبح بعدها يتمتع بأهمية بالغة نظرا لاتخاذ الخليفة الرابع وهو الإمام علي بن أبي طالب (ع) الكوفة مقرا لخلافته ثم أصبح العراق بعدها مركزا لخلافة الدولة الإسلامية في العصر العباسي حيث عاش العراق فترات تاريخية متميزة جعلته يتحول بحق إلى مصدر إشعاع تديني وحضاري متميز.

وتبرز القيم الدينية بشكل واضح في الحياة الاجتماعية العراقية من خلال تأثير المدارس الدينية التي أنشأتها الطوائف المختلفة في العراق وخصوصا الطائفة الشيعية حيث يتغلغل الدعاة الذين تخرجهم هذه المدارس في أوساط الناس يعلمونهم دينهم وشريعتهم وما تشتمل عليه من قيم وأخلاق.

غير أنه وعلى الرغم من سيادة الطابع الديني في الحياة الاجتماعية العراقية فان تباينا ملحوظا يمكن أن يبرز أمامنا ما بين مستوى ممارسة القيم الدينية في الريف الذي تحكمه ثقافة البداوة بأعرافها وقيمها كما مر معنا وبين مستوى هذه الممارسة في المدن التي تأثرت كما هو معروف ببعض الثقافات الوافدة من الحضارات الأخرى من جانب وانتقال بعض فئات المجتمع العراقي من حالة البداوة إلى حالة التحضر من جانب أخر ويتجلى هذا التباين في بعض أنواع السلوك الاجتماعي التي قد تتعارض مع بعض القيم الإسلامية والأعراف الاجتماعية العربية على حد سواء مما يخلق ازدواجا في الشخصية كما يرى بعض الباحثين.

لكن هذا الازدواج من جانب أخر ليس متأصلا في الفرد العراقي على كل حال بل هو طارئ يأتي في ظروف معينة وقد يزول بمجرد زوال هذه الظروف.

ومن هنا نستطيع القول بأن حالات الهجرة التي تعرض لها بعض أبناء الشعب العراقي وخصوصا في السنوات الأخيرة هي من قبيل الظروف الطارئة التي اشتركت إلى حد ما في إضعاف حالة التدين هذه عند بعضهم وبشكل استثنائي تحت وطأة الظروف الاجتماعية والاقتصادية الخانقة في بلدان المهاجر المختلفة.

نسبة تأثير القيم الدينية: استطلاعان في مهجرين

ويجدر بنا هنا أن نتوقف فليلا عند فقرة هامة من فقرات ما جاء في الاستطلاع الأول الذي أجريناه في سورة لما لهذه الفقرة من أهمية كبيرة في توضيح الفرق الحاصل في مستوى الرؤية في المهجر عن مستوى الرؤية التي يحملها أفراد العينة ممن اشتركوا في استطلاع دولة أوربية كهولندا وسنرى ذلك لاحقا خصوصا مع ملاحظة الفرق الواضح بين سمات هاتين الساحتين المهجريتين.

حيث سنرى إن العينة التي استطلعنا رأيها في ترتيب أولوية القيم حسب أهميتها وكما هي سائدة في ساحة المهجر العراقي في سورية ترى أن سلم القيم السائدة في ساحة المهجر في تلك الساحة يعاكس ذلك السلم ألقيمي السائد في الساحة الأوربية وتقود الأسباب في ذلك طبعا إلى الوضع الاقتصادي والسياسي ونفسي لأفراد العينة الأولى واختلافه عن الأوضاع التي يعيشها أفراد العينة الثانية في هولندا.

لذلك وجدنا أن العينة الثانية تعتبر إن القيم الاجتماعية السائدة في الوسط العراقي المهجري في هولندا فهي القيم الدينية والعادات والتقاليد العراقية الأصيلة وأحسب إن هذا الأمر قد انطلق من الراحة النفسية والأمان اللذين ينعم بهما أفراد العينة التي أجرينا عليها البحث في هولندا وفقدانه لدى أفراد العينة ممن اشتركوا في البحث السابق في سورية بالإضافة إلى التأثيرات الاجتماعية الناجمة من عيش العينة الأولى في وسط يغير تقاليدهم وأخلاقهم مما يجعلهم يتمسكون بدينهم أكثر في هذه البيئة..

ولأجل أن يكون الفرق واضحا بين ما جاء في البحث وما تقدم من القول حول فاعلية القيم الدينية في الحياة الاجتماعية العراقية واختلاف مستوياتها تبعا لاختلاف ساحة المهجر التي يقيم فيها العراقيون سوف ننقل مقطعا مما جاء في البحث الأول حول متغير القيم الدينية في ساحة المهجر سورية ليكون الأمر أكثر وضوحا.

القيم الدينية التي قدمنا لها في البداية وأشرنا إلى أهميتها وأولويتها وحاكمتها في سلوك المجتمع العراقي غنية عن التعريف ولا تحتاج أن نسوق الأسباب التي دفعتنا إلى أن نجعلها في جدول التصنيف القيمي الذي ضمه السؤال الثاني السؤال الذي طلب من أفراد العينة في البحث الأول ترتيب القيم حسب ما يرونها اليوم سائدة في المهجر العراقي لقد طلبنا من أفراد العينة أن يرتبوا القيم المذكورة وهي القيم الدينية الاقتصادية الاجتماعية السياسية حسب أولويتها وأهميتها كما يرونها هم بوصفها قيما سائدة بشكل كبير في المهجر مكان البحث فكانت النتائج هي أن نالت القيم الدينية المرتبة الثالثة في قائمة الأولويات التي يروها أفراد العينة في ساحة المهجر بوصفها هي القيم السائدة بشكل كبير في هذه الساحة التي أجري فيها البحث وهي سورية وذا ما علمنا أن هذا الترتيب يعبر عن نسبة حضور هذه القيم في علاقات الناس فيما بينهم وتعاطيهم لها أدركنا خطورة هذه النتيجة حيث من الغريب حقا أن يتعامل المجتمع العراقي في المهجر على أساس القيم الدينية بنسبة ضئيلة تجعلها تحتل المرتبة الثالثة في قائمة الأولويات وهو الذي كما ذكرنا في بداية هذه الدراسة قد بنى منظومته القيمة على أساس الدين والامتداد التاريخي والحضاري.

إن نظرة الفرد العراقي للمقدس نظرة لا تتزعزع بسهولة لأنها محايثة له في حركته الاجتماعية والأخلاقية وهي التي تفيض عليه طيف القيم الايجابية وتوسعه شيئا فشيئا حتى يترجم نظرته له عبر أفعاله وسلوكه المستمر ويقيم علاقاته مع كل الأشياء على أساسها وهو يتعامل مع كل ذلك تأسيسا على فطرته السليمة وفاعلية انتمائه الديني فهل من العدل أن يتناقص مستوى التزامه بالقيم الدينية لصالح القيم الاقتصادية والمادية وهل من المعقول أن نرد أسباب ذلك إلى المحنة فقط؟

أن إسقاطات المحنة مهما بدت كبيرة ومؤثرة لكنها لا تستطيع وحدها أن تغير البنية التحتية للقيم أ تهزها على أقل تقدير ما لم تكن هناك عوامل مساعدة تنبع من داخلنا نحن تساهم بشكل مباشر في تهميش القيم في حياتنا)).(3)

لقد أوردنا هذا المقطع من البحث السابق الذي أشرنا إليه في مقدمة هذا البحث لنبين الفرق في وجهات نظر الأفراد المشتركين في الاستطلاعين بالنسبة لتأثير القيم الدينية في ساحة المهجر ومقدار فاعلية هذه القيم في تحديد السلوك الاجتماعي بالنسبة لجالية العراقية في المهجر المختلفة في نوع وثقافة البيئة التي يعيشون فيها.

إن القيم الدينية هنا هي القيم التي تشتمل على العناوين الأخلاقية كالواجب والحق والعدل والفضيل وغيرها من القيم الأخلاقية وهي قيم غير إلية ولا غريزية كما يقول علم الأخلاق بل هي عمل اختياري ينطلق من الشعور الواعي ويعتمد على الحرية لكنه في نفس الوقت حينم يعتمد في أساسه على أصل ديني يكون مقيدا بطريقة محددة في الشكل والمضمون فلا يسع المرء أن يسلك طريقا وفقا لرغبة خاصة به بدعوى وجود الاختيار الحر لديه ما لم يكن هذا الاختيار منسجما مع ما يؤمن به من نسق فكري ديني ينبثق من عقيدته التي يحملها بين جنبيه ولذلك نرى أن الخط البياني لهذه القيم قد ينخفض بشكل ملحوظ في ظروف زمانية ومكانية استثنائية محددة وهي هنا ظروف الهجرة كما مر معنا قبل قليل.

وحدة السلوك والممارسة أيضا وفقا للمعطيات النفسية والاجتماعية التي تخلفها هذه الأزمات ولعل طبيعة الأزمة التي تعاني منها القيم الاجتماعية في ساحة المهجر تكون مستقاة من طبيعة هذه الفوارق وهي نفسها التي تؤسس نظام قيم جديد يربك النظام القديم ويشل حركته بين الأفراد والجماعات أي إن المحددات الجديدة لا كتساب نسق القيم سوف ترتبط بشكل مباشر بالجانب السيكولوجي والسوسيولوجي اللذين يتدخلان بدورهما في توجيه السلوك الأخلاقي العام الذي يدخل في إطار الظروف الجديدة المتناقضة في المهجر كل حسب ما تحمله ساحته من معطيات قيمة جديدة.

ويمكن دراسة بعض هذه الفروق التي يعيشها العراقيون في ساحة المهجر وتقييم عملية التطابق بين الفكر الذي يكمن وراءها وبين الممارسة التي تتجلى بها من خلال الحضور الفاعل للنشاط القيمي في حركة الواقع العراقي في المهجر.

فعلى سبيل المثال قد يفكر البعض في المهجر إن على المرء إن يهمل مؤقتا بعض القواعد الأخلاقية طلبا لمصالح خاصة على الرغم من أنه يتحدث للآخرين عن ضرورة الالتزام بهذه القوانين وهو بذلك يخالف على صعيد الممارسة ما يعتقد به على صعيد الفكر وحينما يوجه بتحقيقه أمره يتذرع فورا بطبيعة الظروف واختلاف المكان والزمان اللذين يحيا فيهما في هذه الساحة أو تلك وكل هذه التبريرات تدخل في إطار الفروق التي ذكرناها آنفا.

وقد يظن البعض الأخر من الناس مثلا إن من السذاجة أن يبقى المرء ملتزما بالإرادة الطيبة وصحوة الضمير في ساحة كساحة المهجر التي بعض بالاختلافات والتناقضات القيمة بين الأقليات والمجتمع الكبير الذي تنتمي إليه فالوضع هنا استثنائي ويجب معالجته بطريقة مختلفة حسب تصوراتهم التي تنتج في النهاية أحكامهم القيمة الجديدة.

إن أزمة القيم في المهجر هي أزمة شمولية بوجه من الوجوه ذلك لأنها تختزن عملية التجاذب بينها وبين كافة الظواهر الاجتماعية الجديدة التي تنشا في المهجر صميمية كانت أو هامشية فتقع هذه إن أزمة القيم في المهجر هي أزمة شمولية بوجه من الوجوه ذلك لأنها تختزن عملية التجاذب بينها وبين كافة الظواهر الاجتماعية الجديدة التي تنشأ في المهجر صميمية كانت أو هامشية فتقع هذه الظواهر تحت المجهر الذي يحدد مقدار اقترابها أو ابتعادها عن منظومة القيم ذاتها والأزمة التي نتحدث عنها هنا تجتاح القيم بمعناها الفلسفي الذي يشمل هو الآخر ذاتية الأشياء وموضوعاتها على حد سواء لذلك ما من شيء معنويا كان أو ماديا إلا ويقع ضمن ساحتها.

والى جانب كل ذلك فان الاختلاف الواضح بين طبيعة ساحات المهاجر المختلفة التي تضمن أن ثمة عوامل مهمة كما نعتقد تتوافر عليها الساحة الأوربية مثلا أثرت بشكل أو بآخر في الوعي ألقيمي للإفراد والأسر العراقية التي تقطن في البلدان الأوربية وربما جعلته أي هذا الوعي ينظر أحيانا إلى نسق القيم على انه مجرد نظام يمكن تغييره أو التلاعب ببعض فقراته وفقا للظروف كما قد تجعله هذه العوامل يعتقد أيضا وخصوصا بالنسبة لأولئك المتأثرين بالقيم الأوروبية التي ترى أن الإنسان وحده هو مقياس القيم وهو الذي يحدد منظومته القيمة بنفسه وهذه هي نظرة الوعي الأوربي للقيم حيث يعيش كل فرد أوروبي بفردانيتة وعالمه الخاص الذي يرسمه لنفسه ويحدد من خلاله القيم التي يعتقد بها وبأهميتها.

وبذلك تتوغل هذه الإسقاطات الثقافية من البيئة الأوربية التي تحيط بالفرد العراقي حتى تساهم بشكل مباشر أو غير مباشر في تكوين بنية جديدة لتفكيره العام وبالتالي تؤثر أيضا في نظرته للقيم.

وعلى هذا الأساس يمكن القول بأن طبيعة الاختلاف في ساحات المهاجر المختلفة هي التي تحدد شدة هذا الصراع ومستواه عبر استخدام كل فئة من الفئات الداخلة فيه لأسلحتها الثقافية ومناهجها التي تستند إليها مما يجعل الأمر أكثر أهمية من كونه صراعا يستهدف تذويب ثقافة الأقلية في ثقافة الأكثرية بل يتعداه إلى مستوى الشعور برغبة الأقلية بالحفاظ على كيانها في معركة يتحدد فيها مصيرها بالحياة أو الموت في إطار الثقافة المجتمعية التي انبثقت منها واستندت إليها وربما يفضي هذا الصراع في النهاية إلى استسلام الجماعات العراقية المهاجرة أو دخولها في ازدواجية الفعل الاجتماعي على أقل تقدير.

غير أ،،ا لاننكر حقيقة أن تكون هذه الازدواجية موجودة حتى في داخل الحياة الاجتماعية العراقية مع ارتفاع هذه الظروف الاستثنائية لكنها على أية حال تبقى نسبية وليست مطلقة.

تناول المخدرات والمشروبات الكحولية مثالا

ولو أردنا أن نستعرض بعض هذه العادات الموجودة بشكل محدود في الحياة الاجتماعية العراقية سوف نحتاج إلى مساحة أكبر من مساحة هذا البحث لغطيها ولكننا يكفي هنا أن نشير إلى واحدة منها مما أوردناه في بحثنا هذا وهي على سبيل المثال لا الحصر عادة تناول المخدرات والمشروبات الكحولية في العراق لنكتشف أنها من القيم السلبية غير الأصيلة في المجتمع العراقي.

إن من الثابت في ما يخص المخدرات في معظم الإحصاءات الرسمية العربية والعراقية بأن العراقيين هم أقل الشعوب العربية تناولا للمخدرات في وطنهم العراق فضلا عنها في خارجه ويبدو كما هو معروف من هذه الدراسات بأن العراقيين لم يتقبلوا هذا النوع من المواد المخدرة منذ ان دخلت لأول مرة إلى بلدهم وهم في حقيقة الأمر يفضلون شرب المشروبات الروحية بأنواعها على المخدرات وقد ذكر هذا الدكتور علي الوردي في كتابه (دراسة في طبيعة المجتمع العراقي) حيث يقول:

((مما يلفت النظر أن الأفيون والحشيش أو غيرهما من المخدرات لم ينتشر استعمالهما في العراق على نطاق واسع ولازال الخمر هو المشروب المحبب إلى قلوب أهل المدن العراقية إن الأفيون منتشر انتشارا واسعا في إيران(مع الانتباه إلى إن الكتاب صادر في الستينات من القرن الماضي). وقد بدأ ينتقل إلى العراق منذ عهد بعيد عن طريق الإيرانيين الذين يأتون إلى العراق للزيارة أو السكنى ولكن العراقيين لم يألفوه ولم يميلوا إلى تعاطيه إلا في نطاق محدود جدا)).(4)

وهنا يمكن أن يلاحظ نوعا من هذه الازدواجية في المجتمع العراقي حيث ذكرنا سابقا أنه يميل إلى التدين في أغلب ممارساته القيمية نتيجة للأدوار التاريخية التي مر بها العراق في المراكز الدينية والأماكن المقدسة التي تؤثر تأثيرا مباشرا في تحديد السلوك الاجتماعي العراقي فعدة شرب الخمر يرفضها الدين ويمقتها المجتمع المسلم ولكنها مع ذلك منتشرة بين أوساط العراقيين إلى جانب التدين وهناك أمثلة أخرى متعددة ربما تتجلى في القيم السياسية أكثر من أي مجال آخر.

القيم السياسية

تبدو القيم السياسة مرتبطة ارتباطا وثيقا بالحياة الاجتماعية العراقية حيث يصعب علينا أن نفصل بين هذين الحقلين اللذين يؤثر أحدهما في الأخر بشكل كبير ويكفي أن نلقي نظرة سريعة على تاريخ العراق والأحداث التي ضمها بين دفتيه لنكتشف هذه الحقيقة بدردة لا تقبل الشك أو الارتياب فقد كان العراق ولا يزال موطن الصراعات السياسية الكبيرة التي أثرت بإسقاطاتها الواضحة على الحياة الاجتماعية العراقية بشكل كبير وكنتيجة لهذه الصراعات يمارس المجتمع العراقي قيمه السياسية كل يوم تقريبا مع وجود حالة من المد والجزر تبعا للحكومات المتعاقبة التي حكمته عبر التاريخ.

وفي حديثنا عن وجود وفاعلية القيم السياسية في الحياة الاجتماعية العراقية يكفي أن ننقل ما قاله الدكتور الوردي في كتابه المذكور (دراسة في طبيعة المجتمع العراقي) حيث يقول:

((لعلني لا أغالي إذ قلت أن الشعب العراقي في مرحلته الراهنة هو من أكثر شعوب العالم إن لم يكن أكثرها ولعا بالسياسة وانهماكا فيها فكل فرد فيه تقريبا هو رجل سياسة من الطراز الأول فأنت لا تكاد تتحدث إلى بقال أو عطار حتى تجده يزن لك البضاعة وهو يحاورك في السياسة أو يسألك عنها وقد يحمل الحمال لك البضاعة فيحاول في الطريق أن يجرك إلى الحديث في السياسة وهو يزعم أنه لم تسلم مقاليد الأمور لأصلح نظام الحكم بضربة واحدة)).(5)

إن القيم السياسية في الحياة الاجتماعية العراقية تتجلى في نظر الفرد العراقي بضرورة أن يكون له رأي في كل ما يحدث حوله من تغيرات تشمل الحكم والقضاء والقانون وغير ذلك مما يخص أمور الدولة بشكل عام لأنه أي الفرد العراقي لا يفصل البتة بين حياة الدولة وحياة المجتمع الذي ينتمي هو إليه وتحكمه هذه الدولة غير أننا نثبت حقيقة أخرى هنا وهي إن الفرد العراقي يتميز في الغالب بالتقلب السياسي حسب الظروف التي تحكمه وقليلا ما يثبت على رأيه السياسي إلا في حدود ضيقة مما جعله يتخذ الجدل منهجا أساسيا في تعامله السياسي فضلا عن استخدامه في معاملاته الاجتماعية الأخرى ويقول الوردي أيضا بهذا الصدد:

((يمكن القول إن النزعة الجديلة لا تزال قوية في العراق حتى يومنا هذا غير أنها قد تحولت الآن عن طابعها الديني القديم قليلا أو كثيرا فصارت تدور حول مواضيع حديثة سياسة أو اجتماعية أو اقتصادية أو غير ذلك إنما هي لا تزال واضحة الأثر في شخصية الفر د العراقي)). (6)

ويمكن أن نعطي مثالا على ذلك وهو موقف العراقيين من الديمقراطية فهو موقف يتسم بالتذبذب في كثير من الأحيان لأنهم لم يتعودوا على الممارسات الديمقراطية بشكل هادئ وسليم في ظل الحكومات المتعاقبة التي حكمتهم في الفترات التاريخية التي مر بها العراق وهم ينتمون في الأصل إلى بيئة اشتهر عنها كثرة الخلافات الفكرية والجدل السياسي المحض في كل زمان ومكان كما ذكرنا سابقا وهم نتيجة لهذا الأمر يرغبون بالديمقراطية نظريا ولكنهم من جانب آخر يجدون صعوبة في تقبلها في الواقع العملي.

وأغلب ظني إن السبب في ذلك يقود إلى صعوبة انقياد الفرد العراقي لغيره بسهولة كما يحدث مع غيرة من الناس ولذلك فهو أي العراقي يحب إن يكون قائدا لغيرة في كل الأحوال ابتداء من الأسرة الصغيرة وانتهاء بالمجتمع الكبير الذي يعيش فيه.

نرى من المناسب أن نتحدث هنا عن مرحلة سابقة للقيم الجمالية العراقية التي نحن بصددها ألان تلك هي مرحلة الوعي الجمالي الذي يختلف بين المجتمعات كما هو ثابت في النظرية الاجتماعية للقيم كما يختلف من جيل إلى جيل حسب ما تقول به نظرية القيم نفسها كما إننا نشير قبل ذلك أيضا إلى أن القيم الجمالية العامة تشتمل على ذات القيم الأخلاقية التي يمكن أن يحملها الإنسان ويؤمن بها لان القيم الأخلاقية هي قيم جمالية على نحو فلسفي كما يبدو ذلك واضحا من خلال الفهم الكامل لمفهومي الحسن والقبح العقليين اللذين يرتبطان ارتباطا متينا بمنظومة القيم في النسق الفلسفي الأخلاقي الإنساني العام.

أن بعض علماء الاجتماع الذين يربطون بين بنية الوعي الجمالي والنشاط الجمالي الذي هو خطوة لاحقة لتلك إنما يجعلون التأثير بين البيئة التي يعيش فيها الفرد والوعي المتولد لديه هو الأساس في مسألة التقييم ..

وهذا الأمر كما نراه صحيحا في جانب من الجوانب وليس كلها فثمة تأثير كبير للوعي السابق على النشاط الجمالي هو الذي يحدد شكل هذا النشاط ونوعه وهو الذي يضفي عله الحياة التي تميزه عن غيره من الموضوعات البيئية ونقصد بالحياة هنا تلك الفاعلية القيمية التي تبدأ عملها فور الانتهاء من اكتمال النشاط الجمالي نفسه.

فنحن نرى مثلا في الفترة التي سبقت سيادة المفاهيم التي حملها الإسلام للعرب لم يكن هناك انعكاس للأشكال الجمالية المأخوذة من الطبيعة التي يعيش فيها العرب بل كانت هناك ضرورات بيئية تفرض عليهم اتخاذ شكل معين للبناء في الموقع التي يقيمون فيها ثم بعد ذلك اتخذت أشكال البناء صورا متعددة ومخ9تلفة أخذ أغلبها من المفاهيم الجديدة التي طرحها الإسلام مثل الهلال والنجمة الخماسية والقبة والأقواس التي ميزت البناء الإسلامي عن غيره من الأبنية الموجودة في الثقافات الأخرى.

من هنا نستطيع القول إن الوعي الجمال إنما ينشأ أولا من المفاهيم المهيمنة في النظرية العقائدية التي يحملها الإنسان ومن ثم يتحدد نشاطه الجمالي على أساسها لا العكس كما يرى البعض من علماء الاجتماع كما مر معنا قبل قليل.

بيد أننا لا ننفي من جانب آخر فاعلية الذوق الإنساني العام في نظرية الجمال فليس كل ما يقع في إطار الإشكال الجمالية في البيئة يجب أن يخضع بالضرورة لنظرية فاعلية العقيدة التي يحملها الفرد في تقييم هذه الأشكال ومن ثم تقبلها والتفاعل معها دون شروط إذ يمكن أن تتوفر بعض المفاهيم والأشكال الجمالية في عقيدة ما يتقبلها أفراد عقيدة أخرى بوصفها تنسجم مع الذوق الجمالي العام الذي تختزنه فطرة الإنسان وبالتالي فهو يتقبلها تحت هذا العنوان دون أن يدقق في ما إذا كانت هذه المفاهيم والأشكال منسجمة مع عقيدته أم لا.

((إن للوعي الجمالي الفردي مستويين مستوى فكريا ومستوى انفعاليا وتضمن المستوى الفكري القناعات والراء والمعارف الجمالية التي تحدد وعي الشخصية وتؤثر على الفهم الجمالي للعالم أو على عملية امتلاكه جماليا أما المستوى الانفعالي في الوعي الجمالي الفردي فيتألف من الحاجات الجمالية والاهتمامات والاستعدادات الجمالية والتفاعل بين هذا المستوى الانفعالي والمستوى الفكري هو الذي يحدد ذوق الشخصية وقدرتها على المباشرة على التلقي والمعايشة والتقويم)). (7)

وحيث أن العراقيين و هم يميلون طبعا إلى النظرية الشرقية الجمالية وخصوصا عند جيل الآباء والأمهات سوءا كان ذلك واضحا في أفكارهم وسلوكهم أم لا نراهم يعكسون وعي هذه النظرية للجمال النابع من بيئتهم الخاصة وما تشتمل عليه من مفاهيم قد لا يتفاعلون مع غيرها روحيا كما يحدث مع الشعوب التي لا تمتلك ثقافة راسخة كثقافتهم وبالتالي تنبهر مثل هذه الشعوب بكل جديد في الأشكال الجمالية الجديدة دون تحفظ.

ولعل البعض يجد مبالغة في هذا الكلام وربما يقول: انك تعطي الموضوع أكثر مما يستحق وأقول قد يكون ذلك صحيحا ولكننا بأي حال من الأحوال لا نستطيع وفقا للمنهج العلمي في مبحث القيم أن نهمل أي شيء مهما ظن البعض أنه صغيرا وتافها.

إننا هنا أمام سلسلة ذات حلقات متصلة يرتبط بعضها ببعض بمستويات مختلفة ومتباينة ضعفا وشدة لذلك فان الداعي إلى أن نورد هذه الفقرة ضمن القيم الاجتماعية العراقية هو شمولية البحث لهذه القيم بحقولها المتعددة حيث سنرى أهمية ذلك في معرفة الانطباعات الأولى لأفراد المهجر حول الأشكال الجمالية في البيئة المهجرية الجديدة والتي هي معرفة بداية محددة لعملية التغيير الحاصلة في منظومة القيم بأجمعها إن كان هناك تغيير.

ما تقدم من الكلام يقع كما قلنا في إطار تلمس وجهة النظر العراقية حول النظرة الجمالية للأشكال الخارجية للقيم الجمالية أما الآن فنحن نتحدث عن مرحلة متقدمة من هذه القيم تلك هي مرحلة ادارك القيم الجمالية من الداخل ومحاولة فلسفتها على أساس مستويات الفهم المتولد لدى أفراد المجتمع العراقي حول فلسفة القيم التي تندرج في إطار القيم الجمالية المعنوية ومن ثم مقارنتها بالقيم الجمالية التي يؤمنون بها حسب عقيدتهم التي يحملونها حول هذه القيمة أو تلك من هذه القيم.

فلآباء العراقيون القرويون مثلا قد لا يتفاعلون مع العناصر الجمالية في كل بيئة جديدة ما لم تتوافر هذه البيئة على عناصر جمالية تتطابق إلى حد كبير مع العناصر الجمالية التي تضمها بيئتهم الأصلية لأنهم يرون مصدر الجمال عندهم مثلا في القرية ومعالمها البيئية الخاصة بينما لا يجد أبناءهم الذين يمثلون الأجيال الثانية علاقة تربط بين هذه وتلك وهذا الحال أيضا ينطبق على الآباء ممن يسكن المدن في العراق حيث لا يجدون هذا الأمر مهما بالنسبة لهم مما ينعكس هذا الأمر على تربية هؤلاء وهؤلاء لأبنائهم.

(( إن أبناء الجيل الجديد ميالون بطبعهم إلى الاندفاع مع التيار الحضارة الحديثة فالتقاليد القديمة لم تتمكن من نفوسهم كمثل تمكنها من نفوس إبائهم وهم يجدون في التجديد إغراءا قويا يدفعهم نحوه)).(8)

إن القيم الجمالية عند العراقيين تنطلق من شخصية الفرد العراقي قبل كل شيء وهذه الشخصية التي تتوافر على ذوق جمالي يتميز بالصعوبة إلى حد ما تستتبع أن تكون نظرتها إلى كل قيمة جمالية جديدة محفوفة بالدقة في إرجاع عناصر هذه القيمة الجديدة إلى أصولها الجمالية التي هي في نظر الفرد العراقي أصول بيئته الأم وما تشتمل عليه من عناصر جمالية خاصة لذلك فهو يبدأ من ملاحظة ومقارنة القيم الجمالية ابتدءا من ابسطها وانتهاء بأعقدها تركيبا في الشكل والمضمون.

فعلى سبيل المثال في ما يخص الشكل الخارجي للإنسان وما يرتديه من ملابس تعكس ذوقه الجمالي شكلا ومضمونا يكون الفرد العراقي أكثر حرصا على الاهتمام بها مقارنه بالآخرين على الرغم من أنه يفهم جيدا أن مسألة الاهتمام بالشكل الخارجي قد لا تعكس المضمون في الغالب وهو في هذه النظرة يشترك مع غيره من أبناء الشعوب الشرقية والإسلامية التي تنطلق أساسا من الفهم الإسلامي للمظهر الذي يجب أن يكون عليه الفرد المسلم كما لا يختلف العراقيون كقوميات متعددة حول هذه النظرة فيما بينهم سوءا كانوا عربا أو أكرادا أو تركمانا أو آشوريين يقول الكاتب منذر المصلي مثلا في ما يخص الأكراد وعاداتهم في كتابه ((عرب وأكراد)) ما نصه:

((يهتم الأكراد كثيرا بهندامهم ومظهرهم الخارجي فهم يتباهون ويتبارون بالأناقة وحسن المظهر وتجدهم ينفقون على ملبسهم إنفاقهم على طعامهم سوءا بسواء وقلما تصادف كرديا رث البيئة مقيت المظهر قميء الشكل بالغا ما بلغ من فقر وبؤس أو سوء حال)).(9)

إن مسالة الاهتمام بالشكل الخارجي عند الشرقيين كما هو معروف لا علاقة لها بما يحمله المضمون فهم يرون إن إمكانيات الفرد الاجتماعي تبقى هي هي حتى لو كان ذلك الشخص قليل الإمكانيات الذاتية وقليل التأثير في الوسط الاجتماعي إذ إن جزءا مهما من تربيتهم الإسلامية والشرقية عموما يتدخل في رسم هذا الشكل الخارجي من أناقة ونظافة وطهارة دائمة يأمرهم بها دينهم الإسلامي في كل زمان ومكان.

والأوربيون جميعا يعرفون هذا الأمر جيدا عن المسلمين حيث تعد النظافة والطهارة عند المسلمين عادة لاصقة بهم أكثر مما هي ضرورة صحية أو واجب ديني.

ومعروف تاريخا إن محاكم التفتيش الاسبانية كانت تتعرف على العربي الأندلسي المتنصر المتمسك بإسلاميته سرا من كثرة اغتساله وخاصة أيام الجمع فتقبض عليه وتحاكمه ثم تقوم بإعدامه.

قيمة التضامن الاجتماعي

إن قيمة التضامن الاجتماعي من القيم المهمة في منظومة القيم الاجتماعية والأخلاقية وهي واجب أنساني ينبع من الضمير الفاعل في الحركة الاجتماعية باتجاه الخير والعطاء لأنها تنطوي على أمر أساسي مهم يتجلى في إشاعة التنظيم الاجتماعي المنضبط وفق قواعد أخلاقية تحتمها الحياة الإنسانية السليمة.

وكما يقول الدكتور عادل العوا في كتابه(العمدة في فلسفة القيم) إن)) التضامن قيمة اجتماعية تركيبية تضمن إلى التنظيم مفهوم العدالة وهي الحد الأدنى من السلوك الأخلاقي الذي لا مندوحة عنه في استمرار وجود الحياة الاجتماعية وتقدمها)).(10)

ولذلك كان إدراجنا لهذه القيمة في البحث ضروريا لما لهذه القيمة من أهمية في معرفة ردود فعل أفراد العينة على ممارسة هذه القيمة في البيئة الجديدة ومجتمعها الجديد عليهم وخصوصا في عملية الاندماج الاجتماعي فالمعروف إن الفهم المحدود لهذه القيمة إنما يربط بينها وبين الوحدات المشتركة الخاصة التي تربط بين فاعلها وبين من يتضامن معهم وهذه الوحدات المشتركة الخاصة هي التي تشكل الدافع الأساسي عند هؤلاء لممارسة هذه القيمة.

أما الفهم الصحيح لقيمة التضامن الاجتماعي فهو يتعدى هذه الوحدات المشتركة الخاصة ليدخل في إطار الوحدات المشتركة العامة التي تدعو لها المنظمة القيمية العامة في الفكر الأخلاقي الإنساني عموما بالإضافة إلى تقدير ما يمنحه المجتمع بصورة عامة من عطاء مستمر يصب في فائدة الفرد والجماعة على حد سواء مما يدفع بالفرد إلى أن يترجم رد الجميل لهذا المجتمع من خلال ممارسته للتضامن الاجتماعي ومشاركة الآخرين في قضاياهم المهمة ومشاكلهم التي قد تلف في عجلتها هذا الفرد إذا لم يكن موقفه من التضامن الاجتماعي كما تريده المنظمة القيمية الاجتماعية العامة.

قيمتا الأمن والاستقرار الاجتماعي والنفسي

وكانت لنا وقفة أيضا في هذا المحور في ما يشبه أن يكون خاصة لكل الأسئلة المتعلقة بالواقع النفسي التي وردت فيه ونتيجة نهائية حاول البحث إن يستخلصها من كل الخطوات السابقة التي اتبعها مع أفراد العينة المبحوثين في هذا المجال.

هذه الوقفة تركزت حول قيمتي الأمن والاستقرار الاجتماعي والنفسي لأفراد العينة وهم يعيشون في بيئتهم الجديدة أي المهجر.

قيمة الارتباط بالوطن الأم وهاجس العودة إليه

ويدخل في إطار قياس القلق وعدم لاستقرار الاجتماعي والنفسي الدائم في البيئة الجديدة وما تشتمل عليه من مظاهر جديدة تختلف في كل شيء تقريبا عن البيئة الأصلية لأفراد العينة بالإضافة إلى سعي البحث لقياس مستوى وجود الرغبة الجامحة في الالتصاق بأجواء البيئة القديمة التي تحمل منظومة القيم الأساسية لأفراد المهجر.

التمسك بالقيم الأصلية والتشدد في تربية الأبناء

وكذلك الأمر حينما نستهدف قياس تمسك أفراد المهجر بأسلوب تربية الأبناء والتشدد في هذه التربية من جانب ومقدر الانشداد إلى القيم السابقة في السلوك الشخصي بالنسبة للكبار من جانب آخر حيث نرى نسبة من قاموا بإتباع أسلوب ضرب الأبناء على أخطائهم التي يرتكبونها في الشارع 9% للخيار الأول و22% للخيار الثاني وهما خياران يشيران إلى وجود حالة من التشديد في التربية الأسرية في كل الأحوال أي أنهم مصممون على تأديب الأبناء وتوبيخهم على أخطائهم وعدم التغاضي عن ذلك..

وليست النسبة الكبيرة التي اختارت الخيار الثالث وهو التراجع عن فكرة الضرب نهائيا جاءت كما يبدو نتيجة التفات هؤلاء إلى أن الأوربيين في هولندا لا يضربون أبناءهم وبالتالي يكون قرار التراجع بناء على ذلك بل لأيمان هؤلاء بأساليب تربوية أخرى جاءت أيضا من قيمهم السابقة وهي الرأفة بالصغار وتربيتهم بالعقل والإقناع.

خلاصة نتائج البحث وتوصياته

لقد انتهينا من البحث ونحن أمام مجموعة من النتائج التي يمكن أن تضعنا في تصور واضح عن الأهداف التي سعى هذا البحث لتحقيقها وأهمها ذلك العنوان الرئيسي الذي تصدر هذه البحث لقياس منظومة القيم الاجتماعية العراقية في المهجر بالإضافة إلى محاولة الكشف عن مستوى عملية الاندماج الاجتماعي العراقي في البيئة الهولندية وفاعلية هذا الاندماج وتجلياته في الحياة اليومية العراقية.

وقد رأينا من خلال هذا البحث إن ثمة مؤشرات كثيرة تفصح بما لا يقبل الشك عن وجود حالة من الالتفاف والتشدد لدى أفراد المهجر حول المنظومة اقيمية الاجتماعية العراقية القديمة الأصلية تمنع إلى حد ملحوظ من إمكانية وجود تغيرات كبيرة ومؤثرة فيها مما يسبب بطبيعة الحال عرقلة عملية الاندماج الاجتماعي خصوصا عند من يمثلون الجيل الأول من أفراد العينة ورأينا أيضا إن الأسباب التي تكمن وراء ذلك هي وجود فاصل مؤثر بين المفاهيم القيمية الأساسية في كلا المنظومتين وأؤكد هنا على (المفاهيم القيمية الأساسية) لأننا رأينا أن ثمة اتفاقا يعتد به في ما يخص بعض المفاهيم القيمية الأخرى التي تجري مجرى الأعراف الاجتماعية المحايدة كاحترام القانون والعمل وممارسة الديمقراطية السياسية وحرية الانتخاب وما إلى ذلك حيث أن أفراد العينة يمتلكون (حسب ما أثبته البحث) تصورات مشتركة مع الفهم العام على أقل تقدير حول هذه المفاهيم القيمية وان بدرجات متفاوتة.

ويبدو من خلال نتائج البحث أيضا إن العراقيين ينخرطون في ذات الحالة التي وصفها الباحث مارتن كاسترز في مقالته التي تحدث فيها عن المسلمين والواردة في كتاب (الأقليات المسلمة في الغرب) حيث يقول كاسترز:

((عوضا عن أن يرغب الآباء المسلمون في تطوير وتعميق مشاعر أطفالهم الدينية وذلك بإعطائهم أساسا إسلاميا قويا يستطيعون من خلاله المشاركة بحرية في المجتمع الهولندي فان كثيرا منهم يرغبون فقط في حماية أطفالهم من الأثر الضارة للمجتمع الهولندي ونتيجة لهذا يميل المسلمون إلى عزل أنفسهم عن محيطهم غير الملم الذي يحمل بدوره خطر إثارة رد فعل مشابه من الجانب الهولندي وهناك بالطبع أسباب لهذا السلوك وأحد هذه الأسباب يتعلق بدن شك بالطبيعة الاجتماعية والاقتصادية للمسلمين حيث يجدون أنفسهم بصورة عامة في موقع متخلف وينظرون إلى المجتمع الهولندي من موقع سوء وغير مريح)).(11)

ورغم أننا لا نوافق كاسترز على كل ما جاء في رأيه أعلاه إلا إن مثل هذا التحفظ في رأينا لازال يحتل مكانة كبيرة في فكر ووعي أفراد المهجر رغم أن أغلبيتهم يبدون استعدادهم لتقبل عملية الاندماج الاجتماعي الحاصلة في بغض القيم الاجتماعية الحيادية واستعدادهم لتقبل عملية الاندماج الاجتماعي لإيمانهم بضرورتها وفاعليتها وفائدتها العملية ولكن وفق شروط وضوابط صارمة أيضا في إطار هذا التحفظ المذكور.

ولا يخفى على الباحث ما بين النظامين من فرق واضح في علم الاجتماع اليوم وما يسقطه كل واحد منهما من تأثير على الفرد الاجتماعي وبمستويات تتفاوت في شدتها وضعفها حسب الظروف المحيطة بالفرد والمجتمع على حد سواء.

فالنظام الاجتماعي كما جاء في معجم علم الاجتماع ((يتكون من شخصين أو أكثر يتفاعلون بصورة مباشرة أ, غير مباشرة في ظروف معينة ويقع النظام الاجتماعي ضمن حدود طبيعية وإقليمية معينة غير أن للإفراد الذين يتكون منهم هذا النظام علاقات متبادلة ومصالح مشتركة لهذا نستطيع اعتبار الجماعات الصغيرة والأحزاب السياسية والمجتمعات الكبيرة أنظمة اجتماعية والأنظمة الاجتماعية هي أجهزة مفتوحة طالما أنها تتبادل المعلومات والخبرات وتتفاعل اجتماعيا باستمرار مع بقية الأنظمة الاجتماعية الأخرى)).(12)

بينما نرى أن هناك فرقا واضحا بين هذا النظام والنظام الحضاري أو نظام الشخصية كما يسمى أحيانا حيث يشمل هذا الأخير المعتقدات والقيم والوسائل الرمزية للاتصالات بين الأفراد في حين يشير الأول في ماهيته إلى أشكال وأنماط التفاعلات والتنظيمات الاجتماعية التي تقوم بتشكيل الحدود المصطنعة لهذه التفاعلات من أجل تنظيم العلاقات الاجتماعية المشتركة لا أكثر ووفقا لهذا الفرق بين الاثنين نرى أن ثمة انسجاما وتوفقا مع الرغبة الأكيدة التي يحملها أفراد المهجر في تحديد وتقييد عملية الاندماج الاجتماعي بين هذه الأقلية العراقية الصغيرة والمجتمع الكبير ضمن حدود الفهم الواعي للنظام الاجتماعي والالتزام به في الساحة الاجتماعية للمهجر بسبب الوجود الفعلي والواقعي لهذه الأقلية في داخل هذا المجتمع الكبير.

أن الانخراط في النظام الاجتماعي العام بالنسبة لأفراد المهجر يمنحهم الفرصة في إثبات نواياهم في عملية التأقلم المحسوب وفق ضوابط هذا النظام نفسه بالإضافة إلى إثبات إمكانية التعامل مع مفردات المنظومة القيمية التي تتشكل في النظام الحضاري الذي يسير بموازاة ذاك النظام وبشكل يضمن مسيرة الاثنين معا دون أي تصادم بينهما قد يكون سببا لمشاكل اجتماعية عويصة تأتي من تضارب المفاهيم القيمية المنبثقة من كلا المنظومتين الاجتماعيتين.

وفي نظرنا يمكن أن يكون الانخراط في النظام الاجتماعي هو الحل الوحيد أمام أفراد الجالية العراقية لدفع المشاكل الناجمة عن تصادم القيم بين هاتين المنظومتين لان هذا الانخراط لا يعني بأي حال من الأحوال ذوبان المجموعة الصغيرة تماما في المجتمع الكبير الذي تعيش في وسطه البيئي الفاعل والمؤثر إلى حد كبير.

ومن جانب آخر فان الأقلية العراقية في المهجر والتي تتصف كغيرها من الجماعات الصغيرة بوجود جماعة عضوية وجماعة مرجعية حيث ينتمي الفرد في الأولى انتماءا شكليا صوريا ويتأثر نفس هذا الفرد بسلوكيات وأخلاقيات الجماعة الثانية وهي الجماعة المرجعية تأثرا كبيرا لابد لها في هذه الحلة أي حالة الانخراط في النظام الاجتماعي من أن توازن في عملية التنشئة المعدة لأجيالهم القادمة بين المفاهيم الكثيرة التي سوف تطرحها الساحة المشتملة على أجماعة المرجعية والمفاهيم التي تحملها الجماعة العضوية التي تنتمي إليها هذه الأجيال الناشئة هناك وبشكل يجعل من عملية التوازن هذه مصدرا ثرا لصمامات الأمان التي تتخلص من خلالها بسهولة من حالات الفصام ألقيمي المحتملة في نفسية هذه الأجيال.

ويحتل هذا الأمر مكانة كبيرة وهو ذو أهمية قصوى في الفكر الإسلامي المعاصر حيث يعكف المثقفون الإسلاميون اليوم على دراسة مشكلة الاندماج الاجتماعي بالنسبة للمسلمين الذين يعيشون في البلدان الأوربية وغيرها ويفكرون في وضع الحول المناسبة لها والمرضية للمسلمين والوسط الذي يعيشون فيه على حد سواء.

يقول الباحث غالب حسن في معرض حديثه عن هموم الشباب العراقي في الغرب وعلى الخصوص في مسألة الاندماج الاجتماعي ((إن الحفاظ على أدنى مستوى من هذه القيم في ضمائر وسلوكيات أجيالنا تتطلب أولا إشباع حاجاتهم الضرورية بما يتناسب والمستوى المنظور فهؤلاء ينبغي أن يتمتعوا بحقوقهم كاملة من متاع الحياة الدنيا وأن نوفر لهم أرقى ما يمكن من نواد رياضية ومكتبات متنوعة وصالات مطالعات وأن نضع بين أيديهم كل ما نستطيع من ممكنات اللهو البريء والمتعة المعقولة ونتعهد مهاراتهم وهواياتهم بالرعاية والدعاية والعدعم والتشجيع وإلا فان أي تقصير في هذه المجالات سوف ينعكس سلبيا على قيمنا مهما كانت جميلة ورائعة لقد بخل بعض الآباء على أبنائهم بالمأكل الجيد والملبس المحترم ولم يحترموا حقوقهم المشروعة بالحياة الكريمة فتمرد هؤلاء الأبناء على الدين والقيم والأخلاق)). (13)

ويقول أيضا في موضع آخر في ما يخص التعامل مع الديمقراطية كقيمة أخلاقية وحضارية (إن المسلم العراقي لا يجد ما يمنعه من ممارسة الديمقراطية كقيمة سياسية ومن الممكن أن يحمل لواء هذه الفكرة كقيمة أخلاقية قبل كل شيء وذلك في ضوء المعايير الإسلامية العامة التي تدعو إلى المساواة)).(14)

ويعد ما ذكرناه أعلاه من التوصيات المهمة التي يوصي بها هذا البحث أفراد الجالية العراقية في أوربا بشكل عام في إطار عملية خلق جديدة لمفهوم الاندماج الاجتماعي الذي يضمن لهم ولأجيالهم حياة سليمة ومستقرة مع ضمان تمتعهم بممارسة قيمهم الاجتماعية في بيئتهم الجديدة دون مشاكل محتملة أو صدامات ثقافية ومفاهيمه بين المنظومتين الاجتماعيتين القيمتين اللتان يتفاعلان في نظرنا جنبا إلى جنب في كل مرافق الحياة في البيئة الاجتماعية الجديدة في المهجر.





المصادر والهوامش:
................

1- هيني، نعمان (1988) ثقافة الأطفال سلسلة عالم المعرفة رقم 123 ، ص39.

2- الوردي ، علي ، 1998 ، دراسة في طبيعة المجتمع العراقي انتشارات الشريف الرضي ، إيران ط2 ، ص38.

3- راجع هذه الفقرة من البحث السابق 0سنظومة القيم الاجتماعية العراقية في المهجر / سورية في مجلة (دراسات عراقية) العدد السادس ، 1998 ، ص97.

4- الوردي ، علي ، دراسة في طبيعة المجتمع العراقي مصدر سابق ، ص319.

5- المصدر السابق ، ص356.

6- المصدر السابق ، ص291.

7- بلوز ، نايف ، 1990 علم الجمال مطبعة الروضة ، الطبعة الثالثة دمشق ص 60 – 61.

8- الوردي علي دراسة في طبيعة المجتمع العراقي مصدر سابق.

9- الموصلي منذر عرب وأكراد دار الغصون بيروت ، 1995 ، ص 398.

10- العوا ، عادل (1986) العمدة في فلسفة القيم دار طلاس ، دمشق ، ص460.

11- كاسترز مارتن الأقليات المسلمة في الغرب ترجمة صفاء روماني دار طلاس دمشق 1998، ص116.

12- ميشيل ، دينكن ، معجم علم الاجتماع ، ترجمة د. محمد الحسن ، مصدر سابق ص321.

13- حسن ، غالب ، الشباب العراقي ومسألة الاندماج في المجتمع الأوربي مجلة دراسات عراقية عدد 17 ، ص139.

14- حسن ، غالب ، نفس المصدر السابق ، ص 119.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* المصدر :
http://alhadhariya.net/dataarch/dr-igtemaai/index113.htm

*************************
إبراهيم حسن
مدير منتدى أنثروبولوجيون في العالم
Anthropologists in the world‎‏‏

إبراهيم حسن
المدير العام للموقع
المدير العام للموقع


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: القيم الاجتماعية العراقية في المهجر الأوربي/ دراسة اجتماعية

مُساهمة من طرف yamini في 12/10/2013, 21:20

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركانه أريد مساعدة حول القيم الإجتماعية

yamini
عضو جديد
عضو جديد


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى