أنثروبولوجيون في العالم Anthropologists in the world‎‏
عزيزي الزائر الكريم
انت لم تسجل في المنتدى بعد، عليك الضغط على زر التسجيل ادناه لتتمكن من مشاهدة ‏جميع الصور والروابط في المنتدى، والمشاركة معنا.ان امتناعك عن التسجيل يعني ‏حرمانك من مزايا المنتدى الرائعة .‏

أنثروبولوجيون في العالم Anthropologists in the world‎‏

المنتدى العربي الاول في الانثروبولوجيا/ Anthropologists in the world‎‏
 
الرئيسيةس .و .جبحـثدخولالتسجيلالتسجيلإتصل بنامن نحن
نود إعلامكم بأنه تم تغيير إسم المنتدى من الانثروبولوجيين العرب إلى : أنثروبولوجيون في العالم .. لنكون أكثر إمتداداً في العالم.. نحن الافضل دائماً.
اهلا بكم زوارنا واعضاءنا الافاضل في منتداكم منتدى أنثروبولوجيون في العالم
تنبيه: الى جميع الاخوة الاعضاء الرجاء عدم وضع اي اعلان ترويجي لصالح اي منتدى او مؤسسة او منظمة اهلية او حكومية وبخلافه سوف يتم مسح الاعلان والغاء عضوية الفاعل ... شاكرين لكم تعاونكم معنا
المنتدى يوفر لكم الكتب والرسائل والاطاريح وكافة الاستشارات والاسئلة لكي نساعدكم في انجاز دراساتكم مجانا
ساعة فلاشية
دخول
اسم العضو:
كلمة السر:
ادخلني بشكل آلي عند زيارتي مرة اخرى: 
:: لقد نسيت كلمة السر
المواضيع الأخيرة
» كتــــــــــــــــــــاب بالفرنسية Combattre : Une anthropologie historique de la guerre moderne (XIX-XXIe siecle)
اليوم في 00:47 من طرف liveonsat

» بحوث في الانثروبولوجيا العربية
24/10/2014, 08:34 من طرف fnr

» 5 كتب فى الانثروبولوجيا
24/10/2014, 07:33 من طرف fnr

» نظرية الفعل الاجتماعي
22/10/2014, 07:02 من طرف بلجود لخضر

» تحميل كتاب علم اجتماع التنظيم وعلم اجتماع التنمية
19/10/2014, 05:40 من طرف proteclao

» نمط اشتغال النظام السياسي الجزائري نحو مقاربة بنائية- تاريخية / أ.د نور الدّين زمّام (الجز
17/10/2014, 02:23 من طرف soumia azzabi

» المساعدة في رسائل الماجستير والدكتوراة والابحاث ومشاريع التخرج
16/10/2014, 02:35 من طرف soumia azzabi

» الاثنوغرافيا بالتفصيل
12/10/2014, 19:58 من طرف مها عبدالعزيز

» تحميل كتاب الحركات الاجتماعية لتشارلز تلي
10/10/2014, 10:02 من طرف ابواحمد65

أفضل 10 أعضاء في هذا المنتدى
إبراهيم حسن - 2171
 
تقوى الرحمان - 443
 
طالبة دكتوراه - 240
 
سعيد الجزائري - 178
 
كوردستان - 121
 
alalkoora1990 - 106
 
ذكرى الحلوة - 100
 
alisaiddz - 95
 
د.احمد جميل - 81
 
طالبة ماجيستير - 75
 
يمنع النسخ
عدد زوار موقعك

.: عدد زوار المنتدى :.

اهلا بكم
شاطر | 
 

 بحث فلسفي: الإبستمولوجيا وقيمة العلم

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
alisaiddz
عضو نشيط
عضو نشيط



مُساهمةموضوع: بحث فلسفي: الإبستمولوجيا وقيمة العلم   5/8/2010, 03:45

بحث فلسفي
الإبستمولوجيا الحديثة وقيمة العلم
مدخل:
الفلسفة كلمة يونانية الأصل مركبة من كلمتين: فيليا أي محبة، وصوفيا أي الحكمة، أي أنها تعني محبة الحكمة. وبإمعان النظر في هذا التعريف اللغوي يتبين لنا أن الفلسفة لا تعني الإحاطة بكل المعارف أو امتلاكها، وإنما تعني طلب المعرفة والبحث عنها وإيثارها ومحبتها والجد في تحصيلها عن طريق النظر العقلي (1). وهذا الطابع ينطبق أيضا على العصر الحديث، فكلمة فلسفة تستخدم للدلالة على السعي وراء المعرفة المتعلقة بالكون والطبيعة والإنسان ومشاكل التطور الفكري والعلمي الخ. كما تستخدم أيضا للإشارة إلى التراث الفلسفي الذي أنتجه كبار المفكرين والفلاسفة من نظريات وتيارات ومواقف مشتركة.
وعلى الرغم من أن المعنى الاشتقاقي للفلسفة يوناني الأصل، إلا أنها لا ترتبط باليونان فحسب ، بل هي إرث مشترك لكل الإنسانية، فالمعرفة الفلسفية هي من صميم الإنسان بغض النظر عن الجنس أو اللون أو المعـتـقـد، وهذا ما يفند الرؤية المركزية لبعض المفكرين الغربيين الذين يعتبرون الفلسفة نتاج العبقرية الغربية وبالتحديد العبقرية اليونانية، في حين أن هذه العبقرية هي ذاتها نتاج التفكير الفلسفي لدى الحضارات الشرقية السابقة عليها، وتم إثراؤها بالإضافات الخصبة للفلاسفة والمفكرين الإسلاميين الذين لم يكونوا مجرد ناقلين للفلسفة اليونانية، بل كان لهم إسهام عميق في تطورها وإثرائها.
وبسبب هذا الطابع الإنساني للفلسفة، تعددت المسائل التي تطرحها والقضايا التي تعالجها والإجابات المختلفة على هذه القضايا باختلاف الزمان والمكان، حيث أن التساؤل عن ماهية الفلسفة لا يعني انتظار إجابة واحدة نمطية سواء في عصر معين أو في مختلف العصور، أو لدى مختلف الأمم أو الأمة الواحدة.
لكن مهما كانت الاختلافات، فالسؤال الفلسفي يبقى سؤالا مشتركا بين الفلاسفة على اختلاف عصورهم وأزمنتهم وقابلا للنقاش والأخذ والرد. وهذا القاسم المشترك يشكل أحد المظاهر الجوهرية للفلسفة وميلها للتساؤل والتدقيق في كل شيء والبحث عن ماهيته ومظاهره وقوانينه .
لقد كانت المادة الأساسية للفلسفة في العهد اليوناني تتسم بالسعة والشمول والتشعب أكثر مما هي عليه الآن، حيث ارتبطت بكل أصناف العلوم والمعارف، وبالإضافة إلى طابعها الشمولي، فقد تميزت دوما بطابع منهجي نقدي أيضا، حيث توصف أحيانا بأنها "التفكير في التفكير"، أي التفكير في طبيعة التفكير والتأمل والتدبر، كما تعرف أيضا بأنها محاولة للإجابة عن الإشكالية الأساسية التي يطرحها الوجود والكون، والذي هو المجال الأساسي الذي دارت حوله الفلسفة منذ العصر اليوناني، وما تزال المذاهب الفلسفية الحديثة حتى الآن تطرح هذه المسألة الأساسية بوجهات نظر مختلفة وأحيانا متناقضة (2).
ويمثل الاختلاف في وجهة النظر إلى الإشكالية الأساسية في الفلسفة الحديثة والمعاصرة أحد مظاهر التطورات العميقة والخصبة التي عرفها الفكر الفلسفي ونقلة نوعية في الفكر المعاصر، حيث عرفت الفلسفة تطورات مهمة، فمن فلاسفة الإغريق الذين أسسوا قواعد ومبادئ الفلسفة الأساسية كعلم يحاول بناء نظرة شاملة للكون ضمن إطار النظرة المادية أو المثالية، إلى الفلاسفة المسلمين الذين تواصلوا وتفاعلوا مع التراث الفلسفي اليوناني مدمجين هذا الإرث العظيم مع إبداعاتهم الخاصة وإضافاتهم النظرية والعملية، إلى الفلسفة العلمية والتجريبية في عصر النهضة الأوربية، ثم إلى الفلسفة المادية بجميع أشكالها، والفلسفة المثالية بكل تياراتها في العصر الحديث. ففي جميع هذه المراحل والحقب عرف الفكر الفلسفي تطورا نوعيا في طبيعته ومجالاته وتعدد مذاهبه ومناهجه واستقلال كثير من العلوم والمعارف التي كانت تدرج ضمنه مثل علم الاجتماع وعلم الاقتصاد وعلم النفس وغيرها من العلوم التي استقلت عن الفلسفة منذ مطلع النهضة الأوربية.
وهكذا بدأت النظرات الفلسفية تتمايز وتختلف وتتحاور وتتصارع على صعيد المذاهب الفلسفية، بل وداخل المذهب الفلسفي الواحد. لقد أصبحت الفلسفة الحديثة بتياراتها المختلفة وخاصة في أمريكا (التيارات التحليلية والبراغماتية والوضعية المنطقية وغيرها) تميل إلى أن تكون ذات طابع منهجي وتقني حيث تـركز عـلى المنطق والتحليل المفاهيمي للقضايا العلمية والنظرة النقدية لهذه العلوم، وبالتالي أصبحت اهتماماتها تشمل نظرية المعرفة، والأخلاق وطبيعة اللغة وطبيعة العقل وغير ذلك من المفاهيم التحليلية.
ولكن توجد إلى جانب التيارات السالفة الذكر اتجاهات أخرى في بلدان أخرى من أوربا وغيرها، ترى بأن الفلسفة تدرس قضايا المعارف والعلوم، وتقدم نفسها كنظرية عامة وشاملة. وبهذا الفهم تصبح الفلسفة معنية بتحديد طريقة الحياة المثالية وليست مجرد محاولة لفهم الحياة (3).
واستنادا إلى الطابع العـام الذي تتميز به الفلسفة، والمجـالات التي ظلت حتى عصـرنـا تتناولها في نطـاق
الاتجاهات والتيارات الحديثة، يمكن تحديد فروعها الرئيسية فيما يلي:
1- المنطق بأشكالـه الصوريـة والرياضيـة والتجريبيـة والجدليـة:
فالأبحاث المنطقية تسعى من خلال صورها وأشكالها إلى دراسة القضايا الفكرية والعلمية بغية الحكم عليها والبرهنة على صحة ومعقولية حججها، كما يحاول المنطق تحديد معايير الحكم على صحة القضايا تبعا لنوعية الشكل المنطقي المستخدم في دراستها، وطريقة التفكير في قضايا معقدة بطريقة نقدية سليمة.
2- الأنطولوجيا:
يشكل هذا المبحث الوجه الأول (الوجه الوجودي) للمسألة الأساسية في الفلسفة، ويبحث في مسألة الأولوية في الوجود أو العالم، هل هي للمادة أم للوعي، للوجود أم للفكر، وعلى ضوء الإجابة على هذا السؤال انقسم الفلاسفة إلى تيارين أو نزعتين رئيسيتين في الفلسفة. فالفلاسفة الذين يقرون بأولوية المادة أو الوجود على الوعي أو الفكر، يشكلون التيار المادي أو النزعة المادية في الفلسفة، في حين أن الفلاسفة الذين يرون أن الوعي أو الفكر هو الأسبق في الوجود يؤلفون التيار المثالي أو النزعة المثالية(4).
3- الإبستمولوجيا:
ويشكل هذا المبحث في بعض التيارات الفلسفية وعلى الخصوص أنصار النزعة المادية الوجه الثاني للمسألة الأساسية في الفلسفة (الوجه المعرفي). وتبحث الإبستمولوجيا في قضية إمكانية معرفة العالم، هل يمكن أن تكون هذه المعرفة موضوعية يقينية، أم أن العالم مستعص على المعرفة لا يمكن إدراكه، وبالتالي لا وجود للحقيقة الموضوعية. وفي الوقت الذي تعترف فيه الفلسفة المادية بالإمكانية المبدئية لمعرفة العالم، وتعتبر الوعي انعكاسا للعالم الخارجي، تنفي النزعة المثالية، بما فيها تلك النزعة التي تعترف بإمكانية معرفة العالم، أن وعي الناس يعكس الواقع الموضوعي ( العـديـد من الفلاسفة المثاليين لا أدريون يحاولون تعليق أجوبتهم على المسألة الأساسية في الفلسفة، ويتخذون موقفا وسطا بين المادية والمثالية) (5).
ولكن الكثير من المفكرين والفلاسفة المعاصرين يعطون لمبحث الإبستمولوجيا مفهوما أوسع، فهم يرون أن هذا الفرع من الفلسفة يبحث في طبيعة المعرفة ؟ وكيف يمكن الحصول عليها؟، وما هي حدود ومجالات المعرفة الممكنة للإنسان ؟ وكيف نستطيع أن نعرف وأن نتأكد من وجود عالم خارجي؟ وكيف يمكننا البرهنة على أجوبة أسئلتنا ؟ وما هو الجواب الصحيح . وسنتعرض لهذا الاختلاف في موضعه المناسب لاحقا.
4- الأخلاق:
وهو علم معياري يحدد مجموعة أصول وأحكام وقواعد سلوك الإنسان في الحياة والمجتمع. وهذه الأحكام والقواعد تعكس مفاهيم وتصورات الناس عن قيم الحق والخير والجمال والشر والكرامة وغيرها من القيم التي تحدد قواعد السلوك الفردي والجماعي. وخلافا لأحكام القانون نجد أن أصول ومعايير الأخلاق غير مدونة في قوانين، ولكنها تنفذ ويتم الالتزام بها بقوة العادات والتقاليد والاقتناعات الشخصية الداخلية (6). كما يطرح علم الأخلاق بصفة عامة تساؤلات حول الفرق بين ماهو مقبول أخلاقيا وما هو خاطئ، مع الأخذ بعين الاعتبار الظروف الخاصة والملموسة للمجتمع والعصر، ويتساءل عن مفهوم القيم والمثل ؟ وما هو الفرق بينهما إن وجد؟، وما هي التصرفات الصحيحة طبقا لمعايير السلوك المحددة فلسفيا؟ ومن أين تستمد صحتها؟ هل هناك معايير مطلقة للصحة والقبول الأخلاقي أو أن كل شيء نسبي يختلف باختلاف الحضارات والشعوب والأنظمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية الخ؟.
5- علم الجمال:
يدور علم الجمال حول القيم الجمالية والفنية، باعتبار الفن شكلا من أشكال انعكاس الواقع في ذهن الإنسان بصور وأساليب فنية، وهو يساعد بأسلوبه ومنهجه الإنسان على فهم العالم عن طريق التصوير الفني، كما يستخدم أداة للتربية الأخلاقية والفنية والاجتماعية.
والسمة الرئيسية للفن الذي هو موضوع علم الجمال هي أنه، خلافا للعلم، لا يعكس الواقع في مفاهيم ومقولات وتصورات، بل يعكسها في صور مجسمة تدرك بالحواس وفي صور فنية نمطية أو نموذجية. ويخلق الفنان صورة فنية تكشف عن السمات العامة والجوهرية للواقع، ويعبر عن هذه السمات من خلال الشخصيات النموذجية ومن خلال تجسيد الطبيعة أو الحياة الاجتماعية. وكلما كانت السمات الذاتية للنموذج الفني والجمالي أكثر ظهورا وأكثر وضوحا كلما كان تأثيره أعظم وأقوى (7).
تلك هي أهم المجالات التي ما تزال الفلسفة تبحث فيها وتختلف المذاهب والتيارات الفلسفية حولها من حيث زاوية النظر والمنهج على حسب ما وضحه الدكتور زكي نجيب محمود (8)، ويتبين من خلال استعراض المباحث التي تتناولها الفلسفة أن من أهمها، إن لم يكن أهمها، مبحث الإبستمولوجيا، وخاصة أنه يتضمن الإشكالية الأساسية في الفلسفة (النظرة إلى الوجود، وطبيعة نظرية المعرفة)، وسوف نتعرض لمختلف المباحث التي لها علاقة مباشرة أو غير مباشرة بمبحث الإبستمولوجيا في ثنايا هذا البحث.
الفصل الأول: مفهوم الإبستمولوجيا ودلالاتهـا المختلفـة
يعزى استخدام مصطلح الإبستمولوجيا إلى الفيلسوف الاسكتلندي ج. ف. فيرييرالذي قسم الفلسفـة إلى مبحث الوجود (الأنطولوجيا)، ومبحث المعرفة (الإبستمولوجيا)، غير أن الجانب الاشتقاقي لهـذا المصطلح يوناني قديم كما أسلفنا القول. فمقطع Epistemologié يتألف من كلمتين يونانيتين Episteme أي عـلـم، و logos أي علم، نقد، نظرية، دراسة الخ، ومن ثم فهي تعني "علم العلم أو الدراسة النقدية للعلوم". ويتفق المعنى الإصطلاحي من حيث الجوهر مع الدلالة اللغوية، فالإبستمولوجيا، عموما، تتمحور أساسا حول الأسئلة التقليدية في نظرية المعرفة: ما هي حدود المعرفة، هل هي ممكنة موضوعيا أم أنها غير ممكنة؟ ماهي أدوات ووسائل الإدراك المعرفي هل هي الحواس أم العقل أم الحواس والعقل معا على التوالي؟ أم أن أداة المعرفة هي الحدس. ثم ما طبيعة المعرفة ؟، هل هي ذات طبيعة مثالية أم هي معرفة مادية عقلانية نقدية الخ. هذه هي أهم الأسئلة التي كانت تتمحور حولها الإبستمولوجيا التقليدية (نظرية المعرفة). (1).
ويبدو من استعراض هـذه الأسئلة أن هناك فروقا بينها وبين الإبستمولوجيا الحديثة من حيث طابعها ووظيفتها ووسائلها. فالإبستمولوجيا الحديثة تدل على "نظرية المعرفة العلمية" تمييزا لها عن نظرية المعرفة التقليدية، حيث يختص بهـا العلماء وينتجها الفلاسفة المواكبون للنشاط العلمي وتطوره، في حين أن الإبستمولوجيا التقليدية هي من إنتاج الفيلسوف ذاته، كل حسب مذهبه ونسقه الفلسفي. ومن حيث الوسائل تقوم "نظرية المعرفة العلمية" على استخدام الوسائل العلمية الحديثة مثل القياس والإحصاء والتجارب والآلات العلمية المتطورة، بينما نجد نظرية المعرفة بمعناها التقليدي تفتقر إلى هذه الوسائل بسبب ضعف التطور العلمي، مما يرغم صاحبها على الاكتفاء بوسائل الملاحظة المجردة والتأمل العقلي. ونجد في معجم لالاند الفلسفي تعريفا للإبستمولوجيا الحديثة يجري فيه التأكيد على الطابع المميز بينها وبين الإبستمولوجيا التقليدية، حيث يرى "أن الإبستمولوجيا هي الدراسة النقدية لمبادئ العلوم ولفروضها ونتائجها بغرض تحديد أصلها المنطقي وبيان قيمتها وحصيلتها الموضوعية" (2). وإذا كان الباحثون الفرنسيون عموما يميزون بين الإبستمولوجيا وفلسفة العلوم ونظرية المعرفة بمعناها التقليدي، فإن الألمان يميزون هم أيضا بين الإبستمولوجيا ونظرية المعرفة، لكنهم يماثلون بين الإبستمولوجيا وفلسفة العلوم (3). ويستخلص من هذه المقارنة أن هناك اختلافات بين المفكرين والفلاسفة المعاصرين في تحديد مفهوم ومحتوى الإبستمولوجيا .Epistemologié فالبعض يعطيها مفهوما أوسع، باعتبارها الدراسة النقدية للعلوم ومبادئها وقوانينها، أو نقد المنظومات والأنساق المعرفية بحثاً عن العقبات والمعوقات التي تمنع تطورها وتوخيا لتدقيق مفاهيمها، بينما يتضمن هذا المصطلح عند آخرين نظرية المعرفة بمفهومها التفليدي والحديث معا، وهي بذلك تختلف عن المنهجية أو الميتودولوجيا، لأن الإبستمولوجيا تدرس بشكل نقدي مبادئ كافـة أنواع العلوم وفروضها ونتائجها لتحديد أصلها المنطقي وبيان قيمتها.
ومع ترابط النظريات التي تدرس المسائل الإبستمولوجية، إلا أنه يمكن عمليا فحص هذه النظريات كلا على حدة، إذ أن مدارس الابستمولوجيا مختلفة من حيث طبيعتها ومصدرها، فالتجريبيون يردون المعرفة إلى الحواس، والعقليون يردونها إلى العقل لا الخبرة الحسية. وبينما يرى الماديون أن موضوع المعرفة مستقل عن الذات العارفة، يؤكد المثاليون أن موضوع المعرفة عقلي، لأن الذات لا تدرك إلا الأفكار. وكذلك تختلف المذاهب الفلسفية في تقدير قيمة المعرفة، بين من يقول بأن العقل يدرك المعرفة بشكل يقيني، وبين من يعطيها طابعا احتماليا، وبين من يعتقد بأن معرفة العالم مستحيلة.
ومهما كانت الاختلافات حول تحديد محتوى الإبستمولوجيا، ضيقا واتساعا، فإن هناك قاسما مشتركا بينها،
وهو أنها "تسعى إلى بيان شروط المعرفة وقيمها وحدودها وموضوعيتها في العلم المعاصر" (4).
تواجه الإبستمولوجيا الحديثة صعوبات في تحديد معناها تحديدا دقيقا، وسبب هذه الصعوبات يتجلى في الغالب في ارتباط الإبستمولوجيا وتداخلها مع العديد من المباحث الفلسفية الأخرى التي تشكل معها حقلا معرفيا مشتركا، وهي نظرية المعرفة نفسها سواء في صورتها التقليدية أو الحديثة، والميتودولوجيا أوالمنهجية (أوعلم مناهج العلوم) وفلسفة العلوم والمنطق الخ. فالإبستمولوجيا الحديثة ترتبط بنظرية المعرفة من حيث هي تدرس إمكانية المعرفة وحدودها وطبيعتها من زاوية التطور العلمي المستمر، أي أنها نظرية علمية تمتلك القدرة على التلون بلون المرحلة في صيرورة تطورها المتواصل، أما صلتها بالميتودولوجيا فيبدو أقل ارتباطا، فإذا كانت الميتودولوجيا تقتصر على دراسة المناهج العلمية فقط، فإن الإبستمولوجيا تطمح إلى بلورة نظرية شاملة في المعرفة بصفة عامة والمعرفة العلمية بوجه خاص. وترتبط الإبستمولوجيا بالمنطق من حيث هي تدرس شروط المعرفة الصحيحة، شأنها في ذلك شأن المنطق نفسه الذي يدرس قواعد التفكير الصحيح. لكن إذا كان المنطق يهتم بتطابق الفكر مع نفسه أو مع الواقع (المنطق الصوري والرياضي والمنطق التجريبي) أو يهتم بصورة المعرفة، فإن الإبستمولوجيا لا تقف عند هذا الحد، بل تتعداه إلى مضمون المعرفة أو مادتها. ومهما يكن من أمر فإن النظر إلى الإبستمولوجيا في نطاق آفاق العلم المعاصر يجعل هذه الفروع الفلسفية جميعها في تداخل وتكامل مع الإبستمولوجيا، أو في جدل معها على أقل تقدير. لذا يمكن القول بناء على هذا الاستنتاج "إن الإنسان يبني معرفته حول هذا العالم من خلال نشاطه العلمي والذهني، والبناء الذي يقيمه بوساطة هذا النشاط هـو ما يسمى بالعلم أوالمعرفة. أما فحص عملية البناء نفسها وتتبع مراحلها ونقد أساسها وبيان مدى ترابط أجزائها ومحاولة الكشف عن ثوابتها وصياغتها صياعة تعميمية، ومحاولة استخلاص نتائجها... فذلك ما يشكل موضوع الإبستمولوجيا(5).
الفصل الثاني: الطابع التطوري للإبستمولوجيا الحديثـة
إذا كانت الإبستمولجيا الحديثة هي الدراسة النقدية للعلوم ومبادئها وأسسها وفروضها وقوانينها، فكيف تنظر إلى هـذه الفروض والقوانين وما طابع هذه الدراسة النقدية؟ وما هي الوسائل التي تنتهجها في هذه الدراسة وكيف تربط بينها، وما هي نتائجها؟. الواقع أن النظر في هذه القضايا والأسئلة المطروحة يقتضي طرح مسألة الاتصال والانقطاع أو التواصل واللاتواصل في المعرفة الإبستمولوجية.
يقابل مصطلح التواصل في اللغات الأجنبية:continuité ، أي الاستمرار أو الاتصال الذي يكاد يرادفه مصطلح" communication. أما نقيضه فهـو اللاتـواصـل: وهو يـدل على الانقطـاع والانفصـال dicontinuité. ويمثل المصطلح، بشقيه، إشكالا محوريا في الفلسفة الإبستولوجيا المعاصرة وخاصة تلك التي تكاد تخلو من الأنساق المذهبية مثل الفلسفات الوضعية المنطقية والفلسفة التحليلية والبنيوية الخ.
وإذا كان المصطلح قليل التداول في الدراسات الفلسفية، إلا أن الظاهرة نفسها موجودة موضوعيا وبصفة مضمرة. ويرى البعض من الباحثين أن للبنيوية فضل السبـق في استخدام مفهوم التواصل / واللاتواصل، انطلاقا من تبني هذه الأخيرة مفهومي التزامن والتعاقب، اللذين لهما علاقة وثيقة بإشكالية التواصل واللاتواصل، وانتصارها في النهاية للتزامن (1).
ولا يهمنا في هذا السياق قضية السبق، وإنما المهم هو إبراز الإشكالية ذاتها وربطها بقضايا التطور العلمي وطبيعة هذا التطور.
يمكن رصد ثلاث نظريات إزاء هذه الإشكالية:
1- نظرية التواصل:
تناول هذه النظرية العديد من الباحثين ومؤرخي الفلسفة، وهي نظرية تقوم على أساس أن التطور العلمي وتراكماته المتمثلة في إضافة الجديد إلى القديم تسير في اتجاهين متقاطعين: أفقي ورأسي. فالأفقي يمتد إلى بحث ظواهر جديدة ويتسرب بمقتضاه إلى ميادين جديدة مثل علم الاجتماع وعلم النفس وإلى قضايا ونظريات جديدة لم تكن معروفة من قبل، وهو توسع، فضلا عن تمكينه من اقتحام ميادين كانت متروكة للخرافات من قبل، يـرد دوما على التهمة الموجهة للعقل البشري بالقصور، والرأسي يتعمق في بحث نفس الظواهر العلمية السابقة ويصححها ويكملها ويوسعها إلى درجة أن مستوى التطور وحصيلته من الناحية الكمية قد بلغ في عصرنا درجة مذهلة، حيث أصبح التطور العلمي يتضاعف مرة كل عشر سنوات تقريبا. وهذا التطور الكمي قد أدى عبر المسار التاريخي للعلم إلى قفزات نوعية، بمعنى أن النظريات والقوانين العلمية تزداد دقة ويتم تكميلها أو تصحيحها وتجاوزها (2).
وهنا نجد أن نظرية التواصل تنطلق من أن القوانين والفروض العلمية السابقة تشكل أرضية أو قاعدة لاكتشاف حقائق ونظريات جديدة أو توسيع نطاق نظرية سابقة وتطبيقها على مجالات جديدة، بمعنى أن النتائج والقوانين التي يتوصل إليها العلماء في فترة سابقة تعد مقدمات ضرورية للبحوث والاكتشافات التي يتم التوصل إليها في الفترات اللاحقة.
وبناء عليه يرى أنصار نظرية التواصل أن تاريخ العلم هو عبارة عن مراحل متعاقبة أو سلسلة متصلة الحلقات لا يمكن فصل إحداها عن الأخـرى. فنظرية النسبية لإينشتاين لا يمكن عزلها عن نظرية نيوتن في قوانين الفيزياء، فلولا هذه الأخيرة لما اكتشف إينشتاين النظرية النسبية، ومن ثم فإن نظرية النسبية لا تلغي الأولى وإنما تكملها وتوسع نطاقها، كما أن اكتشاف الطاقة الذي أحدث في البداية خلخلة في العلوم الفيزيائية وأدى إلى الارتياب في حقيقة المادة. هذا الاكتشاف ذو الأهمية الفائقة لم يلغ مفهوم المادة التي بني عليها العلم الحديث، بل أثرى أشكالها بمفهومها الطاقوي الجديد الذي لم يكن معروفا، فالطاقة أضحت شكلا جديدا من أشكال المادة التي لا تستنفد. واكتشاف نظرية الانفجار العظيم للكون وتمدده منذ ملايير السنين (يقدر العلماء الزمن من 12 – 20 مليارا من السنين) لا ينفي قدم الكون وماديته، بل يؤكد طابعه التطوري الدائم، لأن الانفجار حدث من أحداث الكون وليس بداية له. وهكذا تأتي النظريات الجديدة للعلم لا لتنفي جميع النظريات والقوانين السابقة، وإنما لتدقيقها أو تكميلها أو تصحيحها، فهي لا تبدأ من فراغ، بل من معطيات علمية سابقة تشكل أساسا للاكتشافات الجديدة، خاصة أن تطور العلم نفسه وأدواته التقنية المستحدثة قد وفرت أدق الوسائل والأجهزة التي يعتمد عليها العلماء في الملاحظة والرصد والكشف عن الكائنات الدقيقة من أجل الوصول إلى نتائج وحقائق أكثر دقة من ذي قبل. لقد كان العلم في العصور القديمة يتميز بنوع من الاستقرار والثبات النسبي، وذلك لافتقاره إلى الوسائل والأجهزة اللازمة لممارسة البحث والتجريب والقياس وغيرها، أما العلم الحديث فقد عرف قفزات هائلة منذ عصر النهضة الأوربية، حيث أصبح العلماء يعتمدون على ترسانة كبيرة من الوسائل والأجهزة الدقيقة مثل المنظار الفلكي والمجاهر والآلات الحاسبة والعقول الإلكترونية وغيرها من الوسائل بالغة الدقة والتعقيد التي لم تكن قد اكتشفت من قبل. ومن أهم الأدلة التي يستند إليها أنصار نظرية التواصل الإبستمولوجية في تأكيد اتصالات حلقات التطور العلمي وتوضيح الدور الذي تلعبه الوسائل الحديثة، قوانين "مندل" في علم الوراثة، فقد شكلت هذه القوانين منطلقات ضرورية حاسمة بالنسبة للقوانين والاكتشافات التي توصل إليها فيما بعد العالم "مورغان"، وذلك لأن مندل حين توصل إلى اكتشاف الطريقة العامة التي تتوزع بها الصفات الوراثية عبر الأجيال قد اعتمد في ذلك على الملاحظة المجردة، أما مورغان فقد أضاف عناصر أخرى إلى قوانين مندل، وحدد الكيفية التي تتجلى بها تلك الصفات الوراثية عندما اعتمد على شكل جدبد من الملاحظة تسمى الملاحظة المسلحة، أي الملاحظة المعززة بأجهزة ووسائل جديدة كالمجهر وغيره من وسائل الرصد.
وعندما نتأمل في التطورات العلمية الحديثة والاكتشافات الجديدة، نجد أنها ما كانت لتكون لولا الاكتشافات السابقة عليها، على الرغم من الإضافات النوعية التي تعبر عنها هذه المكتشفات، سواء أكان ذلك في الميادين الصناعية أو الزراعية أو الطبية أو أبحاث الفضاء وما عرف بالانفجار العلمي والتكنولوجي والرقمي، وكل هذه المنجزات العلمية تدل دلالة حاسمة على أن كل معرفة علمية جديدة إنما هي نتاج المعارف السابقة عليها بهذه الصورة أو تلك. وهذا مادافع عنه الكثير من الفلاسفة والباحثين ومؤرخي الفلسفة والعلم من مختلف التيارات، وهو ما أشار إليه الدكتور زكي نجيب محمود في كتابه "المنطق الوضعي" وفي كتبه الأخرى مثل "نحو فلسفة علمية" حينما "اعتبر النتائج التي يتوصل إليها العلماء في بحوث سابقة، إنما هي نفسها تشكل المقدمات الأساسية التي تبدأ منها البحوث اللاحقة".
وبالإضافة إلى هذا يؤكد أنصار النظرية التواصلية أنه كلما قطع العلم شوطا من أشواطه المتلاحقة وسجل خطوات في مساره الذي لا يتوقف ولا ينتهي، كلما تقدمت وتطورت الوسائل والأدوات والأجهزة المستخدمة في البحث العلمي وأدت إلى اكتشافات وحقائق جديدة. وهذا ما يعني أن التطور العلمي من وجهة نظرية التواصل الإبستمولوجية هوعبارة عن سلسلة متصلة الحلقات، مهما بعدت الشقة بين الاكتشافات السابقة والاكتشافات اللاحقة.
2- نظرية اللاتواصل أو الانفصال:
وهي نظرية تقـع على طرفي نقيض من النظريـة السابقـة. ويرى أنصار هذه النظرية أن تتبـع مسار تطور العلوم عبر التاريخ وطابع الاكتشافات والحقائق التي تم التوصل إليها عبر كل مرحلة، لا يؤكد كل وقائع تاريخ العلم الذي ترتبط حلقاته على النحو الذي فسره أنصار النظرية التواصلية. فالاكتشافات والاختراعات العلمية الجديدة ليست امتدادا لاختراعات سابقة بقـدر ما هي تجاوز لهـا وقطيعة إبستمولوجية بين السابق واللاحق منها. ومن ثم فإن تطور العلم مصدره التعارض والتناقض بين الفروض والقوانين العلمية السابقة وبين الاكتشافات الجديدة، بمعنى أن النتائج التي يتوصل إليها العلماء من قبل كثيرا ما يبدو أنها لا تنطبق على وقائع جديدة ولا تستوعبها، بل تناقضها. وتاريخ العلم حافل بمثل هذه التناقضات والمفارقات التي تدل على انفصال وعدم اتصال حلقاته في نظر أصحاب هذه النظرية . وهذا ما توضحه الكثير من الوقائع والاكتشافات، فقد لاحظ "غاليلي" (1564 – 1642) على سبيل المثال ظاهرة عدم ارتفاع الماء في المضخة حينما يصل إلى 10.33 أمتار، وهذا يناقض نظرية أرسطو السائدة في ذلك العصر والقائلة "بأن الطبيعة لا تعرف الفراغ". هذا التناقض الذي لاحظه غاليلي أثار شكه في صحة النظرية السابقة وحمله شكه على التساؤل حول معـزى الحادثة الجديدة، مما دفعه إلى البحث في المشكلة والتصدي لها، وتوصل من ذلك إلى اكتشاف معرفة جديدة مناقضة ومغايرة تماما لتلك النظرية السابقة، وبين أن الحد الأعلى لارتفاع الماء يتناسب عكسيا مع وزنه النوعي (أي كلما زاد الوزن النوعي قل ارتفاع الماء في المضخة والعكس صحيح). (3).
وهناك وقائع أخرى شبيهة بهذه الحادثة، وهي من الكثرة بحيث يستخلص منها أنصار هذه النظرية اللاتواصلية دلالة صريحة على أن العلم لا ينمو ولا يتطور إلا على أساس الكشف عن الأخطاء الكامنة في المعارف والقوانين السابقة، بل اعتبروا هذه الأخطاء مرحلة ضرورية من مراحل الطريق المؤدي إلى الحقيقة. وهذا ما أكد عليه باشلار Bachelard (1884- 1962) حيث أشار إلى "أن الخطأ يسبق الصواب دائما، وأن الصواب ليس إلا محاولة مستمرة لتصحيح الخطأ، وجهدا دائما يبذل من أجل قهر العقبات العديدة التي تعترض طريق المعرفة" (4). وبناء على ذلك اعتبر باشلار نقد المعارف السابقة (النقد الإبستمولوجي للمعرفة) شرطا ضروريا لتأسيس أية معرفة علمية جديدة، بل يدخل النقد حسب وجهة نظره في بناء المفاهيم العلمية الجديدة، ولذلك نجده يعرف الذرة في الفيزياء بقوله " إنها مجموعة من الانتقادات التي توجه إلى صورتها الأولى" (5).
إذن فالعلم بالنسبة لأنصار هذه النظرية ليس في صميمه مجموعة من الحقائق التي يتوصل إليها واحدة بعد أخرى، وإنما هو مجموعة من الأخطاء التي يتم التغلب عليها واحدة إثر أخرى (6).
3 – النظريـة الجدليـة:
يرى أنصار النظرية الجدلية، سوا أكانوا من أنصار النزعة المثالية أو النزعة المادية الجدلية، أن تطور المعرفة العلمية يخضع لقوانين الجدل أو لقطيعة جدلية. فالاتصال بين حلقات التطور العلمي والمعرفي حقيقة مؤكدة لكنها ليست مطلقة، فالتطور ليس مجرد عملية كمية، بل عملية نوعية أيضا، كما أن القطيعة بين المعارف السابقة والمعارف اللاحقة حقيقة مؤكدة يبرزها تاريخ العلم، لكنها ليست مطلقة أيضا، فالاتصال والانفصل يتسمان بطابع جدلي، ذلك أن النزعة الجدلية تعتبر التطور الذي يجري في العلم الحديث والمعرفة الحديثة ليس منعزلا عـن الظواهـر الاجتماعية والفكرية والتاريخية، وهي تضفي على هذا التطور، انطلاقا من خبرتها بتاريخ العلم، طابعا كميا ونوعيا في آن واحد. فالتطور الكمي، الذي أشرنا إليه سابقا، يؤدي بعد تراكم الاكتشافات العلمية والمعرفية إلى تطورات نوعية طبقا للقانون الجدلي "قانون تحول التطورات الكمية إلى تحولات نوعية". وهذا القانون يحكم كل الظواهر الطبيعية والاجتماعية والتاريخية والفكرية، أي أنه قانون شامل. ولذلك يعتبر التغير والتطور صفة ملازمة للعلم، ويعتبر تحليل ونقد المعارف العلمية القديمة مقدمة ضرورية لتجديدها باستمرار، ولكن هذا لا يعني أن كل المعارف السابقة تتعـرض للنفي أو التخطي، أو أنها خاطئة تتطلب النقد والتصحيح، بل هناك معارف علمية تبقى صحيحة في مجالها الخاص. ويمكن أن نضرب مثلا لهذ الطابع الجدلي للتطور العلمي أو القطيعة الإبستمولوجية الجدلية بالميكانيكا التقليدية النيوتونية بالنسبة للفيزياء الحديثة ولنظرية النسبية لإينشتاين. فمن المعروف أن فيزياء نيوتن تستند في رؤاها الفلسفية والعلمية إلى أن الزمن مفهوم مطلق في ماهيته، لا يعتمد في قياس فتراته على الحركة النسبية بين الراصد (الذات) والحدث (الموضوع)، وتتصور هذه النظرة وجود ساعة كونية في مكان ما ترسم خط الزمن وسريانه في دقات منتظمة الوقع، وترجع أي تباين بين التجربة والنظرية إلى قصور في آلات ووسائل القياس. .(7) وعلى هذا النهج تمكن فيزيائيو القرن التاسع عشر من رسم صورة واضحة المعالم لحركة الأجرام السماوية وتوصيف القوى والقوانين التي تحكمها. وفي إطار هذه الرؤية النيوتونية بدأ حقل الفيزياء يعرف الجمود والكساد وتقلص دور الفيزيائيين إلى مجرد القيام بحسابات شاقة وعسيرة تهدف إلى تفسير الظواهر على المستوى المجهري (Microscopie) إلى جانب الحاجة إلى تصميم أجهزة قياس أكثر دقة لتحديد الثوابت الكونية، لكن هذا الجمود والكساد لم يدم طويلا، فمع التقدم التقني في تصميم أجهزة القياس برزت التناقضات بين النتائج المخبرية والتوقعات النظرية في العديد من الظواهر على المستوى المجهري، وفي خضم هذا التناقض برزت فكرة ضرورة إعادة النظر في البناء العلمي ومن ثم الفلسفي في الفكر النيوتوني وذلك بتفسير جديد للزمن الذي أضحى أزمانا ثلاثة: زمن ميكانيكي نسبي يعتمد قياس فتـرتـه على الحركة النسبية بين الراصد والحدث ، وزمن حراري يحدد مسار الكون المادي ، وزمن نفسي يطول أو يقصر ظاهريا تبعا لآلية عمل النفس.(8). وبذا تم تجاوز القصور في الفيزياء التقليدية، الذي يتمثل في عجز منهجها المحدود وقوانينها وصياغاتها عـن استيعاب ظواهر وعلاقات فيزيائية جديدة في عالم التجربة الخارجية. ومع ذلك، فإن هذا التجاوز لا يعني إحداث قطيعة مطلقة معها ولا يعني أنها غـيـر صحيحة في مجالها الخاص رغم التطور الكيفي المتمثل في اكتشاف نظرية النسبية لإنشتاين، فهذه النظرية ما تزال صحيحة في حدود ظواهر معينة، والفيزياء الحديثة ليست استبعادا للفيزياء التقليدية أو إهدارا لقيم صدقها، وإنما في الحقيقة هي توسيع وتمديد للمنهج العلمي إلى ظواهر ومجالات لم تجسر الفيزياء التقليدية على مواجهتها. فالفيزياء التقليدية إذن لا تتضمن خطأ في بنائها العلمي، وإنما يكمن هذا الخطأ في محاولة تحديد التجربة الخارجية بحدود هذه الفيزياء، وكذلك يكمن الخطأ في محاولة اتخاذ هذه الفيزياء التقليدية أساسا لنظرية شاملة للواقع ولبناء فلسفة كونية عامة، ذلك لأن الصدق العلمي للنظرية التقليدية صدق مرهون بحدود ظواهر وعلاقات معينة.(9).
إذن هذا التخطي الذي أنجزته الفيزياء الحديثة هو عبارة عن قطيعة جدلية، فهي ليست اتصالا مباشرا بنظرية نيوتن أو مجرد امتداد لها، ولا قطيعة كلية بتصحيح أخطائها، وإنما هي قطيعة جدلية تقوم على الاحتفاظ بصدقها المحدود بالظواهر والمجالات الخاصة بها، وتخطي الأخطاء التي وقعت فيها باستعمال الاكتشافات الجديدة في الفيزياء، ونفي الطابع الكوني الذي أضفي عليها وقصرها على مجالها الخاص.
الفصل الثالث: قيمـة العلوم الحديثـة
1- المنجزات النظريـة للعلم الحديث:
إن التطور الذي حققه العلم الحديث في العديد من المجالات يذهل العقل البشري ، فلقـد غير وجه الطبيعة الفيزيائية والإنسانية تغيرا محسوسا بانفجار ثورة كمية وكيفية في المجالات العلمية المختلفة بنسب متفاوتة تبعا لنوعية العلم ومجالاته، بمعنى "أن نطاق العلم قد اتسع إلى حد هائل، كما أن إنجازاته قد اكتسبت صفات جديدة وأصبحت أهميتها تفوق بكثير كل ما كان العلم يحققه في أي عصر سابق، بل إن هذا التغير جعل العلم هو الحقيقة الأساسية في عالم اليوم، وهو المحور الذي تدور حوله كل المظاهر الأخرى لحياة البشر".(1)
وإذا نظرنا إلى العلم من الزاوية الكمية الخالصة، فإننا نجد أن معدل نموه قد تسارع بوتار مذهلة خلال القرن العشرين وبسرعة أكثر في مطلع القرن الواحد والعشرين، حيث تؤكد الإحصائيات أن كمية المعرفة البشرية تتضاعف، قي وقتنا الراهن، خلال فترة تتراوح بين 10 سنوات و 15 سنة، في حين أنه كان يستغرق في العصور السالفة مئات السنين. ولا شك أن هذا الزمن سيتقلص باستمرار، وقد لا يتجاوز في السنوات القليلة المقبلة خمس سنوات على أبعد تقدير. غير أن تطور العلم لا يقتصر على الجانب الكمي فقط، بل يتمثل في الجانب الكيفي بالدرجة الأولى " فقـد يكون بحثا واحدا أعظم أهـمية في تقـريـر مصير العلـم من عـشرات الأبحاث ". (2).
ولذلك فإنه من الضروري التنويه بهذا الجانب الذي يتكامل مع الجانب الكمي في إحداث الانفجار المعرفي الذي ميز عصرنا والذي لا مثيل له في تاريخ البشرية السابق. وهذا التطور يشكل مضمون الثورة العلمية والتكنولوجية المعاصرة بكل مظاهرها المتنوعـة ( ثورة الاتصالات، الحواسب الإلكترونية، الإنترنيت، الثورة البيولوجية الجزيئية الخ) التي وسعت إلى أقصى حد ممكن من مجال سيطرة الإنسان على الطبيعة والبيئة ومحيط العلاقات الاجتماعية والإنسانية وتسخير كل ذلك لتلبية حاجياته إلى حد أن توقعات العلماء في مستقبل منظور ستحول الإنسان العصري من متفرج محايد على أحداث الطبيعة ومراقبتها إلى مشارك ومصمم نشيط لها. (3).
إن هذه الثورة العلمية العملاقة التي فاقت حدود التصور والخيال، قد نقلت البشرية إلى حقبة نوعية جديدة في تاريخها. وتتجلى هذه النقلة في اتساع الحيز أو الفضاء الكوني الذي أصبح خاضعا لمطامح الإنسان وتطلعاته. ولهذا الاتساع في الحيز أو الفضاء آثاره الحاسمة في إحداث تغيير جذري في الكثير من مظاهر الحياة وآفاقها الواسعة.
لقد استطاع الإنسان بفضل هذه الثورة متعددة المجالات والحقول أن يكتشف الكثير من غوامض الكون وأسرار الحياة. وليس هنا مجال للحديث المفصل في هذه الاكتشافات المذهلة واستعمالاتها، ويكفي في سياقنا تسجيل ثلاثة مجالات أو أبعاد أساسية يمكن أن نعتبرها جوهر الثورة العلمية والمعرفية المعاصرة:
أ- اكتشاف المتناهي في الصغر، ويتمثل ذلك في اكتشاف عالم الذرة ، فعالم ما بعد الذرة، ثم عالم مادون نواة الذرة ، ومن ثم التوصل إلى اكتشاف العناصر الأولى المكونة لهذا الكون.
ب- اكتشاف المتناهي في الكبر، ويتجلى ذلك في تدشين الإنسانية لعصر غزو الفضاء الخارجي وتجاوز النزول على سطح القمر منذ أواخر الستينات من القرن الماضي (القرن الـ 20) إلى السعي إلى ارتياد كوكبي الزهرة والمريخ، والاستعداد في مستقبل منظور لتعمير الكواكب الأخرى المجاورة ضمن المجموعة الشمسية.
ج- اكتشاف المتناهي في التعقيد، تحقيقا للمجالين السابقين اللذين لا يمكن بلوغهما واكتشافهما بحواس ومدارك الإنسان المجردة، مما يتحتم دعم قدرات الباحثين بمنهج وعلم السيبيرنيطيقا ( Cybernétique) وبأدوات هي الحواسب أو العقول الإليكترونية.(4).
لقد قطع الإنسان أشواطا كبيرة في التحكم في هذه المجالات الحساسة، لكن الآفاق مفتوحة أمامه لتحقيق إنجازات أكبر، ليس في وسع العقل البشري تصور مداها في مرحلتنا الراهنة.
2- المنجزات الاجتماعيـة والإنسانيـة:
لقد كان لهذه المنجزات المذهلة للعلوم الكونية انعكاسات بعيدة على الحياة الإنسانية، فالاحتياجات الاجتماعية والإنسانية كانت دوما من العوامل الحاسمة في تقدم العلم بالإضافة إلى دور العبقريات الفردية التي تدفعه في مناخات مواتية إلى الأمام، ويمكن الإشارة إلى هذه المنجزات في المجالات التالية:
أ- المجالات الفكرية:
ففي المجالات الفكرية لعبت الكشوفات والابتكارات العلمية دورا هاما في تحرير الإنسان من الجهل والخرافة والشعوذة. وتشير الدراسات الأنتربولوجية والاجتماعية إلى أن الإنسانية قد مرت في تاريخها الطويل في الحقل المعرفي من مرحلة الأسطورة إلى المرحلة الميتافيزيقية إلى المرحلة العلمية أو الوضعية كما أشار إلى ذلك أوغيست كونت في قانونه "الأطوار الثلاثة" للتطور الفكري والمعرفي للإنسان. فقد كان الإنسان في طوره البدائي قاصر العقل يجهل الكثير من الظواهر المحيطة به، شديد الخوف منها، مثل البرق والرعد والفيضانات والزلازل ويفسرها تفسيرا خرافيا، مما جعله يتأخر في فهم الطبيعة وفي قدرته على السيطرة عليها وتسخيرها لصالحه. وفي الطور الثاني، الطور الميتافيزيقي، ظلت الكثير من الظواهر الطبيعية لغزا غامضا بالنسبة إليه، كما ظل الجهل بأسرار الطبيعة هو المسيطر على عقول الناس بدلا من فهمها والتحكم في قوانينها والاستفادة منها في أوجه حياتهم المختلفة. أما في الطور الوضعي، أي العصور الحديثة، فقد أخذ الإنسان يخرج من غياهب الخرافة والميتافيزيقا عن طريق العلم، وشرع يعتمد على خبرته الحسية ومداركه العقلية والتجارب العلمية لتأكيد فرضياته أو نفيها، فتكدست لديه معرفة من نمط جديد هي ما نسميه بالعلم في مختلف المجالات الطبيعية والاجتماعية والإنسانية عموما. وبفضل هذا التطور العلمي، الذي بلغ درجة تفوق الخيال والتصور، استطاع العقل الإنساني التحرر من السحر والخرافة واستبدال أفكاره الخيالية بالقوانين العلمية. وفي هذا الصدد يقول العالم الرياضي الفبزيائي الفرنسي هنري بوانكاري Henri Poincaré بخصوص علم الفلك "إن هذا العلم نافع، لأنه لا يرفع الإنسان فوق نفسه، بل يعلمه أنه ضعيف بجسمه عظيم بفكره".(5).
ب- المجالات العملية المختلفة:
في هذا الجانب تحول العلم إلى قوة إنتاجية مباشرة وتقلصت المسافة بين الاكتشافات النظرية والتطبيقات العملية ودخل العلم في الحياة الإنسانية على أوسع نطاق. ومن هذه الناحية يمكن القول بأن العلم وتطبيقاته قـد غير حياة الإنسان الحديث والعصري رأسا على عقب. ونستطيع أن نسوق بعض الأمثلة للتدليل على الأثر الذي تركه العلم والتكنولوجيا على حياة الإنسان في كافة المجالات الاقتصادية والاجتماعية وغيرها. ففي المجال الطبي تمكن الإنسان من التغلب على الكثير من الأمراض الفتاكة ومعالجة أمراض مستعصية، ووفر وسائل لتزويد الإنسان بأعضاء تالفة من جسمه بأعضاء صناعية مثل زراعة الكلى والرئات والعيون والأطراف الأخرى من جسم الإنسان، حتى صار بعض العلماء اليوم يتحدثون عن إنشاء مصانع خاصة تختزن فيها أعضاء الكائنات الحية، وبذلك يتمكن الطبيب الجراح من اختيار قلب من القلوب أو كبد من الأكباد دون الاضطرار إلى نزع هذه الأعضاء من فلان وفلان.(6). وارتفع متوسط عمر الإنسان من 25 إلى 70 سنة على صعيد العالم، وكثر استعمال الوسائل والأدوات المصنعة في مختلف ميادين الحياة في المعمل والمكتب والحقل وفي الجو والبر والبحر، وزاد استعمال الآلات الحديثة في زيادة كمية الإنتاج ونوعيته وسرعته، وعوضت الآلة الجهد العضلي والذهني للإنسان في الكثير من المجالات ، بفضل الأتمتة والأجهزة الإلكترونية، وتم اختصار المسافة والوقت، وقلت نسبة الوفيات بفضل تحسين التغذية والرعاية الصحية، وتم التغلب على عسر الولادات وتنظيمها، وارتفعت درجة العناية بالشيخوخة والتغلب على متاعبها وأمراضها، وهذا ما جعل العديد من المفكرين والفلاسفة يشيدون بهذه المنجزات والخدمات التي وفرها العلم للإنسان من ذلك ما يقوله الفيلسوف الفرنسي هنري برغسون (1859- 1941) "إن العلم آلة حيوية تهدف قبل كل شيء إلى الصناعة، لأنه يعتمد على العقل، والعقل ملكة عملية". كما يقول فرنسيس بيكون "إن المعرفة تهدف إلى التنبؤ، والتنبؤ يهدف إلى التجهيز". وبدوره يقول أوغيست كونت إنه "بالعلم يكون التنبؤ، وبالتنبؤ يكون العمل". وتعني هذه الآراء أن العلم يخدم ثلاثة أغراض هي: الفهم والتنبؤ والتحكم، حيث يفهم الظاهرة التي يدرسها، ويتنبأ بحدوث تغييرات على ضوء هذا الفهم ، وبعد الفهم والتنبؤ يستطيع التحكم في الظاهرة واستخدامها لترقية حياة الإنسان .(7).
3- مشاكل العلم المعاصر:
ورغم التأثيرات التي أحدثها العلم والتكنولوجيا في حياة الإنسان، إلا أن هناك العديد من المشاكل تواجهه في الوقت الراهن، يتعين عليه أن يتصدى لها ويجد حلولا إيجابية للعديد منها، ومن هذه المشاكل:
• مشكلة السكان والغذاء:
حيث يتزايد عدد السكان بمعدلات كبيرة في البلدان الفقيرة، ولا تقدم البلدان الغنية مساهـمات ذات قـيـمـة فعلية لهذه البلدان، بل على العكس من ذلك "تدفع هذه البلدان لمزارعيها إعانات طائلة من ميزانياتها السنوية لكيلا يزرعوا حقولهم ومن ثم يقل الغذاء في العالم ويرتفع سعره، ويعود ذلك إلى طبيعة النظام الرأسمالي الذي لا يهمه سوى استغلال البلدان المتخلفة دون المساعدة في خروجها من التخلف. وبالتأكيد ليس هذا من طبيعة العلم، بل من طبيعة استعماله. فالعلم لم يقل بعد كلمته النهائية حول مشكلة الغذاء التي يمكن حلها عن طريق الإقلال من السكان وتحديد النسل وزيادة الإنتاج، والسبب أنه في أغلب الأحيان مكتوف الأيدي، لأن طاقاته وموارده موجهة نحو تحقيق أهداف بعيدة كل البعد عن هذا الهدف الإنساني . وهنالك وعي متزايد بمشكلة البيئة، وضرورة نظافتها وصحيتها وجمالها، ورغم أن مشكلاتها لم تصل بعد إلى العديد من البلدان إلا أن حركة الانتقال إلى حياة المدن تسير بسرعة وعدم تخطيط في بلدان العالم الثالث بصورة تهدد بظهور هذه المشكلات وخاصة التلوث وانعدام التوازن البيئي.
* مشكل الموارد الطبيعية:
يتمثل هذا المشكل في نضوب هذه الموارد وتناقصها باستمرار. لا شك أن هنالك موارد لا يمكن تعويضها مثل المعادن والطاقة، إلا أن العلم يبشر بحلول لها، مثل استخدام الثروات الكامنة في أعماق البحار والمحيطات. ولكن قد يكون معدل استهلاك البشرية الآن للموارد الطبيعية قائما على حساب الأجيال القادمة نتيجة لسيادة النمط الاستهلاكي في الحياة والطموح المتزايد لهذا الاستهلاك في البلدان المتقدمة، وهي كلها عناصر مرتبطة بقيم المجتمع الصناعي الرأسمالي الغربي. ولكن هذا الترف الاستهلاكي يقوم على الظلم البين، فبينما تعاني البلدان الفقيرة من فاقة تصل إلى حد المجاعة، فإن الاستهلاك الزائد في البلدان المتقدمة لا يلبي حاجات أساسية لدى الإنسان، ولا يرفع الاستهلاك من قدر الإنسان وقيمته، بل يزيده فراغا وغربة.
* مشكلة الوراثة والتحكم في صفات الإنسان:
ربما يكون علم البيولوجيا الآن هو أخطر العلوم المعاصرة التي تتقدم في صمت. وقد أشرنا سابقا إلى أن تقدم الطب قد أدى إلى نقص عدد وفيات الأطفال وزيادة متوسط عمر الإنسان، وهذا ينتج عنه مشكلات استيعاب الشيخوخة في البلدان المتقدمة وزيادة عدد السكان. ومن ناحية أخرى، فقد كانت العلوم البيولوجية من الأسس الهامة التي بني عليها اختراع العقول الإلكترونية واكتشاف علم جديد هو علم السيبرنيطيقا، وكانت هذه الاكتشافات والاختراعات منذ بدايتها تطبيقا للمبادئ البيولوجية وللأسس التي يعمل بها الجهاز العصبي على الآلات.
وقد بدأ علم الأجنة يسير في الطريق المؤدي إلى معرفة كافة العوامل الوراثية بما يمكنه من التحكم في طبيعة المواليد الجدد، بينما تطورت دراسة المخ البشري بصورة مماثلة، لكنها مرهونة جميعا بقدرة الإنسان على اختيار شكل النظام الاجتماعي، فإذا خلا هذا الأخير من الاستغلال والعدوانية والأطماع كان التحكم العلمي في قدرات الإنسان ذا فائدة عظيمة للبشرية.
* استخدام العلم في اختراع الأسلحة الفتاكة وفي الحروب العدوانية:
صحيح أن العلم يستخدم اليوم على نطاق واسع في الأغراض السلمية وفي رفاهية الإنسان، غير أنه استخدم وما يزال يستخدم في سباق التسلح واختراع أسلحة الدمار الشامل وفي شن الحروب العدوانية وفي تدمير الحياة الإنسانية والحضارية، فقد استخدم التقدم العلمي في اختراع وصنع الأسلحة في إنهاء الحرب العالمية الأولى والثانية والحروب الجهوية والإقليمية نهاية بشعة، فلكي تفرض الولايات المتحدة سطوتها اخترعت القنبلة النووية واستعملتها في هيروشيما وناغازاكي لإخضاع اليابان وإرغامها على الاستسلام، ولكن استعمال هذا السلاح الجهنمي خلف حالة من الندم العميق لدى العديد من العلماء وأوقعهم في أزمة ضمير حادة بعد أن عرفوا بصورة قاسية كيف يوظف العلم في إبادة الإنسان وارتكاب جرائم ضد الإنسانية، في حين أن استعمال الذرة في الأغراض السلمية يؤدي خدمات لا تقدر بثمن لخير الإنسانية ورفاهيتها.
ويظل العاصم الأساسي ضد هذا الاستعمال المدمر للعلم هم العلماء أنفسهم – في رأي البعض- الذين يستطيعون أن يحولوا دون تطوير الأسلحة المدمرة لتصبح أداة في يد الأطماع السياسية والاقتصادية للدول الكبرى.
وبناء على ذلك تلعب شخصية العالم دورا أساسيا في الاستعمال السلمي للعلم وتطبيقاته، خاصة أن هناك طابعا لا شخصيا للعلم لا جدال فيه، بمعنى أن نتائج العلم تستخدم بصرف النظر عن شخصية العالم وإرادة العلماء والمكتشفبن، وغالبا دون ارتباط بهم. ومع ذلك فهناك اختلافات متباينة المستويات بين العلماء كأفراد، وهناك سمات مشتركة بينهم يمكن التقاطها منها: الموضوعية التي تعني أول ما تعني التحلي بالروح النقدية، وأصعب أشكالها هو النقد الذاتي الذي قد يعني التنازل عن الجهد العلمي السابق كله والبدء بداية جديدة، ثم تقبل النقد من الآخرين بشرط توفر ما يسمى "بالضمير النقدي" والاغتراف بأفضال الباحثين السابقين، وكلها تقاليد لم تستقر بعد في الكثير من البلدان. ومن المؤسف أن الأجيال الجديدة من العلماء وخاصة في العالم الثالث تبدو أقل تمسكا بهذه التقاليد حتى من الأجيال السابقة، ومن ثم فإن الخط البياني للروح النقدية السليمة، وللأخلاق العلمية بوجه عام، يتجه إلى الهبوط.
هذا فضلا عن أن نزاهة العالم وحياده أمام الحقيقة العلمية يظلان مهددين في ظل مناخ عام كالذي يسود في البلدان المتخلفة والاستبدادية، ويبقى أن "طريقة استخدام العلم هي التي تحدد مدى أخلاقيته أو لا أخلاقيته"، وأن الذي يحدد هذه الطريقة بشكل حاسم هو طبيعة النظام الاجتماعي السائد. (8).
خاتمة:
يتضح من السرد التاريخي لإشكالية الإبستمولوجيا وعلاقتها بالتطور العلمي أن الثورات العلمية التكنولوجية التي عرفها الإنسان خلال ما يقرب من ثلاثة قرون هي تعبير عن تطلع الإنسانية إلى معرفة الكون واكتشاف قوانينه وتسخير هذه القوانين لتلبية احتياجاته الاجتماعية والفكرية والثقافية. وبالفعل فقد فتحت هذه الثورات العظيمة أمام الإنسان مجالات واسعة للنمو والازدهار، حيث علق عليها آمالا كبيرة في القضاء على جميع ما يعانيه من آلام ومجاعات وشرور، إلا أنه أصيب بخيبة أمل كبيرة أيضا نتيجة للتطبيقات السلبية لنظريات العلم وفتوحاته مثل الحروب والأمراض والكوارث الطبيعية والإنسانية، ونتيجة لهذه التطبيقات السلبية أصاب التشاؤم العديد من المفكرين والعلماء والسياسيين، مما دفع البعض منهم إلى القول بأن العلم "عبارة عن قوة عمياء" مهيأة لتجسيد كل الرغبات بما فيها الرغبات الشريرة والقاتلة، واعتبروا أن العلم في ذاته هو قوة مزدوجة يمكن استعملها في الخير كما يمكن استعمالها في الشر.
حقا، إن العلم هو معرفة بالواقع وبما يتضمنه من ضرورات، وهو في نفس الوقت جهد إنساني للسيطرة على هذه الضرورات وتوجيهها، إلا أنه ليس مطالبا بصفة مباشرة بتوظيف هذه الضرورات لأية فائدة عملية، إنه يكشف عن الأمراض والميكروبات ولكنه لا يرمي إلى تحقيق غاية عملية مباشرة من هذه الاكتشافات. فالتطبيقات العملية تأتي بعد ذلك لتحقيق نوعية الأهداف التي يرسمها الإنسان. وهذا التفسير لا ينطبق فقط على العلوم الطبيعة والكونية التي تتوخى كشف قوانين الطبيعة، بل ينطبق أيضا على العلوم الإنسانية كعلم النفس وعلم الاجتماع والاقتصاد وغيرها. فالسيكولوجيا على سبيل المثال تقر حقيقة الظاهرة النفسية التي تدرسها كما هي في الواقع لا كما يجب أن تكون، وعلم النفس الاجتماعي قد يوضح لنا كيف تتصرف الجماعة ولكنه لا يوضح لنا الهدف الذي تتوخاه، وهكذا في سائر العلوم طبيعة كانت أم إنسانية. وهذا يعني أن العلم لا يمكن أن يضع غاية إنسانية مباشرة لنفسه. نعم لقد حقق خدمات لا تحصى للإنسانية وخفف من متاعبها وأمراضها وزاد من رفاهيتها وسعادتها، إلا أنه في ذات الوقت قدم لها عن طريق الاختراعات والتطبيقات العملية مختلف وسائل التدمير والإبادة في العالم. وهذا هو السبب الذي جعل البعض من المشتغلين بالعلم يدعو إلى التنازل عن نشاطه العلمي مضحيا، من خلال هذا التنازل، بجوانبه الإيجابية بغية التخلص من جوانبه السلبية، لكن هذا التصرف سلبي وانهزامي، ولا ينتج شيئا مثمرا للإنسان وللعالم على السواء. فالعالم حقا ليس مسؤولا بصفة مباشرة عن الاستخدامات المضرة للعلم، ولكنه مسؤول عن سكوته عن هذه الاستخدامات السلبية ومطالب بالسعي من أجل التوظيف الإيجابي لخير الإنسانية. إنه قد يعرض حياته للخطر ويبذل مجهودات كبيرة كي يصل، عن طريق هذه البحوث واكتشاف الحقائق العلمية، إلى خدمة الإنسانية، بتأكيده أولا أنه لا يمكن من الناحية النظرية أن تكون للعلم كلمة نهائية في جميع المجالات، فما يزال الكثير من الظواهر والأشياء لم تكتشف بعد، وكلما ازددنا معرفة بالكون وخفاياه كلما ازددنا شعورا بجهلنا لكثير من أسراره وغوامضه، وبدعوته ثانيا إلى تكثيف كافة الجهود من أجل مواصلة البحث العلمي النظري من جهة، والسعي للتطبيق الإيجابي للعلم من جهة أخرى، أي أنه مسؤول عن هذا الاستعمال ليس باعتباره عالما فحسب، بل باعتباره ملتزما يتبنى مسؤولية اجتماعية وأخلاقية تكفل له النشاط من أجل استعمال اكتشافاته واختراعاته في المجال السلمي الإنساني. لذلك يجب تحويل شعار العلم وسيلة لخدمة المجتمع والإنسان مبدأ للجميع وفي مقدمتهم العلماء الذين لا يجب أن يكونوا علماء فقط بل مناضلين من أجل الاستعمال الإيجابي لاكتشافاتهم العلمية في سبيل الإنسانية والتقدم الاجتماعي. وإذا كان طابع العلم في ذاته لا يشكل عوائق تحول دون الإفادة من ثماره، إلا أن استعماله اليوم هو بعيد عن مجاله الصحيح في الكثير من الحالات، مثل الحروب والاحتكار والاستغلال وقلة تكافؤ الفرص. وأول خطوة لمكافحة هذه العوائق والاستخدامات السلبية تكمن في انخراط العلماء في هذا الكفاح لوضع حد لهذه العوائق وتوظيف علمهم لخير الإنسانية ورفاهيتها المادية والمعنوية والروحية. ومن العوائق التي يجب التصدي لها أيضا استخدام العلم في أغراض تجارية استغلالية أنانية تحرم المجتمع من الاستفادة من ثماره اليانعة، والتعصب بكل أشكاله وأنواعه العرقي والطائفي والسياسي. فمثل هذه الأشكال من التعصب تحرف العلم عن مساره الصحيح في إفادة البشرية من منجزاته وتطبيقاته. وأخيرا يجب مكافحة الجمود العقائدي والإيديولوجي الذي يوظف العلم لخدمة إيديولوجيات أنانية واستغلالية. وإذا كانت الإيديولوجيا ضرورة لا محيص عنها، فلتكن تلك الإيديولوجيا التي تخدم مصالح مضادة لكل ما يضر الإنسان، وخادمة لكل ما يحقق سعادته ورفاهيته.
وفي هذا الصدد ينبغي التأكيد على أن العلم الذي يوظف في خدمة الإنسان وتلبية احتياجاته المادية والمعنوية يجب أن يرتبط بإيديولوجية تكرس هذه القيم الإنسانية، قيم السعادة والرفاهية والثراء المادي والأخلاقي والروحي.
علي سعيد
2008






















الهوامش
المدخل:
(1) محمود يعقوبي: الوجيز في الفلسفة ص 9.
(2) د. زكي نجيب محمود: ثقافتنا في مواجهة العصر ص 40 – 41 .
(3) د. عبد الرحمن مرحبا: المسألة الفلسفية ص 11 – 16.
(4) موجز تاريخ الفلسفة: تأليف جماعة من الباحثين السوفيات، تعريب توفيق سلوم ومراجعة د. خضر زكرياء ص 10
(4) نفس المرجع ص 10 وما بعدها.
(5) د. زكي نجيب محمود: المرجع السابق ص 41.
(6) أفاناسييف: أسس المعارف الفلسفية ص 401
(7) نفس المرجع ص 409.
(8) انظر المرجع السابق ص 41 وما بعدها.
الفصل الأول:
(1) الموسوعة الفلسفية: تأليف لجنة من العلماء والأكاديميين السوفياتيين، ترجمة سمير كرم ص 447- 448.
(2) عمر مهيبل: إشكالية التواصل في الفلسفة الغربية المعاصرة ص 61.
(3) نفس المرجع ص 61.
(4) نفس المرجع ص 61.
(5) د. محمد عابد الجابري: تطور الفكر الرياضي والعقلانية المعاصرة، الجزء الأول، دار الطليعة، بيروت ، الطبعة الثانية 1982/ ص 42. عن "إشكالية التواصل في الفلسفة الغربية المعاصرة ص 62.
الفصل الثاني:
(1) عمر مهيبل: إشكالية التواصل في الفلسفة الغربية المعاصرة ص 13.
(2) د. فؤاد زكرياء: التفكير العلمي ص 21 – 28.
(3) الفلسفة، نشر وزارة التربية الوطنية ص 70.
(4) د. فؤاد زكرياء : التخلف الفكري وأبعاده الحضارية، مجلة الأصالة العدد 29/30، جانفي ، فيفري 1976 ص 77.
(5) الفلسفة نشر وزارة التربية الوطنية ص 70.
(6) د. فؤاد زكرياء نفس المرجع السابق ص 77.
(7) د. مصطفى معرفي: التقدم العلمي المعاصر (مقدمة)، عالم الفكر الكويتية، أكتوبر – ديسمبر 2000 ص 7.
(8) نفس المرجع ص 10.
(9) محمود أمين العالم: فلسفة المصادفة ص 252.
الفصل الثالث
(1) د. فؤاد زكرياء: التفكير العلمي، ص 209.
(2) نفس المرجع ص 210.
(3)رؤى مستقبلية : ميتشيو كاكو ، ترجمة د. محمد سعد الدين خرفان ، عالم المعرفة يونيو 2001 ص 19.
(4) أبن نقف مع بداية الألفية الثالثة؟: محمد سيد أحمد، مجلة العربي، العدد 497، أفريل 2000 ص 19.
(5) هنري بوانكاري : قيمة العلم نقلا عن "قضايا فلسفية: جمال الدين بوقلي حسن ص 587.
(6) نفس المرجع ص 587.
(7) نفس المرجع ص 588.
(8) راجع الفصل السادس والسابع والخير من كتاب "التفكير العلمي، د. فؤاد زكرياء.







المراجع:
1- أسس المعارف السياسية: تأليف أفاناسييف ، دار التقدم، موسكو 1979.
2- إشكالية التواصل في الفلسفة الغربية المعاصرة: د. عمر مهيبل، منشورات الاختلاف، الطبعة الأولى، الجزائر 2005 – 1426.
3- أين نقف مع بداية الألفية الثالثة؟: محمد سيد أحمد، مجلة العربي، العدد 497، أفريل 2000.
4- التفكير العلمي : تأليف د. فؤاد زكرياء، منشورات ذات السلاسل، الكويت 1405 – 1985.
5- التقدم العلمي المعاصر (مقدمة): د. مصطفى معرفي ، مجلة عالم الفكر الكويتية عدد أكتوبر – ديسمبر 2000.
6- ثقافتنا في مواجهة العصر: تأليف د. زكي نجيب محمود، دار الشروق، الطبعة الثالثة، 1402 هـ/ 1982.
7- رؤى مستقبلية: تأليف ميتشيو كاكو ، ترجمة د. محمد سعد الدين خرفان ، سلسلة عالم المعرفة يونيو 2001.
8- فلسفة المصادفة: تأليف محمود أمين العالم، مكتبة الدراسات الفلسفية، دار المعارف بمصر 1970.
9- قضايا فلسفية: تأليف جمال الدين بوقلي حسين، الطبعة الثانية، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع ، الجزائر 1981.
10- كتاب الفلسفة للأقسام النهائية (العلمية والرياضية والتقنية والتسيير والاقتصاد: تأليف مجموعة من الأساتذة، وزارة التربية الوطنية، الديوان الوطني للمطبوعات المدرسية 2004 – 2005.
11- المسألة الفلسفية: د. عبد الرحمن مرحبا، منشورات عويدات، المكتبة الفلسفية (رقم 7) الطبعة الأولى ، كانون الأول (ديسمبر)1961.
12- موجز تاريخ الفلسفة: تأليف جماعة من الأساتذة السوفيات ، ترجمة توفيق إبراهيم سلوم، ومراجعة د. خضر زكرياء، الطبعة الثالثة، دار الفكر ، موسكو 1971.
13- الوجيز في الفلسفة: تأليف محمود يعقوبي، الديوان الوطني للمطبوعات المدرسية، 1987 – 1988.



















الفهـرس

مدخل تمهيدي: ص 1 – 3
الفصل الأول
مفهوم الإبستمولوجيا ودلالاتها المختلفة ص 3 – 4
الفصل الثاني
الطابع التطوري للإبستمولوجيا الحديثة ص 4 – 7
1- نظرية التواصل: ص 4 – 5
2- نظـريـة اللاتـواصـل: 5 - 6
3- النظرية الجدلية: ص 6 – 7
الفصل الثالث
قيمة العلوم الحديثة ص 7 – 10
1- المنجزات النظرية للعلم الحديثة: ص 7
2- المنجزات الاجتماعية والإنسانية: ص 8
3- مشاكل العلم المعاصر: ص 8
خاتمة: ص 10 – 11
الهوامش: ص 12
المراجع: ص 12 - 13
الفهرس: ص 14


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 

بحث فلسفي: الإبستمولوجيا وقيمة العلم

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
أنثروبولوجيون في العالم Anthropologists in the world‎‏  ::  :: -