أنثروبولوجيون في العالم Anthropologists in the world‎‏
عزيزي الزائر الكريم
انت لم تسجل في المنتدى بعد، عليك الضغط على زر التسجيل ادناه لتتمكن من مشاهدة ‏جميع الصور والروابط في المنتدى، والمشاركة معنا.ان امتناعك عن التسجيل يعني ‏حرمانك من مزايا المنتدى الرائعة .‏

إشكالية المدخل المنهجي الإسلامي في حقل السوسيولوجيا- أ.د نور الدين زمام / الجزائر

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

إشكالية المدخل المنهجي الإسلامي في حقل السوسيولوجيا- أ.د نور الدين زمام / الجزائر

مُساهمة من طرف سعيد الجزائري في 17/8/2010, 02:27



إشكالية المدخل المنهجي الإسلامي في حقل السوسيولوجيا- أ.د نور الدين زمام / الجزائر


Resumé
Les approches en sociologie représentent les arrière-fonds philosophiques et doctrinaux de la recherche, et en plus elles caractérisent certaines manières d'opérer, et d’aborder les faits.

La sociologie a connu plusieurs approches (marxiste, positiviste, organisationnelle...) Dans cet article nous abordons l’approche islamique, qui a notre avis obtenu sa légitimité académique, mais ensuite il a été cédé à l’appréciation personnelle.

Nous voulons à travers cet article démontrer ces dimensions conceptuelles et méthodiques, et en même temps clarifier ces fondements.

الملخّـص
تمثل المداخل المنهجية الخلفية الفلسفية والمذهبية للبحث العلمي في العلوم الاجتماعية، وهي إضافة إلى ذلك، تتضمن طرقا عملياتية تسمح بالتعامل المنهجي مع الوقائع قيد الدراسة.
ويتوفر علم الاجتماع على مداخل منهجية عديدة، يتعلق بعضها بمدارس كبرى مثل الوضعية والماركسية، ويشير البعض الآخر إلى طرق بعينها للنظر والتناول المنهجي للواقع مثل المدخل التنظيمي أو الوظيفي.

ويحاول هذا المقال طرح إشكالية أحد...
Table des matières

* أولا- حول المدخل المنهجي:
* ثانيا- المدخل المنهجي الإسلامي:
* 1- الأساس التصوري للمدخل المنهجي الإسلامي:
* 2ـ الطرائق المنهجية كشق ثاني للمدخل المنهجي
مقدمة:

إن الاهتمام بالبحوث التطبيقية appliquée (الحقلية أو المخبرية أو الوثائقية) مطلب علمي ملح، وضرورة لا بد منها لإثراء الدراسات والبحوث العلمية وتطوير المعرفة العلمية وتقديم نتائج تعود بالنفع على المجتمع وتساهم في المجهود الاجتماعي والتربوي والاقتصادي.

وقد اتجهت الدراسات السوسيولوجية في هذا الاتجاه منذ الأعمال المبكرة لرواد علم الاجتماع، فعزّز ذلك الجهود التي بذلت قصد بلورة جملة من الطرق والمناهج والأدوات العلمية، ومع مطلع القرن الماضي أخذت هذه البحوث أبعادا تحليلية ومنهجية متعددة، رافقت تطور النظرية السوسيولوجية، وصاحبت تنوع مقارباتها ومداخلها فقدّمت رؤى ثرية ومتنوعة للواقع الاجتماعي، بفضل تعدد منطلقاتها وتنوع توجهاتها.

كان من ثمار ذلك تعزيز مكانة المداخل المنهجية في علم الاجتماع، كما هو الشأن في غيره من المجالات العلمية، وصار من المسلم به أن يتم التعامل العلمي مع الواقع وفق مداخل ومقاربات تمدّ يد العـون الفكري للباحث، وترسم ملامح الواقع بلغة مجردة، وتُريه أبعاد مجاله التخصصي، وتزوده بمادة من المفاهيم، وتحّدد له الارتباطات القائمة بين مفردات حقله العلمي، وتلخِّص له العلاقات الموجودة ضمنه.

وتحاول هذه الورقة تبيان أهمية المداخل المنهجية في علم الاجتماع، من خلال تحديدها وتبيان أنواعها، كما ستحاول مناقشة المدخل المنهجي الإسلامي كنموذج لهذه المداخل قصد تبيان أسسه وتتبع مداه ضمن الحقل السوسيولوجي.
أولا- حول المدخل المنهجي:

يعتبر المدخل المنهجي نقطة وصل بين الأساليب العملياتية Opérationnelles التقنية التي يتعامل بها الباحث مع الواقع المدروس وبين الإطار المرجعي النظري، وهو بذلك يساعد على الاقتراب المتبصر من الواقع.

1- مفهوم المدخل المنهجي:

يعرِّف "موريس أنجرس" Maurice Angersالمدخل على أنه <<طريقة خاصة غير تقليدية في استعمال النظرية >> وعند اقترانه بالمنهج يعرّفه أنجرس بوصفه << طريقة خاصة، غير تقليدية في استعمال النظرية، بصرامة avec rigueur، وبرغبة في التنظيم avec un souci d’ordonnance>> (1)

ويعرف أحد علماء الاجتماع المدخل المنهجي بقوله << وهو يشير للتصور المنهجي لرؤية الواقع، وتناول ظواهره ونظمه ومراجعة الأنساق النظرية المصاغة حوله، ويتحدد المدخل المنهجي في ضوء المبادئ الأساسية والأسس المنطقة التي يستند إليها الباحث والتي تمثل الإطار المرجعي للمعالجة المنهجية << (2)­.

ترتيبا على ذلك، نستنتج أن المدخل بمعناه الأولي يشير إلى الطريقة المرنة لتناول البحث من منطلق نظري (اتجاه فكري أو مدرسة )، بحيث يشكل خلفية فكرية للباحث، وإذا كان التعامل من هذا المنطق يتطلب قدرا من المرونة فإن عملية التبني لأي تصور تحتاج إلى كثير من الصرامة والدقة والتنظيم، حتى يتوفر الباحث على الوضوح النظري الكافي، والقدرة على رسم الخطوات المنهجية اللاحقة.

فالمدخل المنهجي المحدد بدقة ووضوح يسمح للباحث بالاقتراب الدقيق و"المحسوب" من الواقعة، ويمنحه القدرة على تحليل وإدراك وتفسير أبعاده، وهو يعقد نقطة أو حلقة الوصل بين الإطار المرجعي النظري والمنهجية المتبعة، فهو:

- على المستوى التصوري يساعد على تحقيق التناسق المنطقي، وعلى تبصر جوانب الظاهرة المدروسة، وتبين أبعادها المختلفة، والاستفادة مما قدم في ذلك من تحليلات ومفاهيم وقضايا.

- وهو يسمح على المستوى العملياتي باختيار المناهج الملائمة للدراسة التي تجرى عن واقع بعينه وفق المنظور المتبنى.

- ونتيجة لذلك، فهو يحقق الانسجام بين الجانب التصوري للبحث والجانب التطبيقي والجانب التفسيري.

2- الأنساق والأطر الفكرية:

يمكن أن نحصي كما يقول "شورشمان" C.W. Churchman (3) أربع أنساق فكرية كبرى، كما عرفها النموذج الكلاسيكي، والتي أثرت على التيارات الفكرية الأساسية، وغذت مختلف المداخل في العلوم الاجتماعية عموما، وكل واحد منها يستند إلى مرتكزات فلسفية، ويستوجب منحى بعينه.

يّنسب النسق الأول إلى الفيلسوف الرياضي الألماني "ليبنيز" Leibniz ( 1646-1716) وهو نسق نظري صوري، ويعدّ نسقا استنباطيا، ينطلق في تفسيره للقضايا والوقائع من عناصر أساسية (أولية) بسيطة، يتم تركيبها بصرامة بفضل المنهج العقلاني الرياضي، وهو لا يعتمد على التجربة ولكن يستند على الاستدلال الصحيح.

ويوصف هذا النسق بالافتراضي- الاستنباطي hypothético-déductif حيث ينطلق من فرضية (أو عدة فرضيات) وهنا نستعمل الاستدلال الاستنباطي، بمعنى ننطلق من ترتيبات عامة، معلومة مسبقا لتناول حالة خاصة، كما الشأن مثلا في القياس الاقتصادي الذي ينطلق من فرضيات عامة أو نظريات عامة للكشف عن العلاقات القائمة بين متغيرات بعينها في حالة محددة.

وينسب النسق الثاني إلى "جان لوك" Jean Locke (1632-1706) الذي يّلغي المنحى الفكري المطلق Intellectualisme لصالح الحواس، دون أن يكون لها الدور المحوري في المعرفة. فهذه الأخيرة تجد موضعها في حيز ما بين القدرات الفكرية الخالصة للإنسان وأعضاء حواسه، ويعتبر هذا المنحى تجريبي- استقرائي expérimentalo-inductif وهو ينطلق من الحالات المشاهدة الملموسة، ثم يقوم بعد ذلك ببناء قوانين عامة بفضل النظرية والاستدلال.

ويحاول النسق الثالث الذي ينسب إلى الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط (1724-1804)، التوفيق بين النسقين الأوليين، فهو يتطلب استعمال عدة نماذج مرة واحدة، وهذا ما نشير إليه اليوم بالمدخل المتعدد التخصصات. وبالنسبة لهذا الفيلسوف فإن العلم الوضعي أو التجريبي هو الوحيد الذي يقود للحقيقة بمساعدة الاستدلال التركيبي، وهو يوصف بالنسق التركيبي-المتعدد النماذج synthétique-multimodal لأنه يحاول الجمع بين القوانين والاستدلال العام لمختلف الحقول العلمية والملاحظة والتجريب الخاص، فيحقق بذلك التركيب الذي حقق تقدما للمعرفة.

وفي الأخير ينسب النسق الرابع إلى الفيلسوف الألماني هيجل ( 1770-1831) وهو يستند إلى مبدأ الجدلية، والتي تشير إلى الحركة الدائمة التي تتسم بالصراع والتركيب في كل مفردات الوجود، وتخضع الحقيقة في بنيتها الفكرية إلى ذات المبدأ: فهي تنشأ في خضم صراع الأضداد في عملية مستمرة للفكرة والنقيض والتركيب.

ويوصف هذا النسق الأخير بالتركيبي– الصراعي synthétique-conflictuel، وهو يخضع أي واقعة قيد الدراسة للتحليل المنظم لسيرورة تشكلها، والتي تخضع بدورها لقانون الجدلية من خلال صراع الأضداد، ومن هذه المواجهة تتخلق المركبات، والتي بدورها تدخل في تناقض مع عناصر أخرى، وهكذا دواليك.

وقد طبق ماركس هذا المدخل، ومن منطلق تاريخي، معتمدا على دور الصراع بين قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج، والذي أخذ طابعه الاجتماعي في المرحلة الرأسمالية من خلال صراع الطبقات.

هذا ويطلق "عمار أكتوف" Omar Aktouf على المداخل المعروفة في العلوم الاجتماعية والإنسانية، مفهوم الأطر Cadres، وهي تمثل بالنسبة للبحث الخلفية الفلسفية والمذهبية وأحيانا الأيديولوجية. وزيادة على كونها أنساقا فكرية، على غرار تلك المشار إليها آنفا، فهي تتضمن وتفترض طرقا عملياتية، أي أنها تسمح بالتعامل المنهجي مع الواقع المدروس.

وتتضمن هذه الأطر نسقا مرجعيا يضفي دلالات على الظواهر قيد الدراسة ويسمح بتأويلها. وهناك عدة مداخل في علم الاجتماع، بعضها مشتق من مدارس كبرى مثل الوضعية والماركسية، والبعض الآخر يشير إلى طرق بعينها للنظر وللتناول المنهجي لواقع اجتماعي بعينه مثل المدخل التنظيمي والمدخل الأيكولوجي.

ومن بين المداخل المعروفة في علم الاجتماع المدخل الوضعي والوظيفي والبنائي والنسقي Systémique، والتكويني Génétique، والفينومولوجي والإثنوميثولوجي، وهناك المدخل الجدلي وأحيانا نقول عنه المدخل المادي التاريخي، أي الماركسي، والمدخل التفاعلي الرمزي..الخ

ومن المداخل المعترف بها اليوم، والذي هو موضوعا لهذه الورقة: المدخل الإسلامي، الذي حاز على الاعتراف الأكاديمي في بعض الجامعات العربية مثل الجزائر، حيث يدرس في السنة الثانية بقسم علم الاجتماع، في مقياس منهجية البحث وتقنياته، كأحد المداخل المنهجية الكبرى في علم الاجتماع إلى جانب المدخل الماركسي والوضعي.
ثانيا- المدخل المنهجي الإسلامي:

يتضمن المدخل المنهجي، كما سبقت الإشارة، جانبين متكاملين، يتمثل الشق الأول في الجانب التصوري، أي الأيديولوجي والمذهبي. أما الشق الثاني فيتعلق بالإجراءات والخطوات المنهجية العملية التي تتوافق وهذا المدخل، فلكل مدخل مقتضيات منهجية تتسق مع أسسه ومنطقه الخاص في رؤية الأشياء.
1- الأساس التصوري للمدخل المنهجي الإسلامي:

يجب التسجيل عند الحديث عن التصور الإسلامي (الأساس المذهبي والفلسفي) أنه يختلف كليا عن بقية التصورات والأطر المذهبية في نقاط كثيرة، لعل أهمها: كونه إلهي المصدر، لا يستمد قضاياه وتصوراته من الفكر البشري، وكونه يتسم بالتوازن بين " الغيبي" و"الواقعي"، وبين المثالي والمادي، كما أنه يتميز بكونه يشكل إطارا متكاملا يتضمن حقائق تتعلق بالكون المادي والحياة الأرضية، والوجود الإنساني، وهو يعالج هذه الجوانب، في ضوء تصوره الفريد لها، بطريقة متكاملة لا يمكن عزلها عن بعضها البعض(4).

وتجدر الإشارة إلى أن بعض الباحثين المعاصرين يرفضون إطلاق مفهوم التصور على البناء العقيدي للإسلام، وهو المفهوم الذي نحته سيد قطب وضمنه في كتابه المشهور خصائص التصور الإسلامي ثم كتابه مقومات التصور الإسلامي الذي نشر بعد رحيله.

ويرجع سبب رفض البعض لهذا المفهوم، إلى كون التصور عملية فكرية محضة، تحتمل الصدق والكذب، وتبعا لذلك رفضوا أيضا مفهوم الفكر الإسلامي بحجة أن الفكر يدل على نوع من إفراز العقل البشري للدلالة على ما حوله من وجود.

ويطرح البعض كبديل لهذين المصطلحين مصطلح المذهبية الإسلامية، للإشارة إلى <<ما ذهب إليه الإسلام في أمر الكون وخالقه والحياة الإنسانية، أي القضايا التي تتعلق بالكليات وليس بالجزئيات، واستعمالها (أي استعمال مصطلح المذهبية) بهذا المعنى يقابل الأنساق الفكرية الوضعية لكلمة أيديولوجيا بمعنى" العقيدة"، فالمذهبية الإسلامية بهذا المعنى هنا تقابل أو تواجه المذهبيات الوضعية في نظرتها لحقائق الوجود (5) >>.

وبغض النظر عن هذا الإشكال بين المفاهيم، فيمكن أن نورد معنى الجانب التصوري أو العقائدي أو المذهبي للإسلام من خلال التعريف التالي: << مجموعة الحقائق العقيدية الأساسية، التي تنشئ في عقل المسلم وقلبه ذلك التصور الخاص للوجود، وما وراءه من قدرة مبدعة وإرادة مبدعة، وما يقوم بين هذا الوجود وهذه الإرادة من صلات وارتباطات(6)>>.

فالجانب التصوري يتضمن جملة العقائد التي تنشئ في عقل المسلم وقلبه تصورا خاصا للوجود، ولما وراءه من قدرة مبدعة لخالق مدبر ليس كمثله شيء، وهي تتضمن أيضا تحديد علاقة الوجود بهذه القدرة الفاعلة وما ينبغي نحوها من إفراد للعبادة والخضوع، ويتضمن هذا التحديد النقاط الآتية:

1- مجموعة حقائق عقيدية : تتعلق بالإله : والكون والحياة والإنسان والتاريخ ..

2- يسلم بها العقل المسلم، وينعقد عليها القلب، فينبع منها التصور والرؤية، فتنشأ النظرة الإسلامية الفريدة للحقائق العامة المتعلقة بالوجود(مصدره، مآله، عناصره..)

3- يحدّد هذا التصور الصلات والارتباطات الموجودة بين مفردات الوجود كله وخالقه وراعيه، وتبين ما ينبغي أن تكون عليه هذه العلاقة تجاه الخالق المنعم.

وتجدر الإشارة إلى أن اقتصار مصدر التصور الإسلامي على الوحي فقط، لا يعني إلغاء أو إقصاء العقل، فالإسلام يمنح العقل تصريحا تاما لإعمال قواه وبذل طاقته فيما لا يجعله يهدرها، ويمنعه من الخوض في ما لا طائل من ورائه.

إذن، فللوحي مجاله الخاص وللعقل مجاله المعترف به، فيمكن للعقل أن يبرهن ويستدل ويفسر ويفهم حقائق الوحي ويرتب قضاياها، ومن جهته يقدّم الوحي للعقل خريطة الوجود كله: الكون، الحياة.. حتى يحسن قيادة التحرك الفكري، فيسير بسرعة أكيدة وآمنه. ويتعامل ضمن هذه الخارطة مع مختلف القضايا والمسائل التي تتطلب البحث والاستقصاء.
2ـ الطرائق المنهجية كشق ثاني للمدخل المنهجي :

لا يمكن الحديث عن الجانب المنهجي الذي يقترحه هذا المدخل، من دون التطرق لأنواع المعرفة التي يقرها الإسلام، حتى يتأتى لنا معرفة موقع علم الاجتماع منها.

2. 1- أنواع المعرفة وفق علماء الإسلام:

يقر علماء الإسلام بوجود ثلاث أشكال عامة للمعرفة(7)، كل واحد منها يستدعي مصدرا معرفيا خاصا، وبالتالي منهجا وطريقة خاصا للاستقصاء، وتتمثل هذه المعارف في:

1- المعرفة الشرعية:

وهي معرفة نقلية بالأساس، لأنها تحصل بالتلقي من الكتاب والسنة، وهي تتضمن العقائد والعبادات وأصول المعاملات.. ولهذه الميادين المعرفية علوم وكتب خاصة بها مثل علوم القرآن، علوم الحديث، وكتب العقائد والفقه. ودور العقل هنا مكملا وتابعا للمصادر الشرعية.

2- المعرفة العقلية:

وهي تحصل من خلال البراهين العقلية مثل المنطق والرياضيات، وهناك اتفاق عام حول وجود هذا النوع من المعرفة بين الفلاسفة والعلماء. ويبقى الاختلاف في نشأة وتكوين القضايا أو الموضوعات التي تشكل مادة المعرفة العقلية، فهل هي فطرية خالصة من نسيج العقل حسب المذهب العقلي Rationalisme؟ أم أنها انعكاس للواقع تُستخلص منه، وتكتسي مع ذلك صورها المجردة، كما يدّعي المذهب الواقعي Réalisme؟. ورغم تباين الموقفين فكلاهما يؤكد على وجود معرفة عقلية، يطلقون عليها أحيانا المعرفة الفلسفية.

3- المعرفة المكتسبة (العادة):

وهي المعرفة التي يتوصل إليه الإنسان من خلال المشاهدة والتجربة، ويطلق عليها في التراث الإسلامي كلمة "العادة"، بمعنى أنها تحصل بالتعود والتكرار وملاحظة حدوث أو تكرار وقوع الشيء على نفس المنوال. المعرفة في هذه الحالة تحصل للفرد ويكتسبها من خلال التعود على معرفة الشيء ميدانيا، مثل اكتشافه لضرر النار وفوائدها، فنحن نتعرف على طبيعة الأشياء وخواصها أو الظواهر الطبيعية والاجتماعية من خلال الحواس سواء بالمشاهدة أو الاختبار أو التجربة.

2.2- نمط المعرفة السوسيولوجية:

بعد استعراض أشكال المعارف، وما تقتضيه من طرائق بحث خاصة، يمكن أن نتساءل بعد ذلك عن نمط المعرفة السوسيولوجية ؟ فهل هي معرفة شرعية خالصة تحصل بالوحي؟ أم هل هي معرفة عقلية بحتة؟ أم أنها معرفة واقعية تحصل بالمشاهدة والتجريب والاختبار؟.

للإجابة على هذه التساؤلات نفضل أولا استعراض التجربة الخلدونية في هذا الميدان، خاصة عند حديثه عن أسباب وملابسات اكتشاف هذا العلم. فلو رجعنا إليه باعتباره المؤسس الأول لعلم العمران البشري نلاحظ بداية أنه استقى هذه المعرفة وانتهى إليها بفضل تأمله وملاحظته لأنماط العيش في البدو والحضر واطلاعه عن كثب أومن خلال الكتب على ظروف ظهور أو أفول الحكومات والدول.

ومن جهة أخرى فقد بدأت رحلة اكتشاف علم العمران البشري من طريق غير منتظر، حيث كان ابن خلدون يسعى لبلورة منهج للتحقيق التاريخي، بعد أن عاب على فن التاريخ عدم تقيده بمنهج علمي صارم، ففن التاريخ، كما يقول ابن خلدون: <<محتاج إلى مآخذ متعددة، ومعارف متنوعة، وحسن نظر وتثبت، يفضيان بصاحبهما إلى الحق، ويُنكبان به عن المزلات والمغالط، لأن الأخبار إذا اعتمد فيها على مجرد النقل، ولم تحكم أصول العادة وقواعد السياسة وطبيعة العمران والأحوال في الاجتماع الإنساني، ولا قيس الغائب منها بالشاهد والحاضر بالذاهب، فربما لم يُؤمن فيها من العثور ومزلة القدم، والحيد عن جادة الصدق (8) >>

إذن، كان الهاجس المعرفي هو الذي قاده إلى هذا الاكتشاف المزدوج: على صعيدي الموضوع (مجال العلم الجديد) والمنهج (أسس عملية مبتكرة لرصد الوقائع والتحقق من الروايات والأخبار) وبفضل ذلك استطاع أن يقف على طبيعة القوانين التي تحكم نشأة وتطور وانحطاط الدول والمجتمعات، خاصة في بلدان المغرب العربي، فهو لم يكن يسعى، كما يقول عبد الغني مغربي، إلى تقديم قانون عام لكل المجتمعات، فعمله التاريخي يخص تاريخ ومدن العرب والبربر ممن يقطنون بلدان المغرب العربي(9).

وقد عبر ابن خلدون بوضوح تام عن هذا الاكتشاف بقوله: << وكأن هذا علم مستقل بنفسه: فانه ذو موضوع وهو العمران البشري والاجتماع الإنساني؛ وذو مسائل، وهي بيان يلحقه من العوارض والأحوال لذاته واحدة بعد أخرى. شأن كل علم من العلوم وضعيا أو عقليا، وأعلم أن الكلام في هذا الغرض مستحدث الصنعة، غريب النزعة، عزيز الفائدة أعثر عليه البحث، وأدى إليه الغوص (10) >>

إذن فهذا العلم، وكشأن العلوم الوضعية والعقلية، ينطوي على أهمية بالغة. ويستمد هذا العلم مفاهيمه ومادته من الواقع المعاش، فموضوعه ليس القضايا المجردة التي يحللها العقل ويتأمل فيها، وليس الحقائق العقيدية والأحكام الشرعية التي تدخل في دائرة اختصاص العقيدة والشريعة.

فملاحظات ومشاهدات ابن خلدون قادته إلى <<استقراء معظم أفكاره من الواقع الاجتماعي المحسوس، أو الواقع الاجتماعي المادي(11)>>، كما أن ثقافته الإسلامية وإطلاعه على الكثير من الأعمال ساعدته أيضا على بناء فكره السوسيولوجي، فعلم العمران يشترك في بعض المسائل مع علوم أخرى، مثل علوم الكلام والفقه واللغة يقول ابن خلدون مبينا ذلك:

<<وهذا الفن الذي لاح لنا النظر فيه نجد منه مسائل تجري بالعرض لأهل العلوم في براهين علومهم، وهي من جنس مسائله بالموضوع والطلب: مثل ما يذكره الحكماء والعلماء في إثبات النبوة من أن البشر متعاونون في وجودهم فيحتاجون فيه إلى الحاكم والوازع. ومثل ما يذكر في أصول الفقه في باب إثبات اللغة، أن الناس محتاجون إلى العبارة عن المقاصد بطبيعة التعاون والاجتماع.. ومثل ما يذكره الفقهاء في تعليل الأحكام الشرعية بالمقاصد في أن الزنا مخلط للأنساب مفسد للنوع، وأن القتل أيضا مفسد للنوع، وأن الظلم مؤذن بخراب العمران المفضي لفساد النوع...وغير ذلك من سائر المقاصد الشرعية في الأحكام، فإنها كلها مبنية على المحافظة على العمران، فكان لها النظر فيما يعرض له..(12) >>

وقد ساعده تكوينه الديني في بلورة هذا العلم. فمن خلال فهمه وتدبره للكثير من الآيات القرآنية استخلص بعض السنن و(القوانين) التي ساعدته على تفسير بعض الظواهر الاجتماعية والسياسية، وبعض الأحداث والشروط التاريخية مثل القانون الذي مفاده " أن الملك من طبيعته الانفراد بالمجد " حيث استنتج ذلك انطلاقا من الآية التي تقول:{قل لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا}.

كما أنه اقتبس مصطلح العمران البشري في حد ذاته من القرآن الكريم في قوله تعالى: {الذي أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها} (هود:61) وقوله: {كانُوا أشدّ منهم قـوةً وأثاروا الأرض وعمّروها أكثرً ممّا عمّـروها} (الروم:9)

وقد ساعدته الثقافات الأجنبية والفلسفية على بلورة علم العمران أيضا، مثل حكم أنو شروان وأرسطو في كتابه السياسة، ولكن حكمهم وتأملاتهم لم تقدهم إلى التأسيس لهذا العلم كما يقول ابن خلدون(13).

بعد عرض تجربة ابن خلدون يمكننا أن نقول أنه ما دام هذا العلم يتعلق بحياة الناس الاجتماعية، وما ينشأ بينهم من علاقات، فهو يستند ويتحقق من خلال المعرفة المكتسبة، وهو ليس معرفة عقلية تحصل بالتأمل المجرد، وليس معرفة غيبية تستمد من المصادر النقلية.

فعلم الاجتماع يدخل في دائرة ما يطلق عليه اليوم بالمعرفة العلمية، التي لها قواعدها المنهجية وشروطها وإجراءاتها المعروفة اليوم، وقد لا حظنا أن ابن خلدون قد اعتبر هذا العلم علما مكتسبا بالأساس، مع أنه لم يلغ في ذات الوقت دور العقل كأداة تقود الحواس وتعطي للمشاهدات معانيها، كما أنه استفاد من النصوص القرآنية، بحيث شكلت تصوراته ومفاهيمه، وكشفت له عن حقيقة القوانين التي تحكم الوجود الكوني والوجود الاجتماعي.

3.2 - أنواع الظواهر الاجتماعية:

لا بد من التأكيد دائما أن دراسة الوقائع الاجتماعية بشكل عام تكون باعتماد المنهج العلمي بمعناه الحديث، ولكن يمكننا أن نميز مع ذلك، وكما فعل محمد المبارك بين نوعين من الظواهر الاجتماعية:

- بين الظواهر الاجتماعية التي تقع تحت سمعنا وبصرنا والقابلة للمشاهدة والدراسة والوصف والتصنيف، والتي نعتمد في دراستها على المنهج العلمي.

- وبين الظواهر التي يتعذر إخضاعها لطرائق المنهج العلمي مثل البحث في أصل اللغة والدين، وغير ذلك من المواضيع التي لا يمكن ملاحظتها في الواقع أو الاستدلال عليها بالطرق التي تحقق اليقين العلمي، وقد أطلق محمد مبارك على هذا النوع من المواضيع التي تعزب عن الملاحظة "ميتافيزيقا علم الاجتماع" (14).

ففيما يخص الموضوعات الثانية نرى مع ما أكده محمد المبارك أننا كمسلمين يجب أن نسلم بما جاء به الوحي، فهو وسيلة المعرفة المعتمد لدينا في مثل هذه القضايا، ولا نحتكم فيها إلى العقائد الباطلة والنظريات غير المؤسسة، في حين أننا نعتمد في دراستنا لبقية الظواهر التي تقع تحت سمعنا وبصرنا على المنهج العلمي بمعناه الحديث التي يقوم على الملاحظة والتجريب.

فدراسة العلاقة بين نسق القرابة ونظام الزواج في المجتمعات العربية أو علاقة الدخل بالإنفاق لا تحتاج إلى الرجوع إلى الوحي لتحليل وتفسير أسبابها أو آثارها، في حين أن المواضيع الكبرى التي تستدعي خلفيات فلسفية نستبعد فيها النظريات غير المؤسسة والعقائد الباطلة، ونسترشد فيها بالتصور الإسلامي للوجود ولسنن الاجتماع.

فضلا عن ذلك فنحن نستفيد من القواعد المنهجية الصارمة التي يقرها الإسلام، والتي تتفق مع ما جاء به المنهج العلمي الحديث، بل أن الإسلام يتوفر على رؤية أشمل من حيث كونه يضع الأشياء في مواضعها، فيدعو إلى إعمال العقل فيما هو مسخر له، وإرسال النظر والمشاهدة في آفاق النفس والكون، ويمد الإنسان بتصور أرحب للوجود ولما بعد الوجود.

وهذا ما يفسّر لنا لماذا لم يشهد العالم تطورا له دلالته في العلم إلا مع بروز الحضارة العربية الإسلامية (630 م- 1300م) التي في كنفها برع المسلمون في علم الفلك، والرياضية، والفيزياء، والكيمياء، والطب، والعلوم الاجتماعية. وكان لهم الفضل في استيعاب المعارف العلمية للحضارات السابقة وتنقيحها وتطويرها بشكل مبدع.

وكان البحث العلمي من أجل فهم قوانين الطبيعة هو الهدف الرئيس للعلماء المسلمين مثل جابر بن حيان ( الذي برع في الكيمياء والرياضيات) وابن هيثم (في البصريات) والبيروني (الفلك والرياضيات) والرازي وابن سينا وابن النفيس في الطب.. وأيضا عمر الخيام الذي اكتشف أدق تقويم وصل إليه عقل الإنسان.

ومن القواعد الصارمة التي أكد عليها الدين الإسلامي لتوجيه العقل وبنائه بما ينسجم وقدراته، دعوته للعقل لأن يتحرر من كل الأفكار السابقة والثقافات المتوارثة عند دراسة الظواهر والتعامل مع مختلق القضايا الفكرية وغيرها. وأمره بالحذر والتثبت قبل إصدار الأحكام، وتلقى الراويات والأخبار:{ولا تقف ما ليس لك به علم، إن السمع والبصر والفؤاد، كل أولئك كان عنه مسؤولا} {الإسراء:36} وقوله تعالى: ّ{يا أيها الذين آمنوا ا اجتنبوا كثيرا من الظن، إن بعض الظن إثم} (الحجرات:12).

وفي الوقت الذي يحث فيه على استخدام العقل والحواس للبحث والتدبر فإنه حدّد للعقل إطاره الذي يعمل فيه، وحذره من مغبة الخوض في بحار المعرفة الغيبية المطلقة التي يستحيل عليه أن يسبح فيها، إلا بما يمكن أن يعود عليه بالنفع والفائدة. وفي ذلك احترام للعقل حتى يتعقل، ولا تتبدّد طاقاته وراء الغيبيات التي لا سبيل للوصول إليها إلا بإخبار من وحي.

الخاتمة:

في الختام، أكد البحث على أن للمدخل المنهجي أهمية خاصة في علم الاجتماع، حيث ساهم في توجيه وتطوير الدراسات والبحوث، وتنويع أطر المعالجة وإثراء النتائج والمعارف العلمية.

وقد أوضحنا بأن المدخل المنهجي الإسلامي له القدرة على توجيه البحوث السوسيولوجية نحو المزيد من العطاء العلمي، عند الأخذ بعين الاعتبار نمط المعرفة السوسيولوجية، ومعرفة مكانتها وطبيعتها ضمن أنواع المعارف التي أقرها الإسلام كما سبق التوضيح.

وقد اتضح من خلال المثال الخلدوني كيف أرسى هذا العلامة عمله العمراني بناء على تصور صحيح لمصادر المعارف وطبيعتها. ولم يقع أسير الرؤية الدوجماتية الجامدة، فجاء عمله خاليا من الهنّات المنهجية والأخطاء العلمية التي تعرفها الأعمال التي لا تراعي الاختلاف بين المعارف.

ولذلك فإن المدخل المنجي الإسلامي قد يكون مثمرا إذا أحسن استعماله، لما يتمتع به من تصور شامل ومتكامل للوجود وللإنسان ولسنن الحياة، ولما يتوفر عليه من صرامة منهجية لا شبيه لها، ومرونة فريدة في التعامل مع كافة المصادر والوسائط المعرفية.



الهوامش:

1 - Maurice Angers: Initiation pratique a la méthodologie des sciences humaines, éditions, Casbah, Alger, 1997, p363.

2- علي شتا، المنهج العلمي والعلوم الاجتماعية، مكتبة الإشعاع الفنية، مصر،1997، ص17.

3 - Churchman, C. W, The Design of Inquiring Systems, New York, Basic Books, 1971 in: Omar Aktouf, méthodologies des sciences sociales et approche qualitative des organisations, Une introduction à la démarche classique et une critique, Montréal : Les Presses de l'Université du Québec, 1987, Une version numérique, réalisé par Mme Marcelle Bergeron, http:// classiques.uqac.ca.

4- سيد قطب، مقومات التصور الإسلامي، الطبعة الثالثة، دار الشروق، القاهرة، 1988، ص44.

5- محمد محمد أمزيان: منهج البحث الاجتماعية بين الوضعية والمعيارية، الطبعة الثانية، الدار العالمية للكتاب الإسلاميين، 1992، ص 25.

6- سيد قطب، مقومات التصور الإسلامي، المرجع السابق، ص41.

7- لمزيد من التوسع انظر: محمد الأمين بن المختار الشنقيطي: مذكرة أصول الفقه، الدار السلفية للنشر والتوزيع، الجزائر، بدون تاريخ، ص7-8.

8- عبد الرحمان بن خلدون، مقدمة ابن خلدون، كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر، مؤسسة الطباعة لدار التحرير للطبع والنشر، القاهرة، 1966، ص14.

9- Abdelghani Megherbi, La pensée sociologique d’Ibn Khaldoun, 2° Editions, SNED, Alger, 1977, p96.

10- ابن خلدون، المرجع السابق، ص37.

11- حسن الساعاتي: علم الاجتماع الخلدوني، قواعد المنهج، دار النهضة العربية، بيروت، 1972، ص58.

12- ابن خلدون، المرجع السابق، ص38.

13- نفس المرجع، ص38-39.
14- محمد المبارك، "نحو صياغة إسلامية لعلم الاجتماع"، مجلة المسلم المعاصر، العدد9، سنة1397، ص23-24.
[center]

سعيد الجزائري
عضو متميز
عضو متميز


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى