أنثروبولوجيون في العالم Anthropologists in the world‎‏
عزيزي الزائر الكريم
انت لم تسجل في المنتدى بعد، عليك الضغط على زر التسجيل ادناه لتتمكن من مشاهدة ‏جميع الصور والروابط في المنتدى، والمشاركة معنا.ان امتناعك عن التسجيل يعني ‏حرمانك من مزايا المنتدى الرائعة .‏

المدخل المنهجي الماركسي في علم الاجتماع- أ.د نور الدين زمام

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

المدخل المنهجي الماركسي في علم الاجتماع- أ.د نور الدين زمام

مُساهمة من طرف سعيد الجزائري في 17/8/2010, 02:41


المدخل المنهجي الماركسي في علم الاجتماع- أ.د نور الدين زمام
Résumé
Table des matières


* أولا- أسس الفلسفة الماركسية:
* ثانيا – أسس المنهج الماركسي:
* أ- المادية التاريخية والبناء الاجتماعي:
* ب- المادية التاريخية والتغير الاجتماعي:
توطئة

الماركسية مذهب فكري ومنهج "علمي"، وضعه كل من كارل ماركس 1818-1883) وريديك أنجلز (1820-1895) في القرن التاسع عشر. وقام اتباعها منذ القرون الماضية بتطوير وتنقيحه. ويطلق لفظ الماركسية على كل الأطروحات الأكاديمية والسياسية والحركات الثورية التي تنطلق من التصورات والأيديولوجيا التي تبلورت على يدي مؤسسي الماركسية، وتطورت من خلال التنقيحات والإضافات والمراجعات المتلاحقة على مر السنين. وتعتبر الماركسية في نهاية المطاف، فلسفة ذات أسس محددة، ومنهجا علميا فريدا، فضلا عن كونها دليل عمل حركي يتوفر على إستراتيجية خاصة.
أولا- أسس الفلسفة الماركسية:

تقوم الماركسية من الناحية الفلسفية على أساسين:

1- فهي فلسفة جدلية Dialectique في أسلوب تناولها للظواهر والوقائع. وبإرجاع هذه الكلمة إلى أصولها اليونانية تكتب كالتالي: Dialektikê وهي تتركب من Dia والتي تعني: علاقـة ومن Tekhnê أي: فن أو تقنية، ومن هنا فتشير الكلمة المركبة إلى الفن أو التقنية التي تسمح بتبادل الأخبار انطلاقا من مواقف متباينة، والإحاطة بالمسألة من طرف إلى طرف بغية تجاوز التناقضات.

أصبحت الكلمة في كنف الماركسية، بفضل أعمال انجلز على وجه الخصوص، تدل على علاقات التناقض، فحسب الماركسية فإن الطبيعة بأكملها (الكون، الإنسان، الحياة..) تحكمها علاقات التناقضات الجدلية، وهذه الجدلية ليست ساكنة على غرار جدلية هيجل ، فمفردات الطبيعة كلها في تطور متلاحق بفضل الصراع بين الأضداد، الذي يجري في المحتوى الداخلي للأشياء، فكل شيء يحمل في صميمه جرثومة نقيضه، ويخوض المعركة مع النقيض، ويتطور طبقا لظروف الصراع.

كل شيء يمر بثلاث مراحل: الإثبات Affirmation حيث يتواجد الموضوع أو القضية thèse ثم يأتي نقيض الموضوع Antithèseأي النفي Négation وبعل الصراع بينهما يظهر المركب Synthèse

فكل شيء وفق النظرة الماركسية في حركة دائبة، بدءا من أبسط الأشياء إلى أعقدها.. من السوائل التي تتحول بفعل النار والشمس إلى بخار فتخضع بذلك لقانون الأضداد، إلى الكائن الحي الذي تتجاذبه قوتا الحياة والموت، فهو يسعى إلى الحياة في مسيرة نموه المتدفقة، ويدلف إلى الموت في كل لحظات عمره المتناقص: فالجسد يشهد باستمرار ميلاد عدد هائل من الخلايا، في الوقت الذي يموت فيه عدد آخر.

وليست الحياة الاجتماعية بمعزل عن تأثير قانون الأضداد الذي يسري على الحياة الفسيولوجية والبيولوجية، ويتبدى ذلك من خلال الصراع الطبقي: المحرك الأساس لتطور المجتمعات، والذي بفضله تفنى المراحل التاريخية التي تتجاوزها عجلات التاريخ.

2-ومن جهة أخرى تعتبر الفلسفة الماركسية مادية Matérialiste في رؤيتها وتفسيرها لمختلف الظواهر. فهي تؤكد على ضرورة الانطلاق من الوجود المادي والاستناد على الواقع (وليس الفكر المجرد، أو العقل الخالص) عند دراسة وتحليل وتفسير الظواهر الكونية والاجتماعية. إذن فهي تفسر الوجود باعتباره شيئا ملموسا مفهوما، يفسر بحقائقه ومقاييسه، وما خلا ذلك من الآراء المثالية والعقائد الروحية ليس سوى ضربا من الخيال والضلال، فالأفكار والمفاهيم ما هي سوى ترجمة حرفية للواقع الملموس والوجود المحسوس، الذي أنشأها، وصورها وخلق مضمونها.

دون أن يعني ذلك أن ماركس لا تعترف بأهمية العقل، فهو يرفض المادية السطحية أو المبسطة التي تلغي الوعي (دور الفكر) تماما، ، فالوعي من صنع الواقع، وهو ليس صانع الواقع، كما اعتقد هيجل وغيره من أنصار المثاليات والمذاهب العقلية.. فالماركسيون يرون بأن مادية ماركس ليست مادية جامدة أو ساكنة، فهي مادية جدلية، تنطوي على بعد تحليل دينامي، وبمقتضى ذلك فإن المعرفة تنشأ من الممارسة، أي من صراع الإنسان الدائم مع الطبيعة، وما يصاحب ذلك من تطوير لمهارته وقدراته من خلال تطويره لأدوات العمل والكفاح لإخضاعها.

ومن هنا فالوجود الذي يخوض الإنسان في كنفه هذا الصراع المستميت من أجل تسخير الطبيعة وتطوير شروط حياته المادية، هو الذي يطوِّر ملكات الإنسان وفكره، ويحدّد وعيه، ويصنع تصوره.
ثانيا – أسس المنهج الماركسي:

لا يستسيغ الماركسيون عموما هذا الفصل التعسفي-في نظرهم- بين الفلسفة الماركسية والمنهج الماركسي. ولكن الضرورة التعليمية تقتضي ذلك، ينحصر الأساس المنهجي للماركسية فيما يخص تحليل المجتمعات وتفسير صيرورة في المادية التاريخية Matérialisme historique، وما ينبني عليها من مفاهيم أخرى وطرق يرتكز عليها المدخل المنهجي الماركسي.

1- المادية التاريخية:

إذا كانت المادية الجدلية هي تطبيق لقوانين الجدل على الطبيعة والكون والحياة، فإن المادية التاريخية هي تطبيق لقوانين الجدل على المجتمع، وهي تعتبر – حسب الماركسيين- الطريق العلمي الأوحد لإدراك الواقع بموضوعية، وتفسير التطور التاريخي للمجتمعات. وهي تتوفر على منهج خاص لاكتساب المعرفة عن الواقع كما أنها أسلوب متميز في البحث العلمي.

ويشير مفهوم المادية التاريخية إلى النظرة العامة للعملية التاريخية، وهي منهاج متكامل يتناول الحياة الاجتماعية في كليتها Dans sa totalité ، عكس العلوم الاجتماعية الأخرى التي يقتطع كل منها جزءا من الواقع للاستفراد بدراسته، فهـي: " تتناول المجتمع في مجموعه وتكشف عن قوانينه العامة، وعن عملية التفاعل والروابط المتبادلة الوجوه المختلفة للحياة الاجتماعية ( [1] ) "

ويشير الجانب المادي من المصطلح إلى البعد الاقتصادي الذي يشكل أساس المجتمع، أما الجانب التاريخي فيشير إلى مراحل تطور المجتمع، كما يشير إلى حقيقة أن المجتمعات غير ساكنة فهي في تطور مستمر بشكل تقدمي.

ولتوضيح هذه المعاني لا بد من تحليل المادية التاريخية للبناء الاجتماعي، ثم معرفة نظرتها لصيرورة التطور الاجتماعي والاقتصادي للمجتمعات:
أ- المادية التاريخية والبناء الاجتماعي:

ينقسم المجتمع –حسب المادية التاريخية- إلى بناءين أساسيين وهما: البناء التحتي للمجتمع Infrastructure والبناء الفوقي Superstructure ويعتبر البناء التحتي ( أي الاقتصاد) هو الأساس الذي ينبثق عنه البناء الفوقي، الذي يتشكل من النظم والظواهر الفوقية للمجتمع، مثل السياسة والدين والثقافة والقواعد القانونية..

ويطلق على البناء التحتي للمجتمع أسلوب الإنتاج Mode de production وهو يتكون من علاقات الإنتاج وقوى الإنتاج. ويتكون مفهوم قوى الإنتاج من سائل الإنتاج (وسائل الإنتاج = وسائل العمل + مواد العمل( [2] )) مضاف إليها قوة العمل( [3] ).

وكما يتضح فمن خلال قوى الإنتاج (قوى الإنتاج= وسائل الإنتاج + قوة العمل) تنعقد علاقة الإنسان بالطبيعة، فهي بالتالي تمثل عملية تفاعل متبادل بين قوة العمل ووسائل العمل، وبفضل ذلك ينتج الإنسان الخيرات المادية ، وتتكون لديه مهارات ومعارف وعادات عمل ، تتطور بتطور التقنية والمعارف العملية. ولذلك كله فإن قوى الإنتاج تحدد درجة تحكم الإنسان في الطبيعة. ودرجة التطور الاقتصادي والاجتماعي للمجتمع.

هذا، ويشير مفهوم علاقات الإنتاج -في معناه البسيط- إلى العلاقات والصلات التي تنعقد بين الناس أثناء عملية الإنتاج. فنحن نلاحظ بأنه أثناء عملية الإنتاج ( والتي تنشأ في خضم عملية الإنتاج فإن الناس لا يؤثرون فقط في الطبيعـة، بل هم يدخلون أيضا في علاقات معينة فيما بينهم، أي أنهم لا يستطيعون مباشرة الإنتاج دون أن يتواجدوا على نحو معين بغرض النشاط المشترك، ومن أجل تبادل نشاطهم.

ومهما تنوعت علاقات الإنتاج في مختلف المجتمعات( [4] )، فهي تنقسم، حسب الماركسية، في جوانبها الأساسيـة إلى نمطيـن اثنين: فهي إما علاقات سيادة – وتبعية أو علاقات تعاون ومساعدة متبادلة.

وترجع علاقات السيادة- التبعية إلى الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج، والتي ينجم عنها استغلال الإنسان لأخيه الإنسان. ومن هنا فإن علاقات الإنتاج، والتي هي في جوهرها علاقات الملكية، تحدد الوضع الطبقي للأفراد وأسلوب، وهي انعكاس لنمط الإنتاج الذي يتميز به المجتمع (نمط إنتاج مشاعي أم عبودي أم إقطاعي أم رأسمالي أم اشتراكي)

وهي تعتبر أيضا الأساس الواقعي الذي يتشكل منه البناء الفوقي للمجتمع، أي كل العلاقات السياسيـة والحقوقية والظواهر الفكرية والثقافية والدينية.

إذن فالبناء الفوقي ( السياسي، الديني، والثقافي ..) ما هو إلا انعكاس وترجمة للبناء التحتي الاقتصادي، أي لأسلوب الإنتاج (قوى الإنتاج +علاقات الإنتاج).

وتبعا لذلك ففي المجتمع الرأسمالي، مثلا، لا يسيطر الذين يمتلكون وسائل الإنتاج على العملية الإنتاجية فحسب، بل أنهم يساهمون في تكييف بقية الأنظمة الاجتماعية (السياسية ، التربوية والقانونية) لتكون في خدمة مصالحهم..

هذا في حين يبقى المجردون من ملكية وسائل الإنتاج ( سوى من قوة عملهم ) مجردون من أي قوة سياسية أو غيرها.

إذن أسلوب الإنتاج هو الذي يحدد البناء الطبقي للمجتمع، وشكل السلطة، وطبيعة النظام السياسي والقانوني وتبعا لذلك، فامتلاك أو عدم امتلاك وسائل الإنتاج هو الذي يحدد الوضع الطبقي في المجتمع، ففي ظل الإقطاع مثلا كان النبلاء، الملاكون العقاريون والإقطاعيون يشغلون مواقع السيادة في الدولة.

وكانت الدول الإقطاعية على العموم مَلكيات، وكان المجتمع منقسم إلى طبقات، وحقوق كل طبقـة كانت محددة بدقة، وأن الانتقال من طبقة دنيا إلى المراتب العليا كان ضربا من المستحيل ( [5] ).

ويشير مفهوم الطبقة الاجتماعية، من المنظور الماركسي، إلى الأوضاع التي يشغلها الفئات الاجتماعية المختلفة ضمن العملية الإنتاجية. ويعرفها " أوسيبوف" على أنها : "مجموعة من الناس يميزهم وضعهم في نظام الإنتاج الاجتماعي المحدد تاريخيا، وعلاقاتهم بوسائل الإنتاج، ودورهم في التنظيم الاجتماعي للعمل، وبالتالي الطرق التي يحصلون بواسطتــها على نصيبهـم من الثروة الاجتماعية، ومقدار الثروة التي يملكونها [6] "

وتجدر الإشارة إلى أن هذا التحديد قد واجه انتقادات لاذعة كشفت عن محدودية التحليل الطبقي بمفهومه الماركسي الكلاسيكي.

حيث لاحظ الماركسيون الجدد ذاتهم أن المجتمعات المعاصرة، بما فيها مجتمعات العالم الثالث تعرف أوضاعا طبقية خاصة، كشفت عن انفصال واضح بين ملكية وسائل الإنتاج والأوضاع الطبقية لبعض الأفراد.

فهناك نخب وشرائح اجتماعية لا تمتلك وسائل الإنتاج، ولا تباشر أحيانا بنفسها عملية الإنتاج إلا أنها ذات نفوذ سياسي قوي و تستحوذ على نصيب هائل من الدخل الوطني مثل بعض النخب البيروقراطية، والعسكرية، وبعض الساسة.. فالأوضاع المهنية لهذه الفئات هي التي مكنتها من الاستحواذ على القوة ( الاقتصادية والسياسية..) ومكنتها من بسط نفوذها وتحكمها في اقتصاد بلدانها.
ب- المادية التاريخية والتغير الاجتماعي:

تعتبر المادية التاريخية العامل الاقتصادي المفسر الأساس لتطور المجتمعات، وترى أن التغير الحادث في أسلوب الإنتاج هو الذي يجر وراءه كل التغيرات التي تشمل التشكيلة الاجتماعية للمجتمع ككل Formation sociale ويعتبر الصراع الطبقي هو المحرك الرئيس لهذه العجلة التاريخية، فبفضله ينتقل المجتمع من أسلوب إنتاج ما( أي مرحلة اجتماعية ما) إلى أسلوب إنتاج آخر.

وتعتبر قوى الإنتاج هي الأساس الذي يولد الحركة التاريخية للمجتمع، فبفضل ميلها للتطور المستمر، بسبب عزم الإنسان الدائم على تحسين مهاراته وأدوات عمله.

ويتطلب هذا التطور في قوى الإنتاج تطوير علاقات الإنتاج حتى تتطابق معها، فلا يعقل وجود علاقات اجتماعية عشائرية أو قائمة على العبودية في ظل نظام إنتاجي رأسمالـي متقدم تقنيا.

غير أن بطؤ تطور علاقات الإنتاج يصعِّد من حدة التناقض بينهما، كثيرا ما يُحسم ذلك بحركة اجتماعية تُطيح بالعلاقات السابقة، لصالح تنظيم اقتصادي واجتماعي أكثر تقدما وملاءمة بين قوى الإنتاج وعلاقاته.

إذن فمن خلال الصراع الاجتماعي (الطبقي) تفرض القوى الثائرة إرادتها التي هي إرادة التطور والتقدم. وتجدر الإشارة إلى الماركسية ترد كل أشكال الصراع ( الديني ، العرقي ، السياسي..) إلى العالم الاقتصادي، وتعتبر كل هذه الأشكال من الصراع تعبيرا عن الصراع الطبقي الذي يعتمل داخل المجتمع.

غير أن الباحثين يرون بأن الصراع الاجتماعي لا تعود أسبابه بالضرورة إلى العامل الاقتصادي، كما أن الصراع الطبقي ذاته، قد أخذ أشكالا مغايرة لما اعتقده ماركس وأنجلز.

فالمجتمعات تعرف منذ حقب عديدة صراعا وتناقضات بين قوى كثيرة تصطف وراء قادة الحركات السياسية والدينية والعمال والفئات المحرومة والطلبة وكل من أهدر حقه، في مواجهة النخب المسيطرة سياسيا واقتصاديا، والتي كثيرا ما استوعب إلى صفها طبقات ونخب أخرى، تجمعها معها مصالح آنية، سرعان ما تنتهي، لتنقلب الأوضاع رأسا على عقب، ولتأخذ الولاءات صورا جديدة، وهكذا..

ومن جهة أخرى، فليس من الضروري أن يحدث الانتقال من نموذج معين للتنظيم الاجتماعي إلى نموذج آخر، من خلال انتصار الطبقة المستغَلة "حيث يوضح التاريخ الأوروبي مثل، أن الطبقة البورجوازية الصغيرة القوية هي التي قضت على النظام الإقطاعي، ولم يفعل ذلك رقيق الأرض أو أقنانها. ( [7] )"

في الختام تعتبر المادية التاريخية حسب الماركسية:

1- إطارا منهجيا ومرجعيا يستند إلى رؤية جدلية كلية، تتخذ التشكيلة الاجتماعية برمّتها كأساس للتحليل. ويعتبر مفهوم التشكيلة الاجتماعية ( أو التكوين الاقتصادي- الاجتماعي) أعم من مفهوم أسلوب الإنتاج.

لأنه يشير حسب تعبير حمزة علوي، إلى وحدة اجتماعية نوعية وواقعية، بكل خصوصيتها، ونتائج تطوراتها، وبنائها، واحتمالات تطوُّرها في المستقبل، كما أنه يشير أيضا إلى وحدة جغرافية ذات موارد معينة، وصور محددة للتنظيم الاجتماعي والسياسي والسمات الثقافية ( [8] )

2- فهي بذلك تبتعد (وترفض) التحليل المجزأ الذي يفصل بين مختلف الظواهر الاجتماعية، ويعزلها عن سياقها البنائي العام والتاريخي التي تشكلت من خلاله. فالمدخل المنهجي الماركسي يصر على ضرورة تناول أي ظاهرة ضمن التشكيلة الاجتماعية للمجتمع، لأنها ظهرت في سياق بنائي محدد، كما أنه يرى بأنها تتشكل ضمن صيرورة تاريخية محدد.

3- هذا، وقد حدثت مراجعات ماركسية عديدة لمسألة سيطرة العامل الاقتصادي على تشكيل وتطور المجتمع. فهذا التحليل الأحادي، الذي يجعل العلاقة بين النظام الاقتصادي وبقية النظم الاجتماعية (السياسية، التربوية والقانونية ..) تتم بشكل ميكانيكي رفضه الماركسيون أنفسهم.

وهذا ما أشار إليه أنطونيو جرامشي Ontonio Gramshi في كتابه (قضايا المادية التاريخية) حيث انتقد النزعة الاقتصادية المفرطة، وأوضح أن : " الزعم أن أدنى ذبذبة في الصعيد السياسي والأيديولوجي تعبِّر مباشرة عن حدث مماثل في البنية الاقتصادية، الذي يعرضه البعض كفرضية أساسية من فرضيات المادية التاريخية، زعم يجب محاربته نظريا، بوصفه ينم عن نزعة صبيانية بدائية، كما تجب محاربته عمليا، بالاستناد إلى ماركس الذي ألف كتابات سياسية وتاريخية عينية، ومؤلفاته الهامة في هذا المضمار " الثاني عشر من بوميير" والمسألة الشرقية، وغيرهما، الثورة والثورة المضادة في ألمانيا، الحرب الأهلية في فرنسا.. أن تحليلا لهذه المؤلفات يسمح بفهم أوضح للمنهج الماركسي يأتي ليكمل ويضيء ويفسر المحاولات النظرية الموزعة في كتاباته.. [9] "

فالمادية التاريخية تنظر إلى مشكلـة التخلف (أو عثرات التحديث) بوصفها وحدة متكاملة تتضافر فيها العناصر والممارسات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافيـة والأيديولوجيـة، أو كما يقول "جورج لوكاتش" (George Lukas) : " فإنه ليست سيطرة الدوافع الاقتصادية في تفسير التاريخ، هي التي تميز، بشكل حاسم، الماركسية عن العِلم البرجوازي، بل الرؤية الكليـة.( [10] )

وفي الختام نحن إذْ نشير إلى أهمية المادية التاريخية كإطار منهجي فعّال، فإننا لا نُساير الدراسات الماركسية التي تجعلها بديلا لبقية العلوم الاجتماعية الأخرى، بحجّة أن " موضوع المادية التاريخيـة هو المجتمع في كليّتـه، والاعتماد المتبـادل بين جوانبـه المتباينة في تطـوره التاريخي ( [11] )."



[1] -أحمد القصير، منهجية علم الاجتماع بين الوظيفية والماركسية والبنيوية، القاهرة، الهيئة المصرية للكتاب،1985، ص64.

[2] - تتألف وسائل الإنتاج من موضوع (أو مواد) العمل ( وهي كل ما يتجه إليه العمل الإنساني ، من مواد يأخذها مباشرة من الطبيعة كالمواد الخام أو ما يتعرض لتأثير العمل الإنساني) ومن وسائل العمل ( أي الأشياء التي بواسطتها يؤثر الإنسان على مواد العلم ، ويهيئها لتلبية احتياجاته، مثل الآلات والوسائل التكنولوجية المختلفة .)

[3] - يجب أن نميز بين مفهوم العمل ، الذي يعني النشاط الإنساني الهادف إلى إنتاج الخيرات المادية، وبين قوة العمل التي تعني قابلية الإنسان على العمل، أي مجموع القوى الجسدية والفكرية التي يمتلكها الإنسان ، والتي يستطيع بذلها عند قيامه بالإنتاج.

[4] - تعتبر علاقات الإنتاج الأساس الواقعي الذي تتشكل منه العلاقات الاجتماعية ضمن البناء الفوقي للمجتمع

[5] - لمزيد من التوسع أنظر: أسس المعارف السياسية، دار التقدم، موسكو، 1975، ص24-25.

[6] - ج. أوسيبوف، قضايا علم الاجتماع، دراسة سوفييتية نقدية لعلم الاجتماع الرأسمالي، ترجمة سمير تعيم أحمد، وأحمد فرج، دجار المعارف، القاهرة، 1970، ص205.

[7] - نيقولا تيماشيف، نظرية علم الاجتماع، طبيعتها وتطوراتها، ترجمة محمود عودة وآخرون، دار المعارف، القاهرة، الطبعة الثامنة، 1983، ص 87.

( [8] ) محمد علي محمد، أصول الاجتماع السياسي (السياسة والمجتمع في العالم الثالث)، الجزء الثالث، دار المعرفة الجامعية، الإسكندرية،1981،ص56-57 .

[9] - محمود عودة، أسس علم الاجتماع، الطبعة الثانية، مطبوعات جامعة عين شمس، القاهرة، 1996.(أنظر الفصل التاسع: أزمة الخطاب الماركسي)

[10] -G. Lukas, Histoire et conscience de classe, PUF, Paris, p47, In : Abdelghani Megherbi, op. Cit, p105.

[11] - ج أوسيبوف،مرجع سبق ذكره، ص 10.

سعيد الجزائري
عضو متميز
عضو متميز


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: المدخل المنهجي الماركسي في علم الاجتماع- أ.د نور الدين زمام

مُساهمة من طرف yazboy في 7/11/2012, 22:51

سعيد الجزائري كتب:
المدخل المنهجي الماركسي في علم الاجتماع- أ.د نور الدين زمام
Résumé
Table des matières


* أولا- أسس الفلسفة الماركسية:
* ثانيا – أسس المنهج الماركسي:
* أ- المادية التاريخية والبناء الاجتماعي:
* ب- المادية التاريخية والتغير الاجتماعي:
توطئة

الماركسية مذهب فكري ومنهج "علمي"، وضعه كل من كارل ماركس 1818-1883) وريديك أنجلز (1820-1895) في القرن التاسع عشر. وقام اتباعها منذ القرون الماضية بتطوير وتنقيحه. ويطلق لفظ الماركسية على كل الأطروحات الأكاديمية والسياسية والحركات الثورية التي تنطلق من التصورات والأيديولوجيا التي تبلورت على يدي مؤسسي الماركسية، وتطورت من خلال التنقيحات والإضافات والمراجعات المتلاحقة على مر السنين. وتعتبر الماركسية في نهاية المطاف، فلسفة ذات أسس محددة، ومنهجا علميا فريدا، فضلا عن كونها دليل عمل حركي يتوفر على إستراتيجية خاصة.
أولا- أسس الفلسفة الماركسية:

تقوم الماركسية من الناحية الفلسفية على أساسين:

1- فهي فلسفة جدلية Dialectique في أسلوب تناولها للظواهر والوقائع. وبإرجاع هذه الكلمة إلى أصولها اليونانية تكتب كالتالي: Dialektikê وهي تتركب من Dia والتي تعني: علاقـة ومن Tekhnê أي: فن أو تقنية، ومن هنا فتشير الكلمة المركبة إلى الفن أو التقنية التي تسمح بتبادل الأخبار انطلاقا من مواقف متباينة، والإحاطة بالمسألة من طرف إلى طرف بغية تجاوز التناقضات.

أصبحت الكلمة في كنف الماركسية، بفضل أعمال انجلز على وجه الخصوص، تدل على علاقات التناقض، فحسب الماركسية فإن الطبيعة بأكملها (الكون، الإنسان، الحياة..) تحكمها علاقات التناقضات الجدلية، وهذه الجدلية ليست ساكنة على غرار جدلية هيجل ، فمفردات الطبيعة كلها في تطور متلاحق بفضل الصراع بين الأضداد، الذي يجري في المحتوى الداخلي للأشياء، فكل شيء يحمل في صميمه جرثومة نقيضه، ويخوض المعركة مع النقيض، ويتطور طبقا لظروف الصراع.

كل شيء يمر بثلاث مراحل: الإثبات Affirmation حيث يتواجد الموضوع أو القضية thèse ثم يأتي نقيض الموضوع Antithèseأي النفي Négation وبعل الصراع بينهما يظهر المركب Synthèse

فكل شيء وفق النظرة الماركسية في حركة دائبة، بدءا من أبسط الأشياء إلى أعقدها.. من السوائل التي تتحول بفعل النار والشمس إلى بخار فتخضع بذلك لقانون الأضداد، إلى الكائن الحي الذي تتجاذبه قوتا الحياة والموت، فهو يسعى إلى الحياة في مسيرة نموه المتدفقة، ويدلف إلى الموت في كل لحظات عمره المتناقص: فالجسد يشهد باستمرار ميلاد عدد هائل من الخلايا، في الوقت الذي يموت فيه عدد آخر.

وليست الحياة الاجتماعية بمعزل عن تأثير قانون الأضداد الذي يسري على الحياة الفسيولوجية والبيولوجية، ويتبدى ذلك من خلال الصراع الطبقي: المحرك الأساس لتطور المجتمعات، والذي بفضله تفنى المراحل التاريخية التي تتجاوزها عجلات التاريخ.

2-ومن جهة أخرى تعتبر الفلسفة الماركسية مادية Matérialiste في رؤيتها وتفسيرها لمختلف الظواهر. فهي تؤكد على ضرورة الانطلاق من الوجود المادي والاستناد على الواقع (وليس الفكر المجرد، أو العقل الخالص) عند دراسة وتحليل وتفسير الظواهر الكونية والاجتماعية. إذن فهي تفسر الوجود باعتباره شيئا ملموسا مفهوما، يفسر بحقائقه ومقاييسه، وما خلا ذلك من الآراء المثالية والعقائد الروحية ليس سوى ضربا من الخيال والضلال، فالأفكار والمفاهيم ما هي سوى ترجمة حرفية للواقع الملموس والوجود المحسوس، الذي أنشأها، وصورها وخلق مضمونها.

دون أن يعني ذلك أن ماركس لا تعترف بأهمية العقل، فهو يرفض المادية السطحية أو المبسطة التي تلغي الوعي (دور الفكر) تماما، ، فالوعي من صنع الواقع، وهو ليس صانع الواقع، كما اعتقد هيجل وغيره من أنصار المثاليات والمذاهب العقلية.. فالماركسيون يرون بأن مادية ماركس ليست مادية جامدة أو ساكنة، فهي مادية جدلية، تنطوي على بعد تحليل دينامي، وبمقتضى ذلك فإن المعرفة تنشأ من الممارسة، أي من صراع الإنسان الدائم مع الطبيعة، وما يصاحب ذلك من تطوير لمهارته وقدراته من خلال تطويره لأدوات العمل والكفاح لإخضاعها.

ومن هنا فالوجود الذي يخوض الإنسان في كنفه هذا الصراع المستميت من أجل تسخير الطبيعة وتطوير شروط حياته المادية، هو الذي يطوِّر ملكات الإنسان وفكره، ويحدّد وعيه، ويصنع تصوره.
ثانيا – أسس المنهج الماركسي:

لا يستسيغ الماركسيون عموما هذا الفصل التعسفي-في نظرهم- بين الفلسفة الماركسية والمنهج الماركسي. ولكن الضرورة التعليمية تقتضي ذلك، ينحصر الأساس المنهجي للماركسية فيما يخص تحليل المجتمعات وتفسير صيرورة في المادية التاريخية Matérialisme historique، وما ينبني عليها من مفاهيم أخرى وطرق يرتكز عليها المدخل المنهجي الماركسي.

1- المادية التاريخية:

إذا كانت المادية الجدلية هي تطبيق لقوانين الجدل على الطبيعة والكون والحياة، فإن المادية التاريخية هي تطبيق لقوانين الجدل على المجتمع، وهي تعتبر – حسب الماركسيين- الطريق العلمي الأوحد لإدراك الواقع بموضوعية، وتفسير التطور التاريخي للمجتمعات. وهي تتوفر على منهج خاص لاكتساب المعرفة عن الواقع كما أنها أسلوب متميز في البحث العلمي.

ويشير مفهوم المادية التاريخية إلى النظرة العامة للعملية التاريخية، وهي منهاج متكامل يتناول الحياة الاجتماعية في كليتها Dans sa totalité ، عكس العلوم الاجتماعية الأخرى التي يقتطع كل منها جزءا من الواقع للاستفراد بدراسته، فهـي: " تتناول المجتمع في مجموعه وتكشف عن قوانينه العامة، وعن عملية التفاعل والروابط المتبادلة الوجوه المختلفة للحياة الاجتماعية ( [1] ) "

ويشير الجانب المادي من المصطلح إلى البعد الاقتصادي الذي يشكل أساس المجتمع، أما الجانب التاريخي فيشير إلى مراحل تطور المجتمع، كما يشير إلى حقيقة أن المجتمعات غير ساكنة فهي في تطور مستمر بشكل تقدمي.

ولتوضيح هذه المعاني لا بد من تحليل المادية التاريخية للبناء الاجتماعي، ثم معرفة نظرتها لصيرورة التطور الاجتماعي والاقتصادي للمجتمعات:
أ- المادية التاريخية والبناء الاجتماعي:

ينقسم المجتمع –حسب المادية التاريخية- إلى بناءين أساسيين وهما: البناء التحتي للمجتمع Infrastructure والبناء الفوقي Superstructure ويعتبر البناء التحتي ( أي الاقتصاد) هو الأساس الذي ينبثق عنه البناء الفوقي، الذي يتشكل من النظم والظواهر الفوقية للمجتمع، مثل السياسة والدين والثقافة والقواعد القانونية..

ويطلق على البناء التحتي للمجتمع أسلوب الإنتاج Mode de production وهو يتكون من علاقات الإنتاج وقوى الإنتاج. ويتكون مفهوم قوى الإنتاج من سائل الإنتاج (وسائل الإنتاج = وسائل العمل + مواد العمل( [2] )) مضاف إليها قوة العمل( [3] ).

وكما يتضح فمن خلال قوى الإنتاج (قوى الإنتاج= وسائل الإنتاج + قوة العمل) تنعقد علاقة الإنسان بالطبيعة، فهي بالتالي تمثل عملية تفاعل متبادل بين قوة العمل ووسائل العمل، وبفضل ذلك ينتج الإنسان الخيرات المادية ، وتتكون لديه مهارات ومعارف وعادات عمل ، تتطور بتطور التقنية والمعارف العملية. ولذلك كله فإن قوى الإنتاج تحدد درجة تحكم الإنسان في الطبيعة. ودرجة التطور الاقتصادي والاجتماعي للمجتمع.

هذا، ويشير مفهوم علاقات الإنتاج -في معناه البسيط- إلى العلاقات والصلات التي تنعقد بين الناس أثناء عملية الإنتاج. فنحن نلاحظ بأنه أثناء عملية الإنتاج ( والتي تنشأ في خضم عملية الإنتاج فإن الناس لا يؤثرون فقط في الطبيعـة، بل هم يدخلون أيضا في علاقات معينة فيما بينهم، أي أنهم لا يستطيعون مباشرة الإنتاج دون أن يتواجدوا على نحو معين بغرض النشاط المشترك، ومن أجل تبادل نشاطهم.

ومهما تنوعت علاقات الإنتاج في مختلف المجتمعات( [4] )، فهي تنقسم، حسب الماركسية، في جوانبها الأساسيـة إلى نمطيـن اثنين: فهي إما علاقات سيادة – وتبعية أو علاقات تعاون ومساعدة متبادلة.

وترجع علاقات السيادة- التبعية إلى الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج، والتي ينجم عنها استغلال الإنسان لأخيه الإنسان. ومن هنا فإن علاقات الإنتاج، والتي هي في جوهرها علاقات الملكية، تحدد الوضع الطبقي للأفراد وأسلوب، وهي انعكاس لنمط الإنتاج الذي يتميز به المجتمع (نمط إنتاج مشاعي أم عبودي أم إقطاعي أم رأسمالي أم اشتراكي)

وهي تعتبر أيضا الأساس الواقعي الذي يتشكل منه البناء الفوقي للمجتمع، أي كل العلاقات السياسيـة والحقوقية والظواهر الفكرية والثقافية والدينية.

إذن فالبناء الفوقي ( السياسي، الديني، والثقافي ..) ما هو إلا انعكاس وترجمة للبناء التحتي الاقتصادي، أي لأسلوب الإنتاج (قوى الإنتاج +علاقات الإنتاج).

وتبعا لذلك ففي المجتمع الرأسمالي، مثلا، لا يسيطر الذين يمتلكون وسائل الإنتاج على العملية الإنتاجية فحسب، بل أنهم يساهمون في تكييف بقية الأنظمة الاجتماعية (السياسية ، التربوية والقانونية) لتكون في خدمة مصالحهم..

هذا في حين يبقى المجردون من ملكية وسائل الإنتاج ( سوى من قوة عملهم ) مجردون من أي قوة سياسية أو غيرها.

إذن أسلوب الإنتاج هو الذي يحدد البناء الطبقي للمجتمع، وشكل السلطة، وطبيعة النظام السياسي والقانوني وتبعا لذلك، فامتلاك أو عدم امتلاك وسائل الإنتاج هو الذي يحدد الوضع الطبقي في المجتمع، ففي ظل الإقطاع مثلا كان النبلاء، الملاكون العقاريون والإقطاعيون يشغلون مواقع السيادة في الدولة.

وكانت الدول الإقطاعية على العموم مَلكيات، وكان المجتمع منقسم إلى طبقات، وحقوق كل طبقـة كانت محددة بدقة، وأن الانتقال من طبقة دنيا إلى المراتب العليا كان ضربا من المستحيل ( [5] ).

ويشير مفهوم الطبقة الاجتماعية، من المنظور الماركسي، إلى الأوضاع التي يشغلها الفئات الاجتماعية المختلفة ضمن العملية الإنتاجية. ويعرفها " أوسيبوف" على أنها : "مجموعة من الناس يميزهم وضعهم في نظام الإنتاج الاجتماعي المحدد تاريخيا، وعلاقاتهم بوسائل الإنتاج، ودورهم في التنظيم الاجتماعي للعمل، وبالتالي الطرق التي يحصلون بواسطتــها على نصيبهـم من الثروة الاجتماعية، ومقدار الثروة التي يملكونها [6] "

وتجدر الإشارة إلى أن هذا التحديد قد واجه انتقادات لاذعة كشفت عن محدودية التحليل الطبقي بمفهومه الماركسي الكلاسيكي.

حيث لاحظ الماركسيون الجدد ذاتهم أن المجتمعات المعاصرة، بما فيها مجتمعات العالم الثالث تعرف أوضاعا طبقية خاصة، كشفت عن انفصال واضح بين ملكية وسائل الإنتاج والأوضاع الطبقية لبعض الأفراد.

فهناك نخب وشرائح اجتماعية لا تمتلك وسائل الإنتاج، ولا تباشر أحيانا بنفسها عملية الإنتاج إلا أنها ذات نفوذ سياسي قوي و تستحوذ على نصيب هائل من الدخل الوطني مثل بعض النخب البيروقراطية، والعسكرية، وبعض الساسة.. فالأوضاع المهنية لهذه الفئات هي التي مكنتها من الاستحواذ على القوة ( الاقتصادية والسياسية..) ومكنتها من بسط نفوذها وتحكمها في اقتصاد بلدانها.
ب- المادية التاريخية والتغير الاجتماعي:

تعتبر المادية التاريخية العامل الاقتصادي المفسر الأساس لتطور المجتمعات، وترى أن التغير الحادث في أسلوب الإنتاج هو الذي يجر وراءه كل التغيرات التي تشمل التشكيلة الاجتماعية للمجتمع ككل Formation sociale ويعتبر الصراع الطبقي هو المحرك الرئيس لهذه العجلة التاريخية، فبفضله ينتقل المجتمع من أسلوب إنتاج ما( أي مرحلة اجتماعية ما) إلى أسلوب إنتاج آخر.

وتعتبر قوى الإنتاج هي الأساس الذي يولد الحركة التاريخية للمجتمع، فبفضل ميلها للتطور المستمر، بسبب عزم الإنسان الدائم على تحسين مهاراته وأدوات عمله.

ويتطلب هذا التطور في قوى الإنتاج تطوير علاقات الإنتاج حتى تتطابق معها، فلا يعقل وجود علاقات اجتماعية عشائرية أو قائمة على العبودية في ظل نظام إنتاجي رأسمالـي متقدم تقنيا.

غير أن بطؤ تطور علاقات الإنتاج يصعِّد من حدة التناقض بينهما، كثيرا ما يُحسم ذلك بحركة اجتماعية تُطيح بالعلاقات السابقة، لصالح تنظيم اقتصادي واجتماعي أكثر تقدما وملاءمة بين قوى الإنتاج وعلاقاته.

إذن فمن خلال الصراع الاجتماعي (الطبقي) تفرض القوى الثائرة إرادتها التي هي إرادة التطور والتقدم. وتجدر الإشارة إلى الماركسية ترد كل أشكال الصراع ( الديني ، العرقي ، السياسي..) إلى العالم الاقتصادي، وتعتبر كل هذه الأشكال من الصراع تعبيرا عن الصراع الطبقي الذي يعتمل داخل المجتمع.

غير أن الباحثين يرون بأن الصراع الاجتماعي لا تعود أسبابه بالضرورة إلى العامل الاقتصادي، كما أن الصراع الطبقي ذاته، قد أخذ أشكالا مغايرة لما اعتقده ماركس وأنجلز.

فالمجتمعات تعرف منذ حقب عديدة صراعا وتناقضات بين قوى كثيرة تصطف وراء قادة الحركات السياسية والدينية والعمال والفئات المحرومة والطلبة وكل من أهدر حقه، في مواجهة النخب المسيطرة سياسيا واقتصاديا، والتي كثيرا ما استوعب إلى صفها طبقات ونخب أخرى، تجمعها معها مصالح آنية، سرعان ما تنتهي، لتنقلب الأوضاع رأسا على عقب، ولتأخذ الولاءات صورا جديدة، وهكذا..

ومن جهة أخرى، فليس من الضروري أن يحدث الانتقال من نموذج معين للتنظيم الاجتماعي إلى نموذج آخر، من خلال انتصار الطبقة المستغَلة "حيث يوضح التاريخ الأوروبي مثل، أن الطبقة البورجوازية الصغيرة القوية هي التي قضت على النظام الإقطاعي، ولم يفعل ذلك رقيق الأرض أو أقنانها. ( [7] )"

في الختام تعتبر المادية التاريخية حسب الماركسية:

1- إطارا منهجيا ومرجعيا يستند إلى رؤية جدلية كلية، تتخذ التشكيلة الاجتماعية برمّتها كأساس للتحليل. ويعتبر مفهوم التشكيلة الاجتماعية ( أو التكوين الاقتصادي- الاجتماعي) أعم من مفهوم أسلوب الإنتاج.

لأنه يشير حسب تعبير حمزة علوي، إلى وحدة اجتماعية نوعية وواقعية، بكل خصوصيتها، ونتائج تطوراتها، وبنائها، واحتمالات تطوُّرها في المستقبل، كما أنه يشير أيضا إلى وحدة جغرافية ذات موارد معينة، وصور محددة للتنظيم الاجتماعي والسياسي والسمات الثقافية ( [8] )

2- فهي بذلك تبتعد (وترفض) التحليل المجزأ الذي يفصل بين مختلف الظواهر الاجتماعية، ويعزلها عن سياقها البنائي العام والتاريخي التي تشكلت من خلاله. فالمدخل المنهجي الماركسي يصر على ضرورة تناول أي ظاهرة ضمن التشكيلة الاجتماعية للمجتمع، لأنها ظهرت في سياق بنائي محدد، كما أنه يرى بأنها تتشكل ضمن صيرورة تاريخية محدد.

3- هذا، وقد حدثت مراجعات ماركسية عديدة لمسألة سيطرة العامل الاقتصادي على تشكيل وتطور المجتمع. فهذا التحليل الأحادي، الذي يجعل العلاقة بين النظام الاقتصادي وبقية النظم الاجتماعية (السياسية، التربوية والقانونية ..) تتم بشكل ميكانيكي رفضه الماركسيون أنفسهم.

وهذا ما أشار إليه أنطونيو جرامشي Ontonio Gramshi في كتابه (قضايا المادية التاريخية) حيث انتقد النزعة الاقتصادية المفرطة، وأوضح أن : " الزعم أن أدنى ذبذبة في الصعيد السياسي والأيديولوجي تعبِّر مباشرة عن حدث مماثل في البنية الاقتصادية، الذي يعرضه البعض كفرضية أساسية من فرضيات المادية التاريخية، زعم يجب محاربته نظريا، بوصفه ينم عن نزعة صبيانية بدائية، كما تجب محاربته عمليا، بالاستناد إلى ماركس الذي ألف كتابات سياسية وتاريخية عينية، ومؤلفاته الهامة في هذا المضمار " الثاني عشر من بوميير" والمسألة الشرقية، وغيرهما، الثورة والثورة المضادة في ألمانيا، الحرب الأهلية في فرنسا.. أن تحليلا لهذه المؤلفات يسمح بفهم أوضح للمنهج الماركسي يأتي ليكمل ويضيء ويفسر المحاولات النظرية الموزعة في كتاباته.. [9] "

فالمادية التاريخية تنظر إلى مشكلـة التخلف (أو عثرات التحديث) بوصفها وحدة متكاملة تتضافر فيها العناصر والممارسات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافيـة والأيديولوجيـة، أو كما يقول "جورج لوكاتش" (George Lukas) : " فإنه ليست سيطرة الدوافع الاقتصادية في تفسير التاريخ، هي التي تميز، بشكل حاسم، الماركسية عن العِلم البرجوازي، بل الرؤية الكليـة.( [10] )

وفي الختام نحن إذْ نشير إلى أهمية المادية التاريخية كإطار منهجي فعّال، فإننا لا نُساير الدراسات الماركسية التي تجعلها بديلا لبقية العلوم الاجتماعية الأخرى، بحجّة أن " موضوع المادية التاريخيـة هو المجتمع في كليّتـه، والاعتماد المتبـادل بين جوانبـه المتباينة في تطـوره التاريخي ( [11] )."



[1] -أحمد القصير، منهجية علم الاجتماع بين الوظيفية والماركسية والبنيوية، القاهرة، الهيئة المصرية للكتاب،1985، ص64.

[2] - تتألف وسائل الإنتاج من موضوع (أو مواد) العمل ( وهي كل ما يتجه إليه العمل الإنساني ، من مواد يأخذها مباشرة من الطبيعة كالمواد الخام أو ما يتعرض لتأثير العمل الإنساني) ومن وسائل العمل ( أي الأشياء التي بواسطتها يؤثر الإنسان على مواد العلم ، ويهيئها لتلبية احتياجاته، مثل الآلات والوسائل التكنولوجية المختلفة .)

[3] - يجب أن نميز بين مفهوم العمل ، الذي يعني النشاط الإنساني الهادف إلى إنتاج الخيرات المادية، وبين قوة العمل التي تعني قابلية الإنسان على العمل، أي مجموع القوى الجسدية والفكرية التي يمتلكها الإنسان ، والتي يستطيع بذلها عند قيامه بالإنتاج.

[4] - تعتبر علاقات الإنتاج الأساس الواقعي الذي تتشكل منه العلاقات الاجتماعية ضمن البناء الفوقي للمجتمع

[5] - لمزيد من التوسع أنظر: أسس المعارف السياسية، دار التقدم، موسكو، 1975، ص24-25.

[6] - ج. أوسيبوف، قضايا علم الاجتماع، دراسة سوفييتية نقدية لعلم الاجتماع الرأسمالي، ترجمة سمير تعيم أحمد، وأحمد فرج، دجار المعارف، القاهرة، 1970، ص205.

[7] - نيقولا تيماشيف، نظرية علم الاجتماع، طبيعتها وتطوراتها، ترجمة محمود عودة وآخرون، دار المعارف، القاهرة، الطبعة الثامنة، 1983، ص 87.

( [8] ) محمد علي محمد، أصول الاجتماع السياسي (السياسة والمجتمع في العالم الثالث)، الجزء الثالث، دار المعرفة الجامعية، الإسكندرية،1981،ص56-57 .

[9] - محمود عودة، أسس علم الاجتماع، الطبعة الثانية، مطبوعات جامعة عين شمس، القاهرة، 1996.(أنظر الفصل التاسع: أزمة الخطاب الماركسي)

[10] -G. Lukas, Histoire et conscience de classe, PUF, Paris, p47, In : Abdelghani Megherbi, op. Cit, p105.

[11] - ج أوسيبوف،مرجع سبق ذكره، ص 10.

yazboy
عضو جديد
عضو جديد


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: المدخل المنهجي الماركسي في علم الاجتماع- أ.د نور الدين زمام

مُساهمة من طرف سارة المنور في 23/1/2013, 00:28

اشكرك اخي الكريم على هده المعلومات هل يمكنني تنزيل كتاباحمد القصير او تصفحه؟؟

سارة المنور
عضو جديد
عضو جديد


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى