أنثروبولوجيون في العالم Anthropologists in the world‎‏
عزيزي الزائر الكريم
انت لم تسجل في المنتدى بعد، عليك الضغط على زر التسجيل ادناه لتتمكن من مشاهدة ‏جميع الصور والروابط في المنتدى، والمشاركة معنا.ان امتناعك عن التسجيل يعني ‏حرمانك من مزايا المنتدى الرائعة .‏

المرجعيات الثقافية وأثرها في العمل البرلماني في العراق: جدلية التداخل و التكامل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

المرجعيات الثقافية وأثرها في العمل البرلماني في العراق: جدلية التداخل و التكامل

مُساهمة من طرف إبراهيم حسن في 6/9/2010, 12:33



المقدمة*

تشكل الأزمات والحروب أخطر التحديات المهددة للأمن الإنساني وللتنمية
البشرية المستدامة. إنها الأداة التي تهدم مكتسبات التنمية، وتنتهك حقوق الإنسان،
فتدمر جميع الطاقات والقدرات الخلاقة والمبدعة التي تحتاجها عمليات التنمية.

وتظهر مسيرة العراق خلال السنوات التي أعقبت الاحتلال في نيسان 2003 حجم
التدمير في البنى والمؤسسات، هددت بمجملها حياة الناس وبددت الموارد والثروات، وشكلت
بالتالي عبئا خطيرا على مستقبله وعلى طموحاته التنموية. إذ داهمت تلك التحديات
البنى المؤسسية في المجتمع العراقي، فأوجدت خللا بنيويا وتوالد متواصل للمشكلات
وافتقارا للإرادة الاجتماعية ولأدوات تمكينه من التعامل مع تلك المشكلات.

لقد أدت تلك الظروف والتحديات إلى توقف عجلة التنمية، وانهيار المؤسسات
الاجتماعية والسياسية، وتراجع النظام التعليمي والصحي، وضعف وسائل الضبط الاجتماعي
الرسمية وغير الرسمية ، وتدهور أوضاع الأسرة، بما فيها المرأة والطفل، مما فسح
المجال واسعا لشتى أشكال العنف والإرهاب والجريمة، وتعاظم أعداد المهجرين
والمشردين والأيتام والمعوقين من الفئات المهمشة ذات القدرات المتدنية، التي غالبا
ما تفشل في مواجهة تيارات الحياة، فتضطر للبقاء في قاع المجتمع، خارج إطار الشعور
بالانتماء والمواطنة.

وعلى خلفية كل هذه التطورات لا يمكن الحيلولة دون تدهور الأوضاع إلا ببناء
إستراتيجية للنهوض المجتمعي يمكن أن ترسم وتعزز طموحات العراق التنموية في
الميادين السياسية والاقتصادية والاجتماعية، تضع الأسس الواضحة للديمقراطية ولبناء المرجعية
الدستورية ومتطلبات شروط الحكم الصالح الذي يقوم على مبدأ تداول السلطة في إطار
الاختيار الحقيقي للمواطن، إلى جانب تحسين مستوى دخول الناس وفي تمكين المرأة من المشاركة في العملية السياسية وفي مجمل تطلعاتهم
الاجتماعية، وفي تهيئة النشاط الحر لمنظمات المجتمع المدني.

هنا
يأتي أهمية البناء ورسم السياسات ومنها بناء العمل البرلماني، الذي يتأتى واقعا من
أهمية وحجم التحديات التي يمر بها المجتمع العراقي، في عالم لا يرحم الفقراء ولا
مكان فيه إلا للأقوياء، والتي تفرض على
البرلمانين أن يوجهوا جهودهم لمتابعة تلك المتغيرات ورصد آثارها ونتائجها
من مواقعهم التخصصية، ومن خلال متابعة موضوعية تقدم الرؤى الدقيقة للأجهزة
التنفيذية وراسمي السياسات ومتخذي القرارات على شتى مستوياتهم.

إن التعقل
والاهتمام بشأن مستقبل العمل البرلماني في العراق يتطلب منا أن نتحرك الآن، وبصورة
مبكرة، حيث يشكل نوعا من التأمين ضد خسائر من المحتمل أن تكون كبيرة جدا. ولكن لا
ينبغي أن يشكل عدم يقيننا لاحتمالية مثل
هذه الخسائر أو توقيتها المحدد أو المرجح ذريعة لكي لا نتخذ كل ما يلزم للتأمين ضد
هذه الإمكانات. فنحن نعلم أن هناك خطر محتمل وممكن، كما نعلم إن الضرر الذي تسببه حالات
التداخل والصراع لا يمكن عكسه قبل مرور وقت طويل. وانه يزداد مع كل يوم نتهاون فيه
عن اتخاذ الخطوات اللازمة لتقليص مساحة الصعوبات التي تواجهها والحد من المخاطر
التي تهددها.



إن ظواهر معينة، مؤشرة هنا وهناك، تعني أن الحاجة إلى عمل مجتمعي متكامل وواسع،
متعدد البرامج والوظائف قد أصبحت ضاغطة، وتشكل تحديا خطيرا لمسيرة المجتمع. من هنا
تأتي أهمية هذه الدراسة، لتشكل قاعدة انطلاق للمزيد من الدراسات والبحوث التي يمكن
ان تسهم في تدقيق المفاهيم، واستشراف الرؤى، وتوضيح المعايير، واختيار البدائل ومن
ثم قياس النتائج.



المبحث الأول: الإطار المرجعي:

1-مقاربة نظرية

الثقافة، كل ثقافة، فريسة تجاذب
مستمر بين واقع ومرتجى، أي بين ثقافة تؤلف إطار العمل التنموي أو ما يعرف
بالمدخلات (Input)، وبين ثقافة مختارة، تنتقى من التراث ومن
النماذج الاجتماعية الثقافية السائدة، وهي تشكل محط الطموح أو الأهداف. وتقطف مخرجات التنشئة (Output) بهذا التفاعل والتوازن، إذ هي تترجح بين الواقع والمرتجى.

إن هذه الحقائق تظهر بوضوح إن الشعوب في العادة تكون في إحدى حالات ثلاث:
حال النهوض، وحال التراجع، وحال الركود.

ففي حال النهوض يكون المرتجى أرقى من
الواقع. ولكن الواقع يكون مستعدا لقبول المرتجى، والسير في اتجاهه. وإلا بقي
المرتجى "حصرما في حلب" لا عنبا في متناول الأيدي. بكلام آخر، تكون
الثقافة مرنة، وتنفتح آفاقها على التغيير، ثم تتولى التربية تأطير هذا التغيير،
وتهيئة الجيل الصاعد للوفاء بمتطلبات التغيير المستهدف.

وفي حال الركود، يكون المرتجى هو استمرار الواقع في إطار النوم على الأمجاد.
وفي هذا السياق تتقلص الحوافز، وتنخفض وتيرة التجدد والتغير، وتعيد التربية إنتاج
النماذج القائمة في الواقع الحالي.

إلا إن موكب الحياة العامة لا يعرف الركود أو التوقف، لذا يصاب المجتمع
الراكد النائم على أمجاده، بالتخلف، ويبدو كأنه يتراجع أو يتدهور.

الواقع إن دينامية الحياة في المجتمع، تنجم
عن هذه الجدلية بين ما يكون عليه المجتمع من حذق وفطنة، وما يطمح إلى أن يصير
عليه، في هذين المجالين المحددين للثقافة. ويقاس التطور، واستطرادا يحدد موقع
المجتمع بالنسبة للمسار العام للتاريخ، سندا إلى الفارق بين طرفي الطموح، أي بين
منطلقه ومنتهاه.


بهذا
النحو يبقى المشكل في تفعيل المنطلق، أي ثقافة المجتمع، بغية تنشيط المسارات، عبر
المسارات المرسومة للانتقال إلى الهدف أو المنتهى المتوخى، وللتنشئة دور حيوي في
هذا المجال، سواء في تفعيل المنطلق، أو في تسريع المسيرة وضمان سلامتها وفاعليتها،
لضبط توجهها تحو الأفق المرتجى.

أما تفعيل المنطلق بواسطة التنشئة، فيقوم على تنمية التوجهات الايجابية في
الثقافة، بإبرازها، ثم تصويب أنظار الناشئة إليها، وتدريبهم على ممارستها، وحملهم
على اعتمادها وتبنيها، لتكون منها قضية تعبئ مسيرتهم. ومن الطبيعي ان فرز التوجهات
الايجابية في الثقافة، لخدمة التطور المطلوب تسريعه وتنشيطه بواسطة التربية، هذا
الفرز يتجاوز مسؤولية كل من التربية لعملية، والثقافة كمورد. إنها مهمة تتولاها
الثقافة الريادية، وتعبر عنها السياسة، بما هي قيادة المجتمع نحو الحلول
المستشرفة، فيما يعرف باستصلاح الخلق في المرحلة الراهنة والمستقبل.

وانطلاقا من وجهة النظر هذه، يتجسد دور الثقافة الريادية بقيام بعض ممثلي الثقافة
(باختلاف مرجعياتهم) بتلمس وجوه
التأزم والركود في واقع الثقافة، واستكشاف
أوجه الخلل أو التجاوز المتاح، وإعلان الحل المتوجب بالنتيجة. وقد يكون هذا الحل
في بعث الحياة في قيم طواها الزمن، على نحو ما حصل في النهضة الأوربية التي عصفت
بالقرن السادس عشر الميلادي؛ أو يكون في استيراد قيم غريبة، وتكييفها لتلائم
الواقع المحلي، وتهيئة هذا الواقع للتفاعل معها، ومن ثم تعبئة السياسة والتربية،
لتحقيق متطلبات المسير من الواقع، أي منطلق الثقافة، نحو المرتجى، أي الأفق الذي
حددته الثقافة الريادية، واعتمدته السياسة متكاملة ومتلازمة مع التنشئة، على نحو
ما حصل في اليابان منذ نيف ومائة سنة.

وإذا كانت المرجعيات الثقافية تمثل بعدا قائما بذاته، وصفة ملازمة
لتلك الثقافة، سواء أكانت متجهة نحو الريادة والتجاوز، أو كانت راكدة ومرشحة
للتراجع. لأن إعادة إنتاج النماذج المكرسة تدخل في مسؤولية التربية والتنشئة،
تماما كإنتاج نماذج جديدة تقترحها، بل
تفرضها السياسة الريادية المبنية على ثقافة ريادية.

وهنا نؤكد إن مسؤولية رسم الأهداف وتحديد المرتجى من شأن الثقافة نفسها، إذ
هي تكون ركودية أو ريادية، وإذ هي تنطلق في الحالين من المرجعيات الثقافية، وهو
يدخل-استطرادا-في مسؤولية السياسة.

وعلى هذا تكون الثقافة موردا صالحا موردا صالحا للاتجاهين الريادي
والركودي، وتكون التنشئة قطارا تسلكه السياسة لدى تبنيها هذا الاتجاه أو ذاك. من
هنا تتحمل المسؤولية أو جماع المسؤولية في حياة المجتمعات الإنسانية القيادة
السياسية، ومن ورائها الثقافة الرسمية ، أو الثقافة المعنية بالمستقبل والموسومة أما
بالريادة أو بالركود. وعندئذ تنحصر مسؤولية الثقافة بمرجعياتها، في مدى مرونتها
وجهوزيتها لتلبية متطلبات النهوض، فيما تكون مسؤولية التربية أو التنشئة في تجسيد
حالة النهوض على مستوى الناشئة، بل على مستوى الحياة كلها في خياراتها ومساراتها.

انطلاقا من هذه المقاربة النظرية نود أن نطرح
السؤال الآتي: هل يستطيع البرلمانيون العراقيون
اليوم (بمرجعياتهم الثقافية) وهم في موقع قانوني
وعلمي وثقافي وتربوي تولي أمر التغيير على المستويات كافة، وإيجاد حلول لحالة التشظية والانقسامية والهدر
والاستنزاف التي باتت تطفو على سطح مجتمعنا، فيحولون سلبياتها إلى ايجابيات،
ويقدمون شهادة حضارية جديدة، حول التلاقي
العميق والتلاقح المثمر الخير بين القوميات والديانات والطوائف والأقليات، وبذا يكونوا
جميعا قد استنبتوا من أشجار الصبار الصحراوية الشائكة زهرات مشعة بالتسامح، فيحققوا
رسالة العراق النموذجية الإنسانية الحضارية الفريدة . ذلك هو التحدي الحقيقي، في
هذه المرحلة .

في هذه الدراسة،
نحاول أن نعطي في ثنايا التحليل أهمية للمنظورات الاجتماعية والنفسية، لأننا نعتقد بأنّ فك التداخل بين الثقافات الفرعية تمثل مسؤولية مجتمعية وطنية،
ومادام مجتمعنا يمر بمراحل انتقالية، ينبغي أن نحث الخطى ونتعهّد بتقليل كلّ الكلف
لتهيئة البيئة التمكينية التي تضمن تبني
مسارات حقيقية وسليمة لعملية النهوض المجتمعي.

2-المرجعيات الثقافية بين التنظير والواقع

يذهب عالم الاجتماع نيقولا تيماشيف إلى أن المتغيرات الأساسية في السلوك
الإنساني التي تنتج المرجعيات أو الأشكال
التنظيمية لتطور التنظيم الاجتماعي هي: الشخصية والمجتمع والثقافة. الشخصية بوصفها
موضوع التفاعل، والمجتمع بوصفه مجموع الشخصيات المتفاعلة، والثقافة هي مجموع
المعاني والقيم والمعايير الموجودة لدى الشخصيات المتفاعلة[1].

أما البناء الاجتماعي فيتشكل، كما هو معروف، من
مجموعة من النظم والمؤسسات المتساندة والمتفاعلة مع بعضها، والتي ترسم ملامح هوية
ذلك المجتمع. ولعل
ما يميز مؤسسة الدولة والمؤسسات الاجتماعية الأخرى في المجتمعات التقليدية، مؤسسات
القبيلة والعرق والجهة والمنطقة والتمذهب الديني، بأنها لا تشكل بنية فوقية متميزة
عن القاعدة الاقتصادية للمجتمع، بل أن هذه المؤسسات جميعها، الدولة والقبيلة
والطائفة والنقابات الحرفية والمجتمع الأهلي وغيرها، هي جزء من بنية كلية أعم
يتداخل فيها الاقتصادي والاجتماعي والديني والإيديولوجي.

وما دام الاقتصاد
في المجتمعات التقليدية هو اقتصاد غير متطور إلى الدرجة التي تجعل منه المحدد
للعلاقات بين الناس، فان الوعي الذي يحرك الصراع في المجتمع ليس هو الوعي الطبقي، بل "الوعي
الفئوي": العصبية القبلية والتعصب ألاثني والجهوي والمناطقي والطائفي
والتضامن الحرفي، ومن هنا فالناس داخل الجماعات التي من هذا النوع يكونون مشدودين
لا إلى مصالحهم الاقتصادية المباشرة بل إلى مرحلة سابقة من تاريخ الجماعة، قبيلة
كانت أو منطقة أو طائفة، وهي المرحلة التي ترتبط بها الامتيازات أو الأمجاد أو
التضحيات التي تشغل خيال هذه الجماعة والتي بها تتحدد هويتها (العرقية،
القبلية.....).


من
هنا كانت الايدولوجيا السياسية والاجتماعية في المجتمعات التقليدية لا ترتبط دوما
بالواقع الاقتصادي والاجتماعي الذي تعيشه الجماعة في حاضرها بل ترتبط، في الأعم
الأغلب، بواقع آخر مضى، يمكن أن يكون مختلفا تماما. والايدولوجيا في مثل هذه الحال
لا تعكس دائما الواقع الراهن بل هي في الغالب منقولة إلى الحاضر من الماضي وكثيرا
ما يكون أساسها الاجتماعي الذي انبثقت منه منتميا إلى الماضي وواقعا فيه لا في
الحاضر. ولذلك فان تلك الايدولوجيا، بوصفها مفعلة ومحركة ، ليست جزءا من بنية
فوقية وليست شكلا من أشكال الوعي، بل هي عنصر في بنية كلية ، هي بنية المجتمع ككل.

وذلك ما تؤكده الدراسات السوسيولوجية والانثروبولوجية الحديثة حين تقدم
تحليلات تسبر أغوار الواقع المجتمعي، إذ تؤكد على أن مفهوم القرابة في المجتمعات
التقليدية، لا يشمل علاقات الزواج وحدها بل يشمل أيضا العلاقات التي تقوم بين
الناس بسبب الجوار في المكان والاشتراك في الأعمال، مما يجعل منها في آن واحد:
علاقات إنتاج وعلاقات سلطة وتصورات إيديولوجية تجمع وتوحد بين وظائف متعددة مشكلة
بذلك البنية المهيمنة في الحياة الاجتماعية ككل،
إن هذه المعطيات التي تبرزها تلك الدراسات هي وقائع نعيشها بالفعل.

و حينما
نتحدث عن المرجعيات الثقافية لابد من تحديد لمفهوم التداخل (Overlapping) ، وهو مفهوم جرى استخدامه
بشكل واسع في الأدبيات العلمية والثقافية
والتنموية. والتداخل هنا يشير إلى حالة من اضطراب المرجع، أي وجود أكثر مرجع، أو
وجود بدائل مرجعية عادة ما تكون بديلة عن المرجع الأساس، ومن ثم تعكس حالة مشوهة
ومبتسرة له..

وبحسب
وجهة النظر هذه فان التداخل هنا يعد شكلا من أشكال الاضطراب الذي يولد الخلل
والتشويش والتصلب نتيجة لما يولده من حالة الاستقطاب بين الأطراف المتداخلة وعدم
فرز مرجعية ثقافية واحدة موجهة، وبذلك يكرس التداخل حالة من "التشتت" [2] . وهذا الأمر يحول دون بلورة مرجعية أساسية واحدة.

بيد إن الأمر الذي تجب ملاحظته، إن افتراض
حالة التداخل يقتضي وجود حالة غير
متداخلة، أو تنتفي فيها الحالة المتداخلة المرجعيات، تلك هي "مرجعية ارض
الرافدين" التي يفترض أن يستدخلها كل فرد في المجتمع العراقي، التي تمتلك
قدرا عاليا من الإجماع عليها من قبل جميع
أفراد الشعب العراقي بسبب جمعها بين مفردات لا اختلاف عليها، وهي مرجعية
الأرض العراقية، برصيدها الحضاري وامتدادها التاريخي، وهي الحالة التي تبطن
وعي كل عراقي، وتكون لاوعيه.

إن هذا كله يؤكد حقيقة ، أن الحالة غير
المتداخلة تتجسد بمرجعية ارض العراق الكبرى "بلاد الرافدين" التي هي
حالة مفترضة، ولها جذرها الواقعي التاريخي والحضاري الذي يمتد لآلاف السنين، ويحظى بالإجماع والتوحد والتكامل. وهي الحالة التي يمرر خلالها
المجتمع العراقي كله بلا اجتزاء[3]. لقد عبر الشاعر العراقي مصطفى جمال الدين عن تلك المرجعية- عن حضارة العراق- بقوله:

بغداد ما اشتبكت عليك الاعصر
إلا ذوت ووريق عمرك أخضر

وقست عليك الحادثات فراعها إن
احتمالك من أذاها
أكبر





أو كما عبر الشاعر العراقي:

وطن مد على الأفق جناحا
وارتدى مجد الحضارات وشاحا

بوركت ارض الفراتين وطن
عبقري المجد عزما وسماحا

يقابل هذه الحالة، المفترضة منهجيا،
والحية في وجدان الشخصية العراقية، البعيدة عن سلوكها الفعلي، حالة أخرى من حالة
التداخل، التي يجري فيها استبدال هذه المرجعية الكبرى- مرجعية العراق الأم-
بمرجعيات بديلة (ثقافات فرعية)، صغيرة اجتماعيا على مستوى السلوك الاجتماعي
للأفراد في إطار المجتمع العراقي نفسه، التي يجري من خلالها الفرز على أساس عرقي
واثني وطائفي وقبلي وجهوي ومناطقي ....وهي أفكار تحدد الأفراد والسلطة والمجتمع بأفكار ثابتة
مقدسة غير قابلة لتطوير المجتمع وتغييره. ولعل مكمن الخطورة في هذا المجال حين
يجري اقتناع القائد السياسي مثلا، وهو قبل ذلك مواطن وفرد في المجتمع- بالعراق
السياسي المحدود، وإهمال وتجاوز العراق الأكبر.
وعلى مستوى السلوك الفكري حينما يجري النظر مثلا إلى التاريخ الاجتماعي
للعراق من خلال الثقافة الفرعية ، وليس من خلال الأرض العراقية كالنظر إليها من
خلال القومية أو القبيلة أو المنطقة.

3-المرجعيات الثقافية بين الاجتزاء
والتكامل

ليس ثمة شك إن المجتمع العراقي تعرض بعد الاحتلال عام إلى اختلالات بنيوية2003، أدت إلى إشاعة أقوال
وأفكار قائمة على التعبوية الطائفية
والعرقية والقبلية، جسدتها ممارسات تأسيس مجلس الحكم، مهدت الطريق لمسارات حولت
الدولة كلها إلى دولة تعبوية قائمة على أسس عرقية وقبلية وطائفية ومناطقية، ومعروف للجميع أن " الدولة التعبوية "
هي اكبر خصم للديمقراطية وقد أثبتت جميع تجارب بناء الديمقراطية في الدول التي
سبقتنا بان لا ديمقراطية من دون حرية المجتمع كله وحرية قواه الفاعلة كلها.

وعلى خلفية هذه الحقائق، نجد أن
الكثير من الممارسات انطلقت من إطار مرجعي ضيق، وان كل هذه اجتزاءات، أي اخذ الشيء
بصورة جزئية، تعكس حالة تداخل مرجعي، تداخل بين اثنين، أو بين خيارين، بين تمثل
المرجعية العراقية الكبرى، أي النظر إلى الهدف (بلورة الشخصية العراقية) من خلال
المجتمع العراقي بأكمله، ولا يعني هذا بالتأكيد فرضه قسريا من الخارج، إنما هو
عملية اجتماعية يجري استدخاله مؤسسيا، وبين تمثيل المرجعية المجزوءة اجتماعيا
(القبيلة بدلا من الدولة) ، قوميا (تقسيم على أساس إقليم كردي مقابل إقليم عربي)، وطائفيا
(تقسيم إلى إقليم الجنوب وإقليم الوسط)، واقتصاديا (الاقتصاد ألريعي بدلا
من الاقتصاد المنتج الذي يغطي كل أجزاء
المجتمع).

إذا هو تداخل بين دائرة أوسع ودائرة أضيق، وعادة ما تميل الشخصية إلى
التصور الأسهل والأقرب إلى ما يخدم ذاتها وليس ما يخدم المجتمع. وهنا من الضروري
أن نقف على المعنى الاجتماعي للتداخل
المرجعي الذي يشير إلى حالة من الحيرة بين
تمثل المرجعية الكبرى- مرجعية العراق الطبيعية- التي تمر من خلال المجتمع من جهة، وبين تمثل أي مرجعية أخرى بديلة لها، سواء
أكانت اجتماعية (القبيلة)، طائفية أو ثقافية مناطقية ، التي تمر من خلال مرجعية
بديلة مجزوءة. هذا التداخل المرجعي في العراق اليوم، هو سبب تعقيد الشخصية
العراقية وحيرتها وضعف فاعليتها وهي تنفذ هذه المرجعيات المجزوءة، فهي تنظر بإجلال
إلى ماضيها الحضاري العريق، في الوقت الذي يعاني حاضرها من تخلف وتدهور في
منظوماتها القيمية وإشكاليات بنيوية في
مجتمعها المدني.

هذا التضارب بين الانتماء وتمثل المرجعية
العليا الشاملة- العراق الطبيعي- وبين الانتماء وتمثل المرجعيات البديلة هو
الذي يدفع الشخصية العراقية في بعض الاحيان إلى الهجرة الخارجية أو التقوقع بعيدا عن الأضواء، وانتشار مظاهر معينة من
السلوك الذي ينطوي على مضامين إنحرافية، وضعف الدافعية إلى التعليم ومحاولة الحصول على النجاح دون وجه حق، وإتباع
أساليب غير مشروعة لدى البعض في الكسب ، وارتفاع وتائر القلق
وانخفاض المستوى الطبيعي للمرح والفكاهة،وضعف احترام القانون والنظام والزمن، وظهور الأنماط السلوكية النكوصية والمعتقدات السحرية الخرافية، والخوف من المجهول وظهور حالات الإحباط وكثرة
التذمر والشكوى والنقد غير البناء، والشك في الآخر والإحساس بالغربة عنهم، وظهور حالات التقاعس عن أداء الواجب والتمارض واللامبالاة ، ونقص في الطاقة الحيوية ومشاعر التشاؤم حول المستقبل، والتأرجح بين الإخلاص للجماعة وعدم المبالاة
بالآخرين.

إن التداخل المرجعي تمثل عملية استبدال
المرجعية المجتمعية للعراق الأم (العراق الطبيعي) الثابتة، بمرجعيات اجتماعية صغيرة أكثر قابلية على الحركة، وهي المرجعيات القبلية
والطائفية والعرقية والجهوية والمناطقية التي تتجاوز المجتمع العراقي الكبير، وتحد
من عملية نشوء وفاعلية وتكوين المجتمع المدني. هذا التداخل يقف حجر عثرة أمام
النهوض المجتمعي ويحد من فاعلية الشخصية العراقية وحركتها ومدى قدرتها على الفعل
والتأثير واتخاذ القرار، فكلما تداخلت تلك المرجعيات، ومالت الشخصية العراقية إلى استبدال المرجعية
الأم (مرجعية العراق الطبيعية) بمرجعيات صغيرة عرقية أو طائفية أو جهوية أو
عشائرية، كلما انحصرت الشخصية العراقية وقلت فاعليتها.

إن الحقيقة التي لا يمكن الاختلاف عليها وفق هذه المنطلقات تظهر أن حالة التداخل
تؤدي إلى إهمال للمرجعية العراقية الكبرى، التي تحتضن المجتمع العراقي بأكمله،
وإبدالها بمرجعيات مجزأة "مشوهة"
عرقية أو قبلية أو مناطقية، مما يؤثر في ما يمكن أن تؤديه الشخصية العراقية
من دور مؤثر في نقل المجتمع العراقي من حالة التخلف إلى حالة النهوض والتقدم، أي
الوصول إلى مرحلة "المجتمع المدني"
وخلق مرجعية مؤثرة إلى حد منع بروز مرجعيات مجتزأة.

وفي ضوء هذه التطورات تمثل الدعوة للمرجعية الثقافية المجتزأة دعوة إلى
الانقسامية والتشظي والإقليمية والمناطقية الضيقة التي قد
تتقاطع مع الهوية المرجعية الوطنية الكبرى. إن هذه الدعوة تجسد محاولة لتأهيل
المجتمع العراقي ليتفاعل وبصورة ايجابية وخلاقة
مع عمقه العربي الإسلامي والإطار العالمي الأوسع؛ ولإعداد المجتمع العراقي
لمواجهة تحديات المستقبل في التنمية والتحديث باعتبار أن الشخصية مفتاح التنمية
والتغير الحقيقي.

وفي هذا السياق يطرح السؤال الآتي: أي نوع من أنواع الشخصية نريد؟ إنها
الشخصية الفاعلة المتخلصة من تداخلاتها المرجعية، والمستندة إلى مرجعية منفتحة،
مظلتها الوطن الكبير، مستندة في توجهاتها وأهدافها على عمقها ورصيدها الحضاري وامتدادها
الرسالي وتراثها العريق، والقادرة على مواجهة التحديات من حولها. إنها محاولة الانتقال بالإنسان العراقي من
الاعتماد في بناء فعله الاجتماعي على الإيعاز والمتعارفات الاجتماعية التقليدية
التي تميز المجتمع في وضعه المتداخل إلى الاعتماد على الإبداع والتجديد من خلال
التفاعل الاجتماعي المتحرر من القيود الاجتماعية، أي فك التداخل المرجعي وصولا إلى
المجتمع المدني.





4- الملامح العامة للتداخل المرجعي:
المظاهر والتداعيات

ثمة
شواهد تاريخية بعيدة وقريبة تنبؤنا عن حجم واسع من تشوهات اجتماعية عاش عليها
المجتمع العراقي ردحا طويلا من الزمن بحكم توالد تناقضاته عن تناقضات قديمة. وثمة
خلل وعطب أصاب الشخصية العراقية في تضاعيف العصر الحديث بحكم شراسة وقسوة وحجم
التحديات التي واجهت المجتمع، ومصادرة الحريات ليست السياسية حسب، بل وحتى العامة،
وانعدام كامل لاحترام حق الاختلاف في الرأي والموقف والتفكير. إن مظاهر القمع السياسي، والتسلط، وردود فعل
الذين طحنهم الفقر والبطالة، وحال الأكثرية من المحرومين والمستضعفين الناجم عن
القهر والظلم الاجتماعي والشعور بالحيف[4] ، وضعف أو غياب العدالة والمساواة، والاحتلال وغطرسة القوة، والهيمنة
السياسية لدولة على أخرى، وازدواجية المعايير في تعامل السياسة الدولية بشأن قضايا
مصيرية تخص كرامة المجتمع، فضلا عن جرائم السلب والنهب والاختطاف والسرقة، حيث
تتداخل جميع هذه الأسباب مع بعضها في بلورة النمط السلوكي للشخصية العراقية.

لقد شهدت السنوات التي أعقبت الاحتلال في نيسان
2003 تدهورا كميا ونوعيا في مدى المأسسة التي حققها العراقيون، ووصل العقد
الاجتماعي إلى درجة من الانهيار تجعله غير قادر على الصمود أمام التحديات الداخلية
والخارجية المتعاظمة. وقد تسبب هذا التدهور في تراجع عملية البناء وفي جعل العمل
العشوائي والمشتت هو القاعدة وليس الاستثناء. وباتت المؤسسات تدار بعقلية غير
مؤسساتية( عشائرية أو جهوية أو مناطقية....) .

وإذا نظرنا إلى ما يحدث في العراق اليوم على أنه نتيجة أشكال متعددة من
الانتهاكات بعضها عرضي، لكن آثارها مباشرة، كما في حالات عمليات العنف المباشرة
التي يكون الإنسان موجودا في دائرة مخاطرها، وفي بعضها الآخر يكون الإنسان ذاته
هدفاً لها، كما في عمليات استهداف الناس عن طريق الخطف والاغتيال، وبين هذه وتلك
تتعدد مصادر الخطر والانتهاك والتهديد، وتتداخل لتؤسس بيئة يفتقر فيها الناس إلى
الأمن على نحو يصبح فيها الخوف رديفاً
للموت والأمن رديفاً للحياة.

إن المخاطر التي تحدق بالنسيج المجتمعي لا تهدد السيادة والأمن السياسي والاقتصادي
والاجتماعي فحسب، بل تهدد في المقام الأول الهوية والثقافة. فالثقافة العراقية
تواجه مشروعا منظما يستهدف الحط من شأنها وتزييفها واستلابها، وان التراث العراقي
يتعرض للنهب، والممتلكات الثقافية تهددها المخاطر. وان كثرة من الآثار والمكتبات
والوثائق الخاصة تعرضت للنهب والحرق.

القضية الأساسية هنا هي أن فكرة الإدارة الأفضل للقضايا الوطنية لم تترسخ
بعد في الشعور الجمعي العراقي، ولذلك فإننا نجد العراقيون يريدون نظاما وطنيا أكثر
استقرارا، ولكنهم لا يشغلون أنفسهم بالأسلوب الكفيل بتجسيد هذا النظام ولا بتحقيق
هذا الاستقرار.

إن ابرز تمظهرات المشكلة في هذا الخصوص تتجلى
بحالة التناقض في البرامج والأهداف التي يسعى
هذا الطرف أو ذاك لتحقيقها. ففي الوقت الذي يجمع بعض ممثلي المكونات العراقية مثلا على
أهمية استقرار البلد، إلا أنهم يبعثون برسائل مشوشة ومتناقضة إلى بقية المكونات
الأخرى. إن هذا الاضطراب واللا اتساق أدى
إلى أن أصبحت القرارات تصدر، لا عن رؤية إستراتيجية ذات منظور طويل الأمد متسع
النطاق، بل تصدر عن قصور في النظر السياسي وعن تصورات مرحلية تتوخى اعتبارات وقتية ومحدودة إلى درجة كبيرة.

وتكشف تحليلات القوة وعلاقات المكانة عن جوانب عديدة ومعقدة لحالات تداخل
بين المرجعيات الثقافية، خصوصا في السنوات التي أعقبت الاحتلال عام 2003 وانهيار سلطة الدولة وتفكك منظومات الضبط
الرسمية وغير الرسمية، ولعل أهم ملامح تلك المتغيرات:

1- كشفت مجريات السنوات الماضية عن الكثير
من مكامن الضعف والخلل وأوجه القصور الذاتي لدى مؤسسات المجتمع التقليدية
والحداثية، الخدمية منها وغير الخدمية. فقد كشفت الظروف المحيطة عن هلامية وضعف في
بنى وأداء ورؤى وأهداف واستراتيجيات تلك التشكيلات، مما انعكس سلبا على برامجها
وسياساتها ومبادراتها وأنماط تفاعلها مع الجمهور وعلى درجة استجابتها الفعلية لما
يواجهه من تحديات.

2-لقد
أظهرت الصراعات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي شهدها المجتمع العراقي بعد
نيسان 2003، تحت ضغط التحولات السريعة التي أعقبت الاحتلال وانهيار سلطة الدولة،
طبيعة المشكلات العديدة التي يعانيها المجتمع العراقي على مختلف المستويات
السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وقد لعبت سلطة الاحتلال الدور المربك والمتسلط
في تحريك هذا الطرف أو ذاك، وهو ما يتطلب
المراجعة الكاملة ومن كل الأطراف لتغيير تلك الأوضاع من الأفراد بوسائل عقلانية وديمقراطية
وبما يفتح طريق التنمية المنشودة للمجتمع.

3-إن ضخامة الآثار المترتبة على السياسات
التدميرية التي أعقبت الاحتلال حالت دون قدرة أي من التشكيلات التقليدية والحداثية
على مواجهة هذه الآثار منفردة، يستدعي هذا الأمر تطوير آليات للتوفيق بين الجهود
الرسمية والمبادرات الشعبية لتحقيق التكامل في إطار تعزيز قدرات المجتمع لحماية
النسيج المجتمعي وتعزيز قدراته التمكينية.

4-
إذا سلمنا بالحقيقة العلمية إن الإنسان هو نتاج بيئته، وهو حصيلة واقعه الاجتماعي،
وهو الذي يصنع ذلك الواقع أصلا وفي ضوء ذلك تتحدد علاقته بالماضي والحاضر
والمستقبل. إلا إن المشكلة الحقيقية في واقعنا العراقي هو أننا نسقط الماضي على
الحاضر ثم ننطلق للمستقبل، وهذا يؤدي إلى إشكاليات وجدل يسهم في عرقلة نهوض المجتمع.

5-لقد
كان من أهم أسباب تعثر تجربة التحول الحديثة العهد في المجتمع العراقي خلال الأعوام
الماضية هو تحول السلطة إلى طرف معزز للتناقضات
السياسية في مختلف الأوساط المجتمعية في محاولة منه لاحتواء التحول والتغير
الذي بدا يخرج عن مجال الارتهان الذي كانت يمارس ولعقود من الزمن في العراق، لذا
فان على السلطة أن تتجه نحو تعزيز فاعلية المجتمع المدني لأنها أصلا مسؤولة عن
ذلك، وعن منحها شرعية الحكم.



5-التداخل المرجعي: تفسيرات للواقع العربي

إن
الدراسات التي اهتمت بالتنظير لمشكلة التداخل المرجعي للثقافات في المجتمع العربي
عنيت بالتحليل العام دون إهمال طبيعة والاختلاف بين أقطاره ومجاميعه الإقليمية،
ولذلك يمكن فهم طبيعة التنظيم الاجتماعي في كل مجتمع على وفق المنظور المجتمعي
العام، وقد التقت معظم تلك الدراسات على محاور أساسية لعل أهمها:

أولا: إن جميع
الدراسات تتفق على وجود أزمة يعيشها المجتمع على المستوى الوطني أو المستوى
المحلي. تتوزع بين أزمة الهوية والتعددية والحاجة إلى الاندماج واستمرار تأثير
التكوينات الاجتماعية في النزاعات الاجتماعية وغياب قدرة المجتمع على بلورة
مجتمع مدني حقيقي. فقد ظهرت هذه التكوينات
الاجتماعية بصيغ مختلفة، فعند حليم بركات الجماعات الوسطية وسيادة العلاقات
القرابية والثقافات الفرعية، وعند سعد الدين إبراهيم وزملائه التكوينات الاجتماعية
المتداخلة، وعند هشام شرابي هيمنة الثقافة الأبوية، وعند محمد عابد الجابري
الانشطار العمودي واستمرار حضور القديم في الجديد ، وعند محمد جابر الأنصاري البنى
العصبوية، وعند عبد الإله بلقزيز المجتمع العصبوي.

ثانيا: على الرغم من الاتفاق النسبي على تحديد مشكلة القلق الاجتماعي
والسياسي كأحد أهم التحديات التي يعيشها المجتمع، إلا إن تلك الرؤى اختلفت
في زاوية المعالجة، فقد ربطها حليم بركات بطبيعة التكوين الاجتماعي والاقتصادي
المتنوع، وربطها هشام شرابي بأزمة الفكر والوعي في المجتمع، وربطها الجابري بطبيعة
البنية الثقافية الحضارية العميقة الحضور في الإنسان والمجتمع العربي، وربطها
الأنصاري بطبيعة التكوين السياسي العربي وجذوره الجغرافية والحضارية، وربطها عبد
الإله بلقزيز بأزمة الدولة.

ثالثا: إن اختلاف وجهات النظر هذه انعكست هي الأخرى على اختلاف الحلول المقترحة
لتجاوز حالة العجز وتحقيق الفاعلية الحقيقية. ففي الوقت الذي يدعو حليم بركات[5] إلى التغيير الثوري للنظم والمؤسسات القائمة، ينادي محمد عابد الجابري[6] بضرورة التغيير الثقافي من الداخل، ويؤكد هشام شرابي[7] على أهمية وعي المجتمع ذاته، بينما يركز الأنصاري[8] على مواجهة المشكلات والكشف عن جذورها وتسميتها بأسمائها الحقيقية. ويدعو
بلقزيز[9] إلى إعادة شرعية الدولة لتتمكن من توجيه عملية التغيير.

ومهما يكن من أمر فان جميع الدراسات في الوطن
العربي سعت بشكل أو بآخر إلى تشخيص الوضع المجتمعي القائم ومشكلاته، والانتقال إلى
تقديم الحلول النظرية لتلك المشكلات في محاولة منها لتهيئة الظروف لتأسيس مجتمع
مدني يتجاوز حالة التداخل في المرجعيات وما يفرزه من تقاطع في الشخصية بمجتمع يقوم
على الحرية والتعددية والانفتاح على الفكر والحياة الجديدة بشروط المجتمع العربي
ذاته، أي بما يتفق والواقع الاجتماعي الذي يعيشه العراق في هذه المرحلة.

أما في العراق، فان الدراسات التي اهتمت برصد
طبيعة التحولات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية التي شهدها المجتمع منذ خمسينات القرن الماضي (دراسات الوردي وشاكر
مصطفى سليم والكعبي وعبد الجليل الطاهر)،
وسعي الدولة والمجتمع العراقي لترسيخ معالم النظام الاجتماعي الجديد فيه
وتجاوز التكوينات الاجتماعية التقليدية
باعتبار أن العراق من الدول النامية التي تعاني من حالة تأخر في اتصالها بعوامل
التحديث والعصرنة التي شهدها المجتمع العربي في النصف الثاني من القرن العشرين وفي
مطلع الألفية الثالثة. ولعل أهم الجوانب التي ركزت عليها تلك الدراسات:

1-اتجهت غالبية الدراسات السابقة إلى تشخيص
مظهر أو جانب معين من المشكلات والظواهر الاجتماعية التي يعاني منها المجتمع
العراقي، والى رصد طبيعة التحول الذي طرأ على البنية الاجتماعية والاقتصادية
والسياسية فيه.

2-اختلفت تلك الدراسات في زاوية النظر وفي
طبيعة الاستجابات التي توصلت إليها، بحسب طبيعة الموضوع والمشكلة التي تعالجها.
فقد عنى الوردي مثلا (وهو أعمق من حلل البنى الاجتماعية العراقية في العصر الحديث)
بعمليات الانتقال من مجتمع البادية إلى الريف ثم المدن، وانعكاس ذلك على حركة
المجتمع وفاعلية الشخصية وحالة التناشز بين الحقوق والواجبات.

3- كما اختلفت
الدراسات في طبيعة المنهج المستخدم، فالوردي استخدم المنهج التاريخي والمقارن في
تحليله لعمليات التحول التي شهدها المجتمع العراقي ، بينما استخدم شاكر مصطفى سليم
المنهج الانثروبولوجي وحاتم ألكعبي اعتمد المنهج السايكوسوسيولوجي متأثرا بمدرسة
التفاعليين الرمزيين. إن ذلك يعود إلى طبيعة المدارس الفكرية التي ينتمي لها هؤلاء
الرواد .

لقد عرضت العديد من الدراسات حالة التجليات
العصبية في المجتمع العراقي ، التي ترى إن حالة الاضطراب وضعف الدولة وغياب سلطة
النظام والقانون لم يؤدي إلى ظهور العصبيات ونزاعاتها فحسب وإنما إلى تحول وارتكاس
في العصبيات إلى مزيد من التعصب والانغلاق، التي تجلت عصبيتها في قلب المدن
العراقية. وتدعو معظم تلك الاتجاهات إلى إصلاح شامل وجذري، أهمه الإصلاح السياسي
الذي يستطيع تحقيق المصالحة الوطنية.

ولعل ابرز مظاهر التحول في المجتمع العراقي
بعد الاحتلال هو تبلور لجماعات ضغط اقتصادية مرتبطة بطريقة أو بأخرى
بالنظام السياسي، الذي يسعى إلى إنتاج القيم القبلية والطائفية والجهوية من خلال
المنفذ الذي توفره التسهيلات التي تمنحها للتيارات والأحزاب التي تسيطر على
المفاصل الاقتصادية الأساسية في المجتمع، مما يؤدي إلى إعاقة التحديث السياسي،
وبناء دولة حديثة تستوعب الحاجات الأساسية لجميع أفراد المجتمع.

وإجمالا وفي ضوء الدراسات والمعطيات الواقعة
على الأرض، يمكن القول أن المجتمع العراقي على نحو عام يعاني من مشكلة تداخل مرجعي
في فاعلية شخصيته يمكن تحديد أبعاد ذلك التداخل بالاتي:


أ:
البعد المرجعي المجتمعي: وهو البعد المتعلق بعاملي الانتماء والولاء، ومن
أبرز مظاهره سيادة العلاقات القرابية، وإحلال الجماعات الوسيطة محل المجتمع في التعامل والتفاعل الاجتماعي، وشدة التأثير
العائلي، وضعف تأثير مؤسسات المجتمع المدني أو غيابها، وحضور العصبيات التقليدية،
وسيادة الثقافة الأبوية فضلا عن طغيان الأفكار البدوية المتمثلة بقيم الغلبة، وضعف
الإيمان بقيم المشاركة والحوار والتسامح.

ب-البعد
المرجعي السياسي: وهو
البعد الذي يتبلور في أزمة التكوين السياسي والافتقار الدولة للشرعية، وميلها إلى تغطية الارتباط بالتكوينات
الاجتماعية التقليدية، كما هو الحال في ارتباط الدولة بالقيم القبلية أو العرقية
أو الطائفية، وقيام الاقتصاد على عنصر ريعي غير إنتاجي من خلال استغلال مؤسسات
الدولة في السيطرة على مفاصل الاقتصاد من قبل الفئات المرتبطة بالنظام السياسي على
حساب المجتمع . وفي هذا السياق يذهب الدكتور الزعبي وخلدون النقيب إلى أن تفشي
الفساد وغياب نموذج الحكم الصالح في العالم العربي يعود إلى الوضعية الخاصة
للمجتمع العربي، والتي تتمثل في مجموعة من الظواهر المجتمعية لعل أهمها
"الاقتصاد ألريعي" و "البناء القبلي- الطائفي". فالاقتصاد
ألريعي والبناء القبلي -الطائفي يشكلان
بيئة حاضنة للفساد. فالدولة العربية كانت ولا تزال تعتمد على هذين النوعين من
الاقتصاد والبناء السياسي لتحقيق ديمومة الحكم والسيطرة على البناءات المؤسساتية
العليا في الدولة، مما يتطلب تبني الدولة لسياسات اجتماعية-اقتصادية-سياسية تقوم
على التنفيع والرشاوى والواسطة وغيرها من مظاهر الفساد الأخرى[10].


ج-البعد المرجعي السلوكي: ويتجلى ذلك بشكل واضح في ميل الشخصية إلى السلوك
المتقاطع اجتماعيا وسياسيا وعلى مستوى العلاقات بين الأفراد والناتج عن استمرار
التداخل المرجعي الذي يحرف السلوك عن الاتصال والتفاعل الاجتماعي السليم.



6-التداخل المرجعي:جدلية الشراكة
والمحاصصة

لعل من نافلة القول التأكيد على أن الأساس في
أية ثقافة هو الرؤية التي تكونها الجماعة عن الكون والحياة والإنسان.. وهذه الرؤية
هي التي تستلهمها الجماعة في صياغة نظمها وقوانينها وقيمها الأخلاقية، وطريقتها في
الانفعال والاستجابة. إن الرؤية هي التي تكون الأصل وما ينتج انطلاقا من هذه
الرؤية هو عبارة عن تفاصيل تتنوع وتتغير بتنوع الظروف والأحوال وما تطرحه من مهمات على الجماعة، ولكنها تأخذ
قيمتها وتماسكها من انسجامها مع الرؤية العامة.

وعلى خلفية هذه التصورات يمكن القول إن التداخل المرجعي يتضمن معنى
الاختيار الموقفي بين بديلين، وقوتين ضاغطتين على الشخصية مما يؤثر في الفاعلية
(فاعلية الشخصية). ويمكننا هنا التمييز بين الفاعلية-بمعناها الايجابي، والتي
تتضمن القدرة على الفرز الموقفي ومن ثم التأثير وتوجيه الحدث والسلوك؛ أما معناها السلبي فيقصد بها : اللا
فاعلية والانحسار، بمدى القدرة على التلقي السليم. أي تلقي سليم بين الشخصية
والثقافة من خلال المجتمع من الفاعلية إلى التفاعل، ومن ثم الفعل أو السلوك.

فالفاعلية بهذا المعنى تتجسد في القدرة على
التأثير وتحقيق الهدف السليم للفرد وللجماعة والمجتمع.

ومهما اختلفت الرؤى بخصوص المواقف
والاتجاهات، تبرز في أي مجتمع تقليدي، أي مجتمع لا تحكمه دولة مؤسسات حديثة، وعلى
نحو خاص في المجتمعات النامية، ومنها المجتمع العراقي ثلاث قوى مؤثرة تعبر عن
طبيعة التداخل المرجعي القائم في المجتمع، وقد برز تأثير هذه القوى بشكل جلي بعد
انهيار سلطة الدولة التي
أعقبت احتلال العراق في نيسان 2003، ولعل ابرز هذه القوى: الأولى:
هي السلطة التي عادة ما تكون وليدة عصبية عرقية أو طائفية أو قبلية أو مناطقية
تهيمن على الدولة، ومن ثم تكون تقليدية الطابع، والثانية: القبيلة، وهي
مؤسسة تقوم على التضامن القرابي وتفرز أعضائها عن الآخرين وتترفع عليهم، ومن ثم
تكون تقليدية الطابع أيضا، والثالثة: الدين ويجري تسييسه من قبل فئات
متدينة وتحاول مزاحمة السلطة وانتزاع الشرعية منها والحلول محلها، وهو ما يدفع
السلطة ذاتها أيضا إلى التشكيك بتلك الجماعة وادعاء تمثيلها للمرجعية الدينية.

هذا التداخل أنجب ثقافة المحاصصة في العراق
الذي تبنته القوى السياسية قبل الاحتلال وتجسد في مجلس الحكم بعد الاحتلال، وهذا
يعني بالنتيجة إن تلك القوى وتوجهاتها التقليدية تنعكس سلبيا على سلوك الشخصية
التي تجد نفسها محاطة بضغوط متعددة، في غياب دولة مؤسسية توفر بديلا مرجعيا ممثلا
للمجتمع فتقل فاعليتها.

ثمة قضية أخرى تجدر الإشارة إليها هو أن
العملية الدستورية في العراق
زادت من تعميق الهويات الفرعية بوجود توجهات تحمل في ثناياها نُذراً سيئة لمستقبل
البلاد حيث أن هذه الهويات ليست منسجمة، بينما هي نتائج اندماجات لعناصر كثيرة
تتبع قيادات مختلفة بين علمانيين ودينيين. وفي صفوف الآخرين هنالك من يسعى إلى
إعطاء دور كبير إلى رجال الدين في ميدان السياسة بينما يوجد آخرون لا يريدون ذلك.

وبدلا من
أن يعالج الدستور الانشقاقات بين التجمعات
العراقية المتنوعة ويخلق إجماعا ً وطنيا ً يكون الدعامة الوطنية السياسية التي
تكبح جماح من يريدون زعزعة الأمن
والاستقرار والتمرد، فقد أصبح النص الدستوري عمومياً وغامضا بما يجعل إمكان الوسط
مع المعارضين أمرا ً صعباً وبما يظهر خلافات لا يمكن تسويتها، بل أن المفاوضات
صلبت المواقف وعمقت الاستقطابات[11].

بيد أن المصطلحات السياسية التي جرى تداولها بعد
9 نيسان 2003 في الحياة العراقية العامة خلقت التباسات كثيرة في مجمل الحياة السياسية
والاجتماعية حتى ظهر في الصحافة وعند العديد من الوزراء وبعض برلمانيين أيضا تأويلا
ثقافيا للديمقراطية ليس بمعناها المعروف أي " سلطة الشعب " بل بمعنى
" سلطة الكتلة " الفائزة بأكثرية مقاعد البرلمان .

وتشير كل الحقائق إن مكمن الخطورة التي تمظهرت
في العراق
بعد الاحتلال هو الترويج لأقوال وأفكار قائمة على خلفيات ومرجعيات عصبوية باسم التعبوية،
لتحويل المجتمع والدولة كلها إلى دولة تعبوية،
ومعروف للجميع أن " الدولة التعبوية " هي اكبر خصم للديمقراطية وقد أثبتت
جميع تجارب بناء الديمقراطية في الدول التي سبقتنا بان لا ديمقراطية من دون حرية المجتمع
كله وحرية قواه الفاعلة كلها.

هذه " الثقافة " تبرر كل إجراء سلطوي قمعي وقد انساقت قوى الديمقراطية
خطأ وبنوايا طيبة وراء إرادة ما تسعى إليه الثقافات الفرعية باسم الرغبة في التحالف
الوطني، مما أدى إلى اختلاط المفاهيم الديمقراطية مع مفاهيم التيارات السياسية ذات
التوجهات التجزيئية، فظهر منها مزيج من عدة
عناصر مبهمة أقامت نوعا من الإرادة المشتركة تحت عنوان " المحاصصة " التي
حالت دون قيام الديمقراطية في الدولة وفي المجتمع .

ثمة قضية أخرى تجدر الإشارة إليها، أن الاختلاط الملتبس بين الديمقراطية والمرجعيات
الثقافية على نطاق تشكيل الحكومة ( الوزارة ) أدى إلى ضياع تام في النظام العام للدولة
وهو النظام الذي يفترض أن يقوم على الوحدة المركزية في السلطة التنفيذية، لكن ظهرت
خلال السنوات الستة الماضية عدة سلطات تنفيذية قامت على فوضى الإدارة وليس للفوضى أية
صلة بنظام اللامركزية الديمقراطي .. كل سلطة ظهرت تبعا للجهة التي ينتمي لها الوزير
في هذه الوزارة أو تلك وتبعا لمصالح الحزب السياسي الذي أنيطت الوزارة إليه لإدارتها.
وهنا ظهرت بالتطبيق قيم ثقافية تنازعية في السلطة التنفيذية أو السلطات التنفيذية المتعددة
في مركز الدولة الجديدة وفي غالبية المحافظات. ويظهر الواقع نفسه إلى حدوث صراع بين الأحزاب السياسية
وتنازعها ( البصرة / كنموذج) لظهور "
سلطة الأحزاب " فيها وليس " سلطة الدولة " حين أحبطت أو فشلت صياغة
تسويات آو تحالفات طائفية بين جماعات ذات مصالح اقتصادية أو حزبية مختلفة أدت في أكثر
من مرة إلى تحول صراع الجدل إلى صراعات مسلحة بين ألأحزاب والقوى الفاعلة على
الساحة.

كذلك القول حول اختلاط الديمقراطية بالمرجعيات
الثقافية في التشكيلة الرئاسية لمجلس النواب
( البرلمان) كان متجاوبا تجاوبا مباشرا مع روح التقسيم وليس مع روح المبادئ الديمقراطية
مما جعل البرلمان قبة للتنازع حول المكاسب والمناصب التي تعزز سلطة هذه الجهة أو تلك
أكثر مما هو مؤسسة مختصة بالتشريع القانوني لتشييد وتعزيز مؤسسات المجتمع المدني. إذ لا يؤدي التنازع إلى تعزيز سلطة الشعب أو ممثليه
تجاه الدولة كما هو الحال في التجربتين البريطانية والهولندية اللتين حققتا فعليا استقلالية
المجتمع المدني وهو التعبير الحق عن الشرط الأول من شروط الديمقراطية .

هذه الأشكال في التكوينات الرئاسية والتنفيذية والتشريعية وربما حتى في تكوينات
السلطة القضائية التي لم تسلم من الضغوط السياسية أيضا توفر إمكانية تدخل القانون الحالي
والدولة الحالية لصالح الثقافات الفرعية وعلاقاتها المتبادلة في لعبة العملية السياسية
حيث النزاعات بينها تشهد دائما ما يسمى بتصريحات التهديد بالانسحاب منها كشكل من أشكال
الضغوط التي تمارسها الكتل وثقافتها . هذه الأشكال من العلاقات لا تؤمن فصلا تاما بين
الذاتية( العرقية أو الطائفية أو المناطقية) والحياة العامة في البلاد . وقد أكد المفكر
الليبرالي رالف دراندورف ( أن المهم في الديمقراطية هو ضبط الجماعات الحاكمة والتوازن
معها واستبدالها من حين لآخر ) ويبدو أن مثل هذه الثقافة لم يتردد صداها ، بعد ، في
العراق الجديد .

إن تبني المشاريع القائمة على الولاءات
الفرعية، بأبسط
أشكالها تـُلغي الشراكة والتعاون والتنسيق والتآخي، ومهما ادعت في مقالات وتصريحات
وأحاديث فأنها في الجوهر العملي تتطلع إلى انفرادية وأنانية قاتلة تلحق بقضايا المجتمع
أفدح الأضرار. فخوف جماعة معينة من جماعة أخرى مبرّرٌا بخوف الأولى من الثانية أو الثانية
من الأولى من محاولة هيمنتها المطلقة بدور قيادي انفرادي في العملية السياسية . ومن
المعروف سيكولوجيا أن الخوف لا ينتج منه غير العداوة الخفية أو المعلنة . وكثيرا ما
تسعى تلك الثقافات إلى التشظية وإلى إزاحة " الآخر " وإلغائه في سبيل حماية
استمرارية وجود ثقافتها.

إن
بروز تلك الثقافات في المشهد العراقي بعد الاحتلال أدى إلى حالة ً من التعصبية السلبية التي يعاني من تداخلها
جميع أبناء المجتمع بلا استثناء. وأخطر ما في هذه الظواهر أنها في غالب الأحيان تكون
باطنية ً ومغلفة وغير معلنة. إلا ّ أن سلوكيات أفرادها هي التي تشير إلى وجودها وفِعلها. إن ابرز نتائج هذه الحالة التي تنمو في ظل ظروف
اجتماعية ونفسية معقدة الآتي:

1-
تجلت اخطر مظاهر التداخل في المرجعيات الثقافية وبشكل حاد بعد الاحتلال، حيث ازداد
نفوذها في الشارع العراقي بسبب توفر عوامل موضوعية أهمها انهيار سلطة الدولة والتخلف
الثقافي والاجتماعي لدى نسبة كبيرة من الناس فضلا عن الضغوط الاقتصادية وارتفاع نسبة
المهمشين والمستبعدين والعاطلين عن العمل . ففي ظل انعدام وجود الدولة ومؤسساتها القانونية
والأمنية أصبح المواطن الفرد يشعر انه يتقوى بانتمائه العائلي، ويتقوى أكثر بانتمائه العشائري/القبلي ويصبح
أكثر قوة بانتمائه الطائفي .. من هنا نمت ونشطت العشائرية السياسية والطائفية السياسية
. وقد صاحب توفر هذه العوامل وجود اختلاف وتباين بين الجماعات والأحزاب الديمقراطية
التي لم تلعب دورا ثقافيا أو سياسيا منظما أو موحدا خلال السنوات التي أعقبت الاحتلال .

3- إن انهيار سلطة الدولة بعد الاحتلال،
وفقدان الأمن، أثار وبدرجات متفاوتة العوامل الكامنة في البنية الاجتماعية لحساب
الهويات الفرعية، الأمر الذي أسهم في زيادة نفوذ تلك الهويات وهيمنة الثقافة العشائرية والعرقية والطائفية
والجهوية بازدياد حجم ما يسمى بالأكثرية الانتخابية ونقصان حجم الأقلية ( الصابئة والمسيحيين
على سبيل المثال ) وصارت الهجرة إلى خارج الوطن وسيلة للخلاص من خطر الموت أو الاختطاف .

4- سيادة الأفكار النمطية الجامدة أو الأفكار
المقولبة عن " الآخر " وهي تفتقر إلى الحقيقة الكاملة عنه. وهي غالباً ما
تؤدي إلى تنمية النظرة التمييزية تجاه لآخر،
أدى إلى ثقافة اقصائية مدمرة، هددت بشكل أو بآخر عمليات الاندماج الاجتماعي.

5- لقد أسهم الانحراف الواضح في بعض أجهزة الثقافة والإعلام وبعض وسائلها
في القطاع الخاص في تأزم الأوضاع، بل إن البعض منها ابتعد عن دورها الثقافي الايجابي. ولا ننسى أنّ لوسائل الإعلام أيضا دوراً في تغذية
الاتجاهات التعصبية لهذا الطرف أو ذاك ، مما اوجد حالة من الفرز والاستقطاب لم يشهده المجتمع العراقي من قبل .

وحينما نتحدث عن هذه التطورات، لا بد لنا أن نؤكد إن الحق في الاختلاف معترف به
ثقافيا لكن يجب ألا ّ يؤدي إلى انعزال المكونات والى تعطـّل التواصل الاجتماعي واللامبالاة
بالآخر أو المطالبة بالمزيد من الحقوق لهذه الطائفة على حساب حقوق غيرها . إن قبول
الآخر يعني المساواة والمنافسة الشريفة غير القاتلة أو المدمرة له.

المبحث الثاني: الأزمات والعمل البرلماني

لا يراودنا أي شك بان كل تلك الخروقات
والانحرافات التي اقترفت في المجتمع العراقي ليس مردها أسباب آنية بقدر ما هي
منتجات مجتمع مضطرب أصابه خلل متفاقم منذ زمن طويل، وما تلك المجازر والعنف وهذا
الإرهاب وهذه القسوة ما هي إلا عبارة عن تعبير عنيف ونادر الحصول تذكيه دوما
وتوقده باستمرار سيكولوجية اجتماعية صعبة ومعقدة تلبست بها الشخصية العراقية في
مناطق جغرافية متنوعة سواء في الريف أم المدن[12].

1- المرجعيات
الثقافية في ظروف الأزمات

تترك الحروب الأرض
التي يحترب عليها المحاربون خرابا ويبابا، وتخليها من الناس الذين يرعون حسرتها
وزرعها وضرعها، ومن العلامات التي ترسم فروقا وتخط حدودا. وفي هذا السياق يرى غاستون
بوتول[13]، في كتابه هذه هي الحرب، إن الحرب أروع الظاهرات الاجتماعية بلا خلاف. وهي
أيضا العامل الأساسي الذي يلعب دورا كبيرا في التحول الاجتماعي. إنها صورة من صور
الانتقال العجل(وفق تعبير بوتول). الحرب كما يراها بوتول تساهم في انتقال الثروات[14] ، إفقار فئات والصعود بأخرى، وإحداث أثر كبير على السكان[15]، ومنها زيادة الوفيات وخاصة الشباب. إنها تؤدي إلى تغيرات ديمغرافية واسعة
مثل تأخير سن الزواج وهجرة الشباب وارتفاع نسب الفئات المهمشة Vulnerable
Groups، (الأيتام والمعوقين
والأرامل وغيرها. والحروب قبل هذا وذاك مصدر قلق وتوتر وانفعالات لا يضاهى، تنتزع
الفرد من محيطه المعتاد وتضعه في محيط مادي ونفسي غريب. وتقدم الأزمات العراقية
الكثير من الأمثلة لمثل هذه الانفعالات انعكست في ممارسات سلوكية وأخلاقية غير مألوفة. ذلك ان الحروب تؤدي إلى هدم بعض
القواعد الأخلاقية، ورفع المحرمات (التابو)، بحيث تباح أعمال كان من المألوف تحريمها
فتصبح مستحبة أو تفرض فرضا[16].وقد نتج عن كل هذه المتغيرات ظهور مشكلات اجتماعية، ديمغرافية وسلوكية
باتت تهدد الأمن الإنساني في العراق.

غالبا ما
تقود الحروب والأزمات إلى تغيرات اجتماعية عميقة، فالأمم التي تقاتل من أجل البقاء،
أكثر عرضة للتغير في إطارها الاجتماعي والسياسي والاقتصادي. وتشير المعطيات إن
ظروف الأزمات تؤدي إلى ردود فعل تتباين من مجتمع إلى آخر، وتؤدي الخبرة التاريخية
دورها المهم في ذلك. إذ أن تلك الخبرات تعني ألفة الفرد بالأزمة، واستيعابه
تفاصيلها، وفي بعض المجتمعات يتعزز الطابع التعاوني المؤسسي الذي يميز سلوك
الأفراد والجماعات. بينما تظهر في مجتمعات أخرى ردود فعل متوترة ذات طابع فردي
أناني، وحوادث سلوك جمعي غير خاضعة للضبط
والتوجيه، مما يؤدي إلى مضاعفة الآثار السلبية لفعل الأزمات، وخصوصا في
البيئات الحضرية التي تتسم باللا تجانس السكاني Heterogeneous والحجم
الكبير والكثافة السكانية العالية فضلا عن سيطرة العلاقات التعاقدية المصلحية
النفعية على المشهد الاجتماعي[17].

إن انفصال الفرد عن روابطه الأولية وضعف انتمائه
للمجتمعات المحلية والثقافات الفرعية في ظروف الأزمات يدفعه للارتباط والاتصال
بالمؤسسات والجماعات التي يتعامل معها، وإذا لم تتح له المؤسسات فرصة الارتباط
والولاء والشعور بالتفرد والذاتية، فان ذلك قد يدفع به للبحث عن ذاته بالخضوع
لجماعات منحرفة، أو التقرب من الرؤساء والخضوع لهم بالمشاركة في الاتجاهات العدوانية
أو بالتودد وتقديم الرشوة، مما يتيح له فرص التفاهم لتحقيق مكاسب غير مشروعة بغض
النظر عما يترتب على سلوكهم من ضرر بالمصلحة العامة[18].

وفي
المجتمعات النامية التقليدية، غالبا ما يؤدي انهيار سلطة الدولة المركزية، أو
ضعفها إلى اندلاع النزاعات بين مختلف الفئات العرقية والقبلية والطائفية. كما تؤدي
إلى اتساع دائرة العنف التي تستغل الفوضى العامة لتنفيذ مخططاتها، بل والسيطرة على
بعض المناطق التي تنهار سلطة الضبط فيها،
فتقيم على أنقاضها العوامل الكامنة في البنية الاجتماعية لحساب الهويات
الفرعية[19].
فتخرج سلوكيات من عقالها لتشيع الفوضى والاضطراب
بين شرائح المجتمع ومؤسساته.

ويبدو أن هذه القضية تزامنت مع ظهور النظام
الدولي الجديد ، حيث أصبحت الدول الضعيفة غير قادرة في كثير من الأحيان على تقرير
مصائرها. ويذهب عالم الاقتصاد مانويل كاستلز في قراءته للتحولات التي تمر بها
الدولة -الأمة على استجلاء مظاهر التبعية المتزايدة لهذه الأخيرة في علاقتها بالأسواق
والقروض الخارجية. بل أن كاستلز يصل إلى استنتاج مفاده أن "الدولة الأمة قد
غدت أكثر فأكثر عاجزة عن التحكم في السياسة المالية، وتقرير الميزانية، وتنظيم الإنتاج
والتجارة، وتحصيل الضرائب، والقيام
بالتزاماتها في توفير الخدمات الاجتماعية. لقد خسرت، باختصار، معظم قوتها
الاقتصادية، على الرغم من أنها ما زالت تحافظ على بعض قوتها التنظيمية، وتمارس
تحكما نسبيا في رعاياها"[20].

إن هذه التحولات التي يشهدها
العالم جعلت كاستلز يرى أن الديمقراطية التمثيلية تتعرض اليوم إلى أزمات حادة في
البلدان المستقرة، فكيف الحال في الديمقراطيات الناشئة كما هو في العراق مثلا. إن هذه ألازمات تتجلى في العناصر الناظمة
والمحورية لهذا الوضع الميديا. وتحديدا طريقتها في تحويل التبادل (النقاش) العام
واليات بناء الرأي إلى موضوعات تتعلق بالتسويق السياسي وصناعة الصورة. ويقدم كاستلز
تدليلا على ذلك، مثالا واقعيا تمكن معاينته، ويتمثل في المعطيات التي تشير إلى
تراجع مستويات المشاركة السياسية في الديمقراطيات العريقة في الولايات المتحدة وأوربا
الغربية مثلا. وتتجسد الأخطار الجديدة الأخرى، في الإمكانات اللامتناهية
والمتعاظمة للرقابة الالكترونية، التي لن تساعد بالضرورة، الدولة-الأمة على
استعادة هيبتها وقوتها. ويذهب إلى إننا نتجه نحو تكريس رقابة مجتمعية جديدة بدل
الرقابة التقليدية التي تمارسها الدولة، حيث تستثمر شركات البرمجيات المتطورة
والخدمات الالكترونية تفوقها لمعرفة أدق الأشياء وأكثرها روتينية في يومياتنا، بل
حتى حياتنا الحميمية، وتقوم هذه الشركات باستثمار المعطيات التي تجمعها في أغراض
تسويقية متعددة، وفي إقصاء المنافسين غير المرغوب فيهم[21].

ومقابل
هذا التحول بمستقبل الدولة والأشكال التقليدية للديمقراطيات التمثيلية، يلتفت
كاستلز إلى بعض التوجهات التي تحمل قيما ايجابية، والتي يمكن أن تفتح للعالم آفاقا
ديمقراطية جديدة. ويندرج ضمن هذه التوجهات، إعادة بناء الدولة على قيم جديدة،
استخدام الاتصال الالكتروني في إعادة الاعتبار للمشاركة السياسية وتفعيلها، وتعبئة
المواطنين حول قضايا غير سياسية، مثل قضية البيئة مثلا. وتلعب منظمات المجتمع المدني اليوم إلى جانب المنظمات الدولية غير الحكومية مثل
منظمة العفو الدولية أو أطباء بلا حدود
وغيرها، دورا محوريا في خلق وتوسيع دائرة التعبئة. إن هذه الفضاءات
الجماعية هي التي ستعيد الشرعية، حسب كاستلز، إلى الكثير من القضايا والرهانات
المجتمعية، وذلك من خلال احتضان الأفراد لها وهو ما يمكن ان يكون بداية لبزوغ عصر
جديد من الديمقراطية[22].

2- التداخل
بين التقاليد وحكم القانون

في ظل التداعيات التي يشهدها المجتمع العراقي اليوم
يبقى التحدي الأول هو كيفية الحفاظ على النسيج الاجتماعي، مع مواجهة
المخاطر المتزايدة التي تتسبب بها السلوكيات المنحرفة في حياة قسم كبير من البشر،
ذلك أن الكثير مما نلاحظه اليوم من ممارسات وسلوكيات يومية خاطئة تطفو على السطح تشجع الفوضوية وعدم الانضباط أو
احترام القانون والاعتداء على مشاعر وحقوق الآخرين إنما هو ناجم عن تأثر المؤسسات المجتمعية وإلى حد كبير بالمحيط الثقافي والاجتماعي
المحيط بها . فالمجتمع في كثير من الأحيان يسير تلك المؤسسات وليست المؤسسات هي
التي تؤثر في المجتمع وتقوده. إنها دوافع
اجتماعية تذكيها تناقضات الحياة العراقية،
ففي المؤسسات الرسمية وغير الرسمية اليوم تجد الواسطة والمحسوبية والوصولية
والمداهنات والتسلق وطلب الولاية والمناصب والتدخل في العلاقات... كلها تعبير عن
كبت داخلي للاستحواذ على القوة والمال والجاه[23].
وهذه الظاهرة تبرز بشكل واضح في المجتمعات
التقليدية، إذ تسبق فيها تكويناتها
الاجتماعية تنظيماتها السياسية، ذلك إن المجتمع ( society) إنما يكون فيه
أسبق زمنا وأقدم عمرا من الدولة (State). هذا السبق للمجتمع على الدولة في المجتمعات
التقليدية ومنها مجتمعنا، زاد في حجم
المجتمع على حساب الدولة إلى الحد الذي يمكن فيه للمجتمع من أن يحتوي الدولة
نفسها. ومما يلاحظ إن مثل هذا التفاوت بين ثقل وفاعلية كل من المجتمع والدولة،
إنما يبرز في اختلاف وظيفة كل من هذين النظامين. وهنا تبرز الفجوة بشكل واضح بين
الأقوال والأفعال يجعل من إمكانية تحقيق التنمية البشرية المستدامة صعبا ومعقدا
يتطلب فيه تضافر الجهود المجتمعية القائمة على إعادة تثقيف المجتمع بغرس قيم
احترام القانون وحقوق الآخرين وإشاعة ثقافة التسامح والحوار وحق الاختلاف في الرأي
وجعلها أولوية وطنية تمكنه من تجاوز المحنة وتجعله مجتمع أكثر تحضرا وإنتاجا وقوة.

وليس ثمة شك في أن أهم المشكلات،
التي تشكل تحديا لعملية الاندماج والشراكة في مجتمعنا، هو طغيان ثقافة وقيم الغلبة
المستمدة من البداوة والمبنية على مبدأ أخذ الكثير بأقل القليل بغض النظر عن حقوق
الآخرين ودون حساب درجة الاجتهاد ومستوى الإنتاجية. وقد استشرت هذه المنظومات القيمية وتجذرت في ظل
غياب سلطة الدولة التي أعقبت ظروف الاحتلال
عام 2003، وإتاحة الفرصة للثقافات الفرعية في التعبير عن مكنوناتها التي لا
تنسجم بالضرورة مع آليات الضبط القانونية
والرسمية والأخلاقية، فخرجت سلوكيات من عقالها لتشيع معايير إنحرافية لا تنسجم مع
آليات الضبط المجتمعي الصحيحة. ففي ظل هذه المنظومة لم يكن مستنكرا أن يجاهر اللص
أمام زملائه بأنه استولى واغتصب أموال
الناس أو الدولة دون وجه حق. وكذلك الطالب يتفاخر أمام زملائه بأنه غش في الامتحان؛ أو ذلك الخريج الذي لا
يخجل من وصف وظيفته التي حصل عليها للتو بأنه بالكاد يقوم بأي عمل ليجد الجالسين
من حوله يحسدونه على ذلك! إن المشكلة الحقيقية تكمن في أن الناس قد تربوا على مبدأ (إذا لم تظلم الناس تظلم) ومقولة (إذا لم
تكن ذئبا أكلتك الذئاب) . انه قانون الغاب الذي يفترس فيه البعض بعضا كلما لاحت في
الأفق فرصة، دونما رادع أخلاقي ولا مراعاة لحقوق الآخرين. لقد هان على الناس الظلم
حتى إنهم استسهلوه فلا الظالم يحس بظلمه ولا المظلوم يعي ما يقع عليه من ظلم! فالكل يتوهم إن الوضع المتراخي المطاطي
وغير الانضباطي يتيح الفرصة للحصول على ما ليس له، فاليوم مظلوم وغدا ظالم! المهم
هو أن تتحين الفرصة وتفوز بالغنيمة قبل غيرك وتحصل على قصب السبق في صراع محموم
وتنافس شديد في لعبة لا تخضع لقوانين
وأنظمة ولا لمنطق وقيم سوية رشيدة!


*************************
إبراهيم حسن
مدير منتدى أنثروبولوجيون في العالم
Anthropologists in the world‎‏‏

إبراهيم حسن
المدير العام للموقع
المدير العام للموقع


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: المرجعيات الثقافية وأثرها في العمل البرلماني في العراق: جدلية التداخل و التكامل

مُساهمة من طرف إبراهيم حسن في 6/9/2010, 12:34

إن من المؤسف حقا أن نقول أن احترام القانون وحقوق الآخرين أصبحت سبة يوصف صاحبها بالسذاجة والضعفولربما شك في قدراته العقلية! لم يعد البعض يطيق احترام القانون، فقد يسيطر عليه
وهم التميز عن الآخرين، وانه يصح له ما لا يصح لغيره! لذا لم يكن مستغربا أن تتفشى
ظاهرة الاستعلاء على الآخرين بسبب أن الموظف الفلاني أو الأستاذ الفلاني على علاقة
طيبة مع المسؤول عن الدائرة التي يعملون فيها! يشجع على ذلك ان المسؤول عن الدائرة
أعطى المجال لأشخاص غير جديرين بتولي المسؤولية لأنهم لم يراعوا حقوق الآخرين
واحترام القانون وكان شغلهم الشاغل هو لتحقيق مصالحهم الخاصة حتى ولو كان ذلك على
حساب المصلحة العامة، وكأنما كل واحد منا يعيش في معزل عن الآخر ولم يعلموا أن
المجتمع كالسفينة تتطلب تكاتف الجميع للإبحار بها إلى ساحل الأمان. إنها السفينة
التي انحشر فيها الجميع: الكل في قارب واحد باتت تتقاذفه الأمواج تعصف به في غمرات
بحر لجي أو محيط متلاطم ، ولكن ركابه في كل حال شركاء في مصير واحد، مهما تباينت
حظوظهم أو ثرواتهم أو مقدار ما حصلوه من علم أو مكانة، فالكل متوحد المصير، إما أن
يغرقوا معا وإما ان يصلوا إلى مرفأ الأمان.



المبحث الثالث: خيارات لفك التداخل وتحقيق
التكامل

إن الظاهرة العرقية أو الطائفية أو القبلية المسيسة التي برزت بشكل واضح بعد
الاحتلال هي من التعقيد الذي ليس من السهل تجاوزه بسهولة، ولذلك فان الحاجة قائمة اليوم إلى أن يوجه المجتمع العراقي الوجهة الحضارية
المناسبة بما يحقق التطوير والتنمية من خلال تحويل المتعارفات الثقافية إلى اداءات
سلوكية تحقق الوصل بين السقف الحضاري وحركة
الأفراد في المجتمع. ولعل من أهم الوسائل لتحقيق ذلك، هو فك ارتباط الدولة بالقبيلة
أو الجهة بالطائفة أو وتطوير مؤسسات المجتمع المدني التي تخلق انتماءات
بديلة يمكن أن تستوعب القيم الطائفية أو القبلية التقليدية في إطار المظلة الوطنية
الكبرى الجامعة.

يمكن
تحديد مجموعة من الخيارات والمؤشرات التي يمكن أن تساعد على فك التداخل المرجعي وتفعيل
الشخصية العراقية أهمها:

1-تأكيد أهمية الانتماء للمجتمع العراقي الأكبر
وتجاوز الولاءات التقليدية التي تمارس نوعا
من الفرز والتشظي غير الموضوعي للنسيج المجتمعي العراقي، ويكون ذلك عبر توجيه جهود
مؤسسات الدولة والتشكيلات التقليدية والحداثية للمجتمع المدني نحو توسيع آفاق التفاعل وإثارة الوعي الاجتماعي بأهمية وجود
منظور تنموي يجمع ويوحد كل العراقيين تحت خيمة
واحدة هي العراق الواحد الموحد.

2-قيام الدولة ببناء مؤسسات قوية يكون ولاءها
للمجتمع العراقي الأكبر وليس لأي من الجماعات التقليدية السائدة سوف يسهم في دفع الأفراد
إلى اتخاذها مرجعية لهم بدلا من الاستناد إلى مرجعياتهم التقليدية سواء العرقية أو
القبلية أو الجهوية أو الطائفية أم غيرها من
المرجعيات البديلة لمرجعية المجتمع الكبير، وبالتالي ستسهم في تعزيز وحدة الشخصية العراقية
وتمكنها من تحقيق ذاتها وفاعليتها.

3-لقد شهدت الفترة التي أعقبت الاحتلال في
نيسان 2003 التقاء مختلف التيارات السياسية والاجتماعية والثقافية، التي لم تستطع التخلص
من ارتباطاتها التقليدية، الأمر الذي أدى إلى
حدوث احتكاكات وجدل ونزاعات فكرية وسياسية،
عقدت من الأوضاع وخلقت تخندقات واصطفافات نجمت
عنها آثار سلبية شكلت عقبة في طريق التفاعل الاجتماعي . من هنا فان المصالحة الوطنية
الحقيقية تشكل المطلب الأساسي لتحقيق الاستقرار السياسي والأمني والاجتماعي للمجتمع
العراقي، وينبغي لتلك المصالحة أن تتطلع إلى المستقبل وتتجاوز حسابات الماضي دون تفريط
بمصالح المجتمع العليا واستحقاقات الأجيال الحالية والمستقبلية.

4-الانتقال السلس في الوضع القائم إلى مستوى
الحداثة دون إخلال بالاستمرارية، ذلك عبر بلورة سياسة مناسبة لتحقيق هذا الانتقال،
ولا بد من أن تقوم هذه السياسة على الاتفاق وتنسيق دور السلطة الوطنية مع دور لمؤسسات
المجتمع المدني على قاعدة منظور تنموي تشارك صياغته ومتابعة تنفيذه المؤسسات الرسمية بالتكامل مع المؤسسات
الطوعية.

5-التأكيد على أهمية تكريس الوعي الايجابي المتقبل للآخر ذو الثقافة المختلفة
. مما جعل الحديث عن المساواة في الحقوق والواجبات بين البشر أمراً ممكناً بدلاً من
التركيز المرضي على الذات . واعتبار الأخر (المختلف ) عدواً . ذلك أن معرفة الآخر والحوار
معه ، واحترام حقوقه ، لا يعني الذوبان فيه .وما يقال عن الأفراد يقال عن الجماعات.

1- التنمية البشرية كمحور للتمكين

تقدم الشواهد التاريخية أن المجتمعات الأصيلة Genuine
ذات الخصوصية الحضارية المتكافلة، القادرة على النهوض والتطور تبتكر
آليات مختلفة يطلق عليها إجمالا وسائل
"الضبط الاجتماعي" كسبيل لاحتواء حالات التداخل والصراع أو تقنينه بحيث لا
يصل الأمر إلى فناء المجتمع. ويندرج ضمن هذه الوسائل نسق القيم والمعايير الذي يعمق
الانتماء والولاء والاحترام للمجتمع الأكبر، ويعطيه أولوية على التكوينات الاجتماعية
الأصغر. إذ يراعي الأفراد والجماعات ومن مختلف المرجعيات إدارة توتراتهم وصراعاتهم
على أن لا يتجاوزوا الحد الذي يهدد الكيان المجتمعي الأكبر أو يحرمهم من عضويته. لذلك
فان إحدى وظائف النسق ألقيمي -المعياري هي ان يكون بمثابة كوابح وروادع داخلية للسلوك،
لمنع تجاوز حدود معينة تهدد الكيان الاجتماعي الأكبر.

وقد تحدث ابن خلدون عن هذه الكوابح، وقال إن وسائل الضبط الاجتماعي
من الكوابح تتدرج عند أفراد المجتمع وتكويناته، إلى كوابح وروادع خارج هؤلاء الأفراد
والتكوينات ممثلة في السلطة السياسية.

وهنا تجدر الإشارة أن الاستجابة للمستويات الأعلى
من آليات الضبط الاجتماعي تتوقف على وعي وإحساس الأفراد والجماعات بان عضويتهم في الكيان
المجتمعي القائم هي أفضل ما هو متاح لهم من بدائل ممكنة لإشباع حاجاتهم المادية والروحية
والمعنوية.

ويرفدنا التراث العربي الإسلامي بشواهد
مهمة للبناء التنموي ألتمكيني الذي يركز على إعلاء الضوابط التي تعلي من شأن القيم
السامية التي تحفظ على المجتمع تماسكه، وتكفل لنظامه السياسي سلامته. وفي هذا الإطار
نشير لبعض مما ورد في كتاب وجهه الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) إلى مالك بن
الحارث الأشتر حين ولاه مصر. فقد بدا بتحديد عهده إليه في (جباية خراجها، وجهاد عدوها،
واستصلاح أهلها، وعمارة بلادها). فقد جمع بين وظائف الدولة التقليدية، وهي تحصيل الضرائب
والدفاع عن البلدان من التحديات، إلى جانب الوظائف التنموية مشتملة استصلاح شؤون البشر،
وعمارة البلاد، وهو ما يعطي التنمية البشرية أولوية إلى جانب التنمية الاقتصادية. ثم
يمضي في التأكيد على المساواة بين جميع الفئات
بغض النظر عن الدين أو العصبية أو المكانة أو الجهة او المنطقة (فإنهم صنفان: إما أخ
لك في الدين، أو نظير لك في الخلق......أنصف الله وأنصف الناس من نفسك، ومن خاصة أهلك،
ومن لك فيه هوى من رعيتك).

واليوم
فان ابرز متطلبات بناء الإنسان وتحريك المجتمع
في العراق، هو ترسيخ مبدأ ربط التنمية البشرية بعمليات التجديد والتحديث؛ تجديد الفكر
وتحديث المجتمع، الشيء الذي يعني أولا وقبل كل شيء" تحريك السواكن" في كل منهما بهدف ربط الماضي
بالحاضر في اتجاه المستقبل. وبما ان العراق
هو من المجتمعات ذات الامتدادات عميقة الجذور
لازمان سحيقة ، يتوحد فيه الإنسان والجغرافيا والتاريخ، مشتركا في التراث والتطلعات
والطموحات، وتوحده أيضا التحديات التي تنظر إليه "كآخر"، وكمجال لمصالحه،
فان خلق التنمية التمكينية اليوم لا يمكن أن يتجاهل هذه الحقائق: حقيقة التكامل بين
مكونات المجتمع العراقي بشريا واقتصاديا، فضلا عما يجمع مكوناته من وحدة الثقافة ووحدة
المصير.

2-القانون
أداة لتعزيز المواطنة

الإنسان في
كل مكان وزمان لا يعيش قي فراغ، كما انه لا يتحرك ولا يعمل وحيدا، وإنما هو كائن
بشري يحيا ويتحرك من خلال تنظيم مجتمعي له أوضاعه ونظمه ومؤسساته الاقتصادية
والاجتماعية والدينية والسياسية، وفي استخدامنا الغالب لمفهوم الموارد البشرية
تبرز عملية تنمية هذه الموارد كأنها
محكومة بالقوى والمؤسسات والقيم السائدة التي تحتضنها تلك المؤسسات المجتمعية.

إلا أن ظروف المجتمعات المأزومة
تفرض واقعا اجتماعيا وسياسيا وقانونيا استثنائيا يتعرض الناس فيه إلى تهديد لقيمهم
ومعاييرهم الضبطية وتضعف حالة الانتماء الاجتماعي بين أفراده. إذ غالبا ما تقوض
الفوضى التي تولدها الحروب حكم القانون. فعندما تبدو الحياة رخيصة في الحرب، فان
القيود القديمة كثيرا ما تكون غير جديرة بالبقاء، حيث يتهرأ النسيج ألقيمي والأخلاقي
في المؤسسات المسؤولة عن سيادة القانون، ويبقى الأمن الاجتماعي مهددان مادام بعض
العابثين بأمنه يتمكنون من الإفلات من العقوبة بواسطة المال.

من هنا يعد الوعي بالمواطنة نقطة البدء الأساسية في تشكيل نظرة الإنسان إلى
نفسه والى بلاده والى شركائه في صفة المواطنة من خلال توفير الحد الأدنى من حقوق المواطن حتى يكون للمواطنة معنى ويتحقق
بموجبها انتماء المواطن وولاءه لوطنه وتفاعله الايجابي مع مواطنيه نتيجة القدرة
على المشاركة الفعلية والشعور بالإنصاف وارتفاع الروح الوطنية لديه عند أداء
واجباته في الدفاع عن الوطن، ودفع الضرائب، والمساهمة في صنع الحضارة. وان غياب حقوق المواطنة يؤدي إلى تداعي الشعور
بالانتماء الوطني .

وهنا لابد من الإشارة إلى أن وضع المواطنة يبقى ناقصاً في حالة عدم
الاعتراف بأن حريات الأفراد بمفهومها الواسع هي حقوق لهم في مواجهة الدولة والمجتمع،
يتحدد بموجبها الهوية الوطنية. وهي ليست مكاسب، يمكن للنظام السياسي أن يمنحها لمن
يشاء ويمنعها عمن يشاء ، فضلاً عن أهمية زوال وجود مظاهر حكم الفرد أو القلة من
الناس ، وتحرير الدولة من التبعية للحكام ، وذلك باعتبار الشعب مصدر السلطات وفق
شرعية دستور ديمقراطي ، ومن خلال ضمانات مبادئه ومؤسساته والياته الديمقراطية على
ارض الواقع[24].

وإذا كانت المواطنة تمثل المشاعر التي يتمتع بها
المواطن وبموجبها يتنازل عن مصالحه الخاصة من اجل الصالح العام، فان هذه المشاعر تنمو
وتترعرع عندما تكون الدولة عادلة في توزيع الثروات وحامية لحقوق الفرد المدنية والسياسية.
وتلعب خدمات التربية والتعليم والأديان والأفكار الاجتماعية دورا محوريا في تنمية تلك
المشاعر التي يعبر عنها المواطن بأشكال مختلفة: العمل الطوعي، والحرص على دفع الضرائب،
والمشاركة في الانتخابات، وحماية الحق العام......

وبالعودة إلى التفسيرات السوسيولوجية للمشكلات الاجتماعية القائمة على
ارض الواقع في العراق، يقدم الوردي تحليلا
علميا معمقا لحالات التجاوز التي يمارسها العراقيون على الحق العام وخرق القانون. إذ
يرى أن العراقيون منذ العهد العثماني يعتبرون
الحكومة عدو لهم، فهم يفتخرون بعصيان أوامرها، ويحتقرون من يتعاون معها، وإذا جاءهم هارب من الحكومة ولجأ عندهم "دخيلا" فالمفروض
فيهم ان يخفوه ويدافعوا عنه ويظللوا رجال الحكومة عنه[25].

إن
المشكل الذي نعاني منه اليوم إن الكثير من
هذه العادات الاجتماعية قد بقيت شائعة بين
الناس حتى أيامنا هذه، ولا يزال الكثيرون منهم لا يحتقرون من يخالف القانون، أو يكسر مصابيح الشارع، أو يخرج على صف الانتظار، أو
يعاون للصوص. وربما احترمه بعضهم واعتبره رجلا قويا يتحدى الحكومة ولا يخاف منها[26]. بل أن بعض الممارسات
اللا قانونية يعدها البعض دليل شطارة وعنوان ذكاء.

ولعلنا نستفيد من تجارب الكثير من البلدان (الفقيرة
والغنية)، التي تظهر بشكل جلي أن مصادر الرخاء والازدهار لا تعود إلى العمق التاريخي، ولا لتوفر
الموارد الاقتصادية، ولا لنوع الديانة أو لون البشر ، بل نجد أن الدول المتقدمة اليوم
تتصف بشكل عام: باحترام المواطن للقانون، وبأداء العمل الطوعي، وبالأداء الأمين للأعمال،
وبالقبول للطرف الآخر، وبالإيمان بالقيم الإنسانية
وغيرها. وقد أظهرت دراسة علمية قام بها اين وكر Ian Walker رئيس معهد فريزر الكندي Fraser Institute ، حاولت ان تفسر حالات الرخاء الاقتصادي
في بعض الدول (شملت الدراسة 135 دولة)، أن متطلبات الحرية الاقتصادية مهم، ولكن العامل
الأكثر أهمية هو تطبيق سيادة القانون. واثبت
الباحث إحصائيا وجود علاقة طردية بين سيادة
القانون (من جهة) ونمو الناتج المحلي الإجمالي، وحجم الاستثمارات الأجنبية، والعمالة،
وحرية التعبير والشعور بالمسؤولية، وعكسيا مع نسبة البطالة، ونسبة الفساد، وسوء توزيع
الثروة[27].

نقف
هنا قليلا لنؤكد انه إذا كانت سيادة القانون تعني احترام المواطن للقوانين والتعليمات
العامة، وان هناك نوعا من التوافق بين الصالح
العام والخاص، فان تجارب الكثير من البلدان اليوم تظهر أن الحالة الاقتصادية المتطورة
لم تكن لتتحقق دون توفر التشريعات القانونية المناسبة واحترام سيادة القانون. وتقدم
دولة الإمارات العربية المتحدة نموذجا رائدا في هذا المجال. فلم تكن حالة التطور الكبير
في دبي ناجمة عن سخاء الطبيعة ولا للطبيعة المتميزة للإنسان الإماراتي. مقابل ذلك نجد تراجعا وتقهقرا في تجارب الإصلاح
في روسيا وبعض دول أميركا اللاتينية بسبب غياب الأسس الضرورية لسيادة القانون[28].
كما تقدم تجربة البوسنة في تنوعها العرقي أن عدم الولاء وغياب الشعور بالانتماء
للوطن الواحد، أدى الى فشل كثير من الجهود الإصلاحية.

والإشكالية الثانية: أن هناك ظاهرة اجتماعية عامة نكاد نلاحظها في كل مكان، هي أن الفرد العراقي
ميال إلى انتقاد حكومته ووضع اللوم عليها في كل ما لا يعجبه من أمور الحياة، وكثيرا
ما يقارن حكومته بالحكومات في البلدان المتقدمة، ثم يأخذ بالتأفف والشتم[29].
انه يريد أن تكون أرقى حكومة في الدنيا لكنه ينسى انه لا يتعاون معها ولا يطيع قوانينها.
وكما يرى الوردي انه يريد منها أن تكون كحكومة السويد مثلا، بينما هو يسلك اتجاهها
كما كان أبوه يسلك تجاه الحكومة العثمانية، انه حفظ الحقوق التي له على الحكومة كالمواطن
السويدي ولكنه لا يقوم مثله بالواجبات التي لها عليه[30].

إن الحقيقة التي لا يمكن الاختلاف عليها، أن متطلبات
بناء الإنسان والمؤسسات في العراق اليوم تستلزم
الاهتمام بالتربية والتعليم، إلى جانب استكمال متطلبات العملية السياسية، وتطوير عمل
مؤسسات المجتمع المدني في نشر مبادئ العقد الاجتماعي، فضلا عن تامين شبكات الأمان الاجتماعي،
والتخفيف من الفقر والحد من البطالة، مع توزيع عادل لثمار النمو، واعتماد ثقافة الانجاز
والأداء بدلا من ثقافة الولاء. أن جميع هذه المتطلبات ستؤدي إلى تعزيز المواطنة الصالحة.

وحينما نتحدث عن هذه المتطلبات نشير إلى تجارب
الشعوب التي مرت بظروف مشابهة لظروف العراق كيف أعادت تلك المواطنة لألمانيا الغربية
المدمرة الحياة (بعد الحرب العالمية الثانية). إذ لم تستطع معامل "الفولكس واكن"
الشهيرة بإنتاج السيارات أن تلتقط أنفاسها لولا قيام العاملين بعد الحرب مباشرة بالعمل
دون مقابل والى حين.

وتأسيسا على
ما تقدم يمكننا القول، إن المواطنة تتجاوز النصوص القانونية لتسمية مواطنين على
الأفراد الذين يحملون جنسيتها وتوحد بينهم مجموعة قواسم مشتركة, لتشمل إضافة لذلك
المشاركة النشيطة لأولئك المواطنين في الحياة السياسية لمجتمعهم ونوع من الفعل
الذي يجسد تلك المشاركة. فضلا عن أهمية التمتع بالحقوق الأخرى التي تتمثل بالتحرر
من جميع أشكال الحط من الكرامة الإنسانية مثل الجوع, والمرض, والجهل, والخوف
وغيرها.

ونعود فنؤكد هنا، إن حقوق المواطنة هي
ليست مكاسب يمكن للنظام السياسي أن يهبها لمن يشاء ويحجبها عن من يشاء، بل هي حقوق
أساسية يعد الوعي بها نقطة البدء الأساسية في تشكيل رؤية الإنسان إلى نفسه
ومجتمعه, وتشكيل انتمائه وولائه لوطنه وتفاعله الايجابي وأداء واجباته في الدفاع
عن الوطن ودفع الضرائب وان غياب حقوق المواطنة يؤدي إلى تداعي الشعور بالانتماء
الوطني.

إن كل واحد
منا محتاج للآخر لكن تحت مظلة القانون وداخل إطاره، ليسهم كل من موقعه وحسب قدرته في
تنمية المجتمع والارتقاء به إلى مستويات أعلى من التطور والحداثة. لقد آن الأوان أن نرتقي بمسؤولياتنا وثقافتنا عبر
زرع قيم احترام القانون في البيت والشارع والجامعة والمؤسسة وتعليم الناس الصبر والحكمة
واحترام حقوق الآخرين، حتى لا يكون احترام القانون فوضى يخضع لتفسيرات ما تشتهيه الأنفس.
وهنا لابد من التأكيد على حاجة الجميع لبسط النظام وإشاعة ثقافة احترام القانون واحترام
مؤسسات الدولة وحقوق المواطن ولتكن المحنة التي يمر بها العراق فرصة لتجديد البقاء
وبناء الإنسان العراقي الحضاري بسلوكه والتزامه واحترامه للقانون.

3-التأكيد على الثقافة
الانجازية كمحرك للنهوض ومعزز للشراكة

الثقافة في جوهرها فعل تأثير الإنسان في الطبيعة
وفي الإنسان ذاته، وهذا يعني أن الإنسان هو موضوع الثقافة وذاتها في آن واحد. وفي هذا
الإطار يعرف الفيلسوف الألماني كانط الثقافة " بأنها مجموعة من الغايات الكبرى
التي يمكن للإنسان تحقيقها بصورة حرة وتلقائية، انطلاقا من طبيعته العقلانية".
فالثقافة في بعدها الانثروبولوجي أداة الإنسان في مواجهة المشكلات التي تعترضه. من
هنا يأتي التعريف الاشمل الذي يقول بان الثقافة هي طريق شعب في السلوك والحياة. وبذلك
يمكن القول ان طريقة شعب ما في الحياة تجسد ثقافته، وعلى هذا الأساس يتبلور تعريف ادوارد تايلور E. Tyler
للثقافة بأنها ذلك الكل المعقد الذي يشمل المعرفة والمعتقدات والفنون
والأخلاق والقانون والتقاليد، وكل ما يكتسبه الفرد بوصفه عضوا في ذلك
المجتمع[31].

فالثقافة وفق هذه
المعايير لم تنشأ من الفراغ والعدم وغير محكومة بالجمود والثبات، فهي تحمي القيم الأساسية
للمجتمع الذي يؤمن بها وتمكنه بالتالي من التعرف على ذاته، ومعرفة الذات تمكن من السير
في طريق التطور والتحديث.

وتظهر الدراسات والبحوث الاجتماعية والنفسية الارتباط
الوثيق بين ازدهار القطاع الثقافي والفني والإبداعي وبين النهوض المجتمعي وتنمية المجتمع[32].
فالمجتمع المدني لا يقوم فحسب بدعم الخدمات الاجتماعية، أو الاضطلاع بدور دعوي لطرح
المشكلات القائمة على اهتمام الرأي العام، وإنما تقدم أيضا الأدوات المحركة للأنشطة
الثقافية والاجتماعية والإبداعية. فالمؤسسات الثقافية والجمعيات الفكرية والسينما والمسرح
ومعارض الفنون، والأندية الرياضية، ليست إلا بعض مظاهر هذه الوظيفة المعبرة التي تثري
حياة المجتمع وتبعث فيه الحيوية، وهذه المؤسسات والمنظمات ذات أهمية لدورها في بناء
وتحريك المجتمع، وخلق رأس المال الاجتماعي Human Capital، وإقامة علاقات التبادل والثقة بين
أطراف المجتمع. كما أن قواعد التعاون التي تصنعها لها مردود على الحياة السياسية والاقتصادية[33].

وإذا كانت المؤسسات الثقافية، بشكل عام، تمثل هيئة
متقدمة على صعيد التطور الاجتماعي تسهم في إنتاج الثقافة وتعمل على إيصالها إلى الناس
وتعميمها على اكبر قدر منهم، فان دورها في
العراق يكتسب أبعادا خاصة ومميزة على ضوء ما يمر به المجتمع والمؤسسات والأفراد من
أزمات يتخبط فيها الوطن ومن خلال التنوع الذي يميز مجتمعه وفي ظلال الحاجة الى تفعيل
الثقافة وترسيخ دور بناء لها، ينشئ المستقبل انطلاقا من اندماج اجتماعي يقدم الولاء
للكل على الولاء للجزء، ويرسي قيم الحوار والتسامح والعقلانية والانفتاح والإبداع ويعزز
ثقافة الأداء والانجاز بدلا من ثقافة الولاء.

إن هذا الدور المتوقع للمؤسسة الثقافية في العراق
ينطلق من الفهم العميق للثقافة باعتبارها "الجهاز الفعال الذي ينتقل بالإنسان
إلى وضع أفضل". فالثقافة فعل تغيير، والتحولات التي تنجم عن الفعل الثقافي لا
تبدو واضحة للعيان إلا بعد مضي وقت طويل ولكنها غالبا ما تكون تحولات من النوع الذي
يغدو راسخا يصعب زعزعتها بشكل سريع.

4-الثقافة
الشعبية أداة لتعزيز الشراكة

وطالما
كانت الثقافة
أداة فاعلة في تحريك المجتمع وتفعيل الشخصية فان الثقافة الشعبية تعد من مقومات وحدة
الهوية والوطن. فالثقافة الشعبية التي هي جزء من الثقافة العامة
واقعا لا تحصره اطر وهي امتداد لمراحل الصيرورة التاريخية التي تمر بها التشكيلات المجتمعية.
والثقافة الشعبية
مادة حية، فهي في جذورها تمتد إلى الماضي، وهي بذلك تكون الخامة الأولى، لان أية حداثة
ننشدها لثقافة جديدة متجددة لا يمكن أن تعني انفصالا عما مضى ولا انقطاعا عن التراث.

والثقافة الشعبية قبل هذا وذاك تمثل نموذجا للتربية
بعطاءاتها وبقدراتها، وهي تمثل الإحساس العام، وتعبر عن أعمق مفاعيل التطور الكامنة.
فالثقافة الشعبية
كونها تمتد إلى الماضي وتحيا في ضمير المجتمع، هي ثقافة حقه غير مقلدة . وهي بفضل تعدد
مضامينها وتفاعل هذه المضامين فيما بينها تشكل حالة إثراء حضاري للمجتمعات الأصيلة
المؤمنة بها.

وفي المجتمعات الأصيلة العريقة غالبا ما يكون
التراث الشعبي مفعما بالقيم والمبادئ الأخلاقية والانجازية المتعلقة بوحدة التراث وإسهاماته
في الحياة. فالتراث الشعبي العراقي القديم يحمل كثيرا من الصور التي ترمز إلى قيم ايجابية
تنعكس في سلوك الأفراد كما تسجلها الإبداعات الثقافية التي تحتاج إلى قراءة جديدة للكشف
عن الجانب الرمزي فيها، وتجسيد هذا الجانب الرمزي في السلوك الإنساني الذي تحمله الأحداث
، والذي يصاغ في قالب قصصي قد يكون للترفيه، ولكن يجب ان يؤخذ على انه أيضا وسيلة للتربية
والتعليم وتقويم السلوك، وبالتالي تعزيز وحدة الهوية.

ومن هنا، فان التأملات حول بناء الإنسان وتحريك
المجتمع تستحثنا على أن نأخذ بعين الاعتبار الأهمية الكبيرة للموروثات الثقافية في
العراق كوحدة ثقافية متكاملة، وبيان الجوانب
المشتركة في تلك الموروثات التي قد تتخذ أشكالا متنوعة. وان تشعر الإنسان عند ترجمة
هذه الأعمال إلى إبداعات فنية المهتمون في
الشأن العراقي، وبما يظهر وبشكل أمين أوضاع الإنسان وهمومه وينظر باستبشار وتفاؤل الى
المستقبل كامتداد للماضي الزاهر العريق، والذي يؤمن في قدرات الإنسان العراقي وإبداعاته
الخلاقة القادرة على الإسهام في تغيير صورة المجتمع إلى واقع أفضل.

إن الثقافة الشعبية غالبا ما تتكيف مع التطور
في أساليب التعبير عنها، وبذلك تتحول الثقافة الشعبية إلى ذاكرة للأمة والمجتمع، تدون
ما كان وما هو قيد التبدل التدريجي. وما هو ثابت في جوهره يرفض السقوط فيتكيف مع اللغة
المستجدة والأساليب المستحدثة والسائدة.

وهكذا يتجلى الدور الثلاثي للثقافة الشعبية. اذ
هي أولا، تتولى استلهام الريادة وتكوين الثقافة الريادية المنفتحة على المستقبل وما
يقتضيه من حلول. وإذ هي ثانيا، ترفد التربية بنماذج ومنطلقات حية انجازيه تخدم توجه
التربية نحو آفاق الحلول، وأخيرا، تشكل الثقافة الشعبية نوعا من وسائل الضبط المجتمعي
إذا ما تعثر مسار المجتمع.

انطلاقا مما سبق تشكل دراسة الثقافة الشعبية والاهتمام بها وتطوير مفاهيمها
ومضامينها، وهي قابلة للتطور- الأساس الذي يسهم في بناء الإنسان ووحدة هويته وبالتالي
بناء المستقبل. وهنا لابد من الاعتراف أن المشكلة الأساسية ليست في وجود ثقافات شعبية
متعددة إن وجدت بل في نظرتنا إلى هذه الثقافات هي جامدة ومتناحرة

المطلوب اليوم في ظل التحديات هو تفعيل الثقافة العراقية الشعبية على ضوء ما
يستجد من مؤشرات اجتماعية وثقافية وحضارية، مع الاحتفاظ بخصوصيات هذه الثقافة. فنحن لا نريد ثقافة شعبية
مترسبة، بل ثقافة شعبية متجددة تؤمن المشاركة الحضارية في المجتمع الإنساني.

5- تمكين تشكيلات المجتمع المدني

على الرغم من أن منظمات المجتمع المدني في العراق لها تأريخ عميق الجذور (التقليدية
منها خاصة) في مجال العمل الخيري الذي كان يمارس عادة من خلال نظام الوقف أو الهبات
الوقفية ذات السمات الدينية . فقد استمرت تلك الأنشطة الخيرية عبر السنين، إلى جانب
التطور الذي شهدته منظمات المجتمع المدني الحديثة في العراق منذ العشرينات من القرن
الماضي.

إلا إن أوضاع المجتمع المدني شهدت انتكاسات وتراجعا كبيرا خلال العقود المنصرمة
كشركاء فعليين في الجهد التنموي. وعلى الرغم من التوسع الهائل في عدد المنظمات غبر
لحكومية بعد الاحتلال عام 2003، إلا أن الأداء التنموي لها ظل هامشيا ومتشرذما بسبب
الأوضاع المأزومة للمجتمع، وتداخل المرجعيات المختلفة وفقدان الأمن الإنساني مما انعكس
سلبا على مجمل العملية التنموية وبالأخص على وحدة الهوية.

وهنا نقول إن فكرة الديمقراطية تتعارض
وتتناقض كليا مع حالة التداخل المرجعي ، لأن هيمنة الثقافات الفرعية تحدد الدولة والسلطة
والمجتمع بأفكار ثابتة مقدسة غير قابلة لتطوير المجتمع وتغييره، فالثقافات الفرعية كيانات عصبوية ضيقة ومظهر من مظاهر صنميه
الإنسان، بينما يقوم تأسيس تجارب الديمقراطية في كثير من بلدان العالم، على التمييز بين المجتمع السياسي والمجتمع المدني
كإحدى منطلقات بناء الإنسان وتطوير وتنمية المجتمع وتغييره .

إن الفكر الديمقراطي بأبسط أشكاله هو الدفاع
عن حرية اختيار المحكومين لحكامهم بينما الفكر الفئوي- العصبوي يلغي حرية الاختيار
الحقيقية معوضا عنها بحرية الاختيار المحدودة بالرسم القبلي او ألاثني او الجهوي. ضمن
هذا التعريف لا يكون المواطن العراقي إلا صوتا انتخابيا فئويا أيضا وعندها لا يصبح
المجتمع السياسي معنيا بالديمقراطية ولا باستقلاليته ولا بدوره كوسيط بين الدولة والمجتمع
المدني .

وقد نتج عن الصراع بين محاولات بناء الديمقراطية والمرجعيات الفرعية نوع من
المواجهة المباشرة بين الدولة العراقية الجديدة وبين متطلبات بناء المجتمع المدني المفترض
تشييده بديلا عن مجتمع مهشم مزقته الحروب والحصار والاحتلال.

المبحث الرابع: العمل البرلماني والمستقبل

يأتي التركيز والاهتمام بهذا الموضوع في هذا الوقت بالذات استجابة لضرورتين اثنتين في آن معا: ضرورة وطنية وضرورة ثقافية حضارية.
فالمرحلة التي يخوض العراقيون غمارها راهنا لعلها الأصعب في مراحل تاريخه المعاصر.
فثمة مخاطر جسام تسد عليه فرص توفير الأمان وتهدد نسيجه الاجتماعي وتفقده بالتالي تحقيق
مؤشرات التنمية البشرية المستدامة. إن الاهتزازات والتيارات الزاحفة نحوه، المعززة
بشتى ألوان القوة، تضع مكوناته ومؤسساته المجتمعية في مفترق طرق، يتطلب نهوضا مجتمعيا
وتمسكا بثوابت الهوية الوطنية الجامعة واعتماد برامج وسياسات تقوم على ثقافة الأداء
والانجاز .

وبالعودة إلى خارطة القوى الفاعلة في المجتمع العراقي اليوم، يبدو إن إشكالية
التكوين السياسي هي ابرز إشكاليات التي يعاني منها المجتمع اليوم، وهي الإشكالية المهمة
التي يمكن بتجاوزها حل جميع المشكلات الأخرى، فوجود دولة مؤسسية قوية تحيد جميع المرجعيات
الأخرى وتوظف طاقة المجتمع وخبراته لمصلحة الجميع وتعتمد معايير الانجاز والأداء بدلا
من معايير الولاء سوف يسرع تقليل مستوى الهدر المادي والمعرفي ويسرع في تجاوز حالة
التخلف والوصول إلى حالة تفعيل الشخصية العراقية المعروفة بانجازها وإبداعها وعطائها.

إن هذه القوى ينبغي أن تعيد حساباتها، وأن تعمد إلى وضع موارد وإمكانات البلد في خدمة أبنائها وبما يحقق الاستدامة وعدم التفريط باستحقاقات الأجيال القادمة، إلى جانب مصالح
الشعوب الأخرى، وذلك باعتبار أن السلم والأمن والاستقرار وسط أحياء وضواحي هذه القرية
الكوكبية المزدحمة هي في التحليل الأخير عناصر تحقق المصالح الوطنية في نهاية المطاف.

إن المنافع المترابطة والمتآزرة
تهم الجميع وتدعم بعضها بعضا، و لعلنا نورد قصة الفلاح الأميركي الذي كان يزرع أجود
أصناف الذرة، ويفوز محصوله بأكبر جوائز المعرض الزراعي في ولايته، وعندما قابله مندوب
الصحيفة المحلية فوجئ بأن الفلاح يقدم لجيرانه نفس البذور ـ التقاوي الممتازة التي
يستخدمها في زراعة محصوله الخاص، هنالك دار الحوار:

ـ ولكنك بذلك تقدم بذورك الممتازة إلى منافسيك
وهم يتبارون معك في كل عام.

ـ يا سيدي الصحفي، إن الرياح تحمل حبوب اللقاح
من حقلهم إلى حقلي، فإذا ما زرعوا محصولا أقل جودة، انتقلت مشاكله إلى زرعي، وإذا كان
زرعهم جيدا عمّت فائدته على حقلي، وهكذا فمن أجل أن أحصل أنا على حصاد ممتاز، ينبغي
لي أن أزود جيراني بمحصول ممتاز أيضا.

هذه القصة البسيطة من واقع الكتابات (الشعبية)
الأميركية هو ما يدعونا اليوم لتوجيه نداء
إتباع سياسة من شراكة الرخاء والازدهار بين جميع الأمم وسائر الشعوب.

فهل يسعى أبناء العراق في أن تظل عطاءاتهم الإنسانية والحضارية على نفس الصورة
التي طالما رسمها العالم لها، رمزا للمستقبل وساحة للفرص المتاحة، وموئلا لروح التجديد
والابتكار وحاسة الاكتشاف وفضول العلم وموهبة الاختراع وعليها ألا تصبح أسيرة أو سجينة
في زنزانة الماضي بكل تجاربه الصعبة والمريرة، عليها أن تتطلع دوما إلى المستقبل، شريطة
أن تتصرف وفق المبدأ الذي طالما كرسته شعوب العالم، وهو مبدأ إقرار الجدارة والكرامة
التي يستحقها كل إنسان.

في ضوء هذه
المعطيات، يبدو انه لا مفر من طرح السؤال الآتي: ما العمل؟

فماذا على البرلمانيين أن يفعلوا .. ماذا على الباحثين والأكاديميين والمفكرين العراقيين في الداخل والخارج أن يفعلوا .. لفك
التداخل وتفعيل الشخصية ومن ثم تحريك المجتمع؟

1-
علينا إن نطرح علانية وبقوة وبسعة وبتواصل ٍ غاياتنا في نشر الثقافة الديمقراطية بعيدة
المدى باعتبارها الوسيلة الوحيدة القادرة على بناء عراق جديد وقوي من جميع الجوانب.
.

2-
ليست هناك ديمقراطية من دون صراع مع السلطة القائمة حتى ولو كانت " ديمقراطية
" وفي هذا الصدد ينتمي المثقفون للمجتمع السياسي لكن بمهمة مواصلة تنوير المواطنين
بضرورة تداول الآراء حول تحكم الدولة والسماح من دون قمع لكل فرد عراقي أو حزب أو مجموعة
إنسانية أن تحول الإرادات الفردية الاجتماعية إلى قوة فاعلة لمراقبة الأداء الحكومي
ونقد معوقاته بحرية تعبير غير محدودة فالديمقراطية ليست مجموعة من الإجراءات والتدابير
حسب بل هي قبل كل شيء ثقافة نقدية للسلطات القائمة وأمل بالتحرر الفردي والجماعي .

3- على البرلمانين أن يقفوا دائما في أعمالهم
الإبداعية اعتمادا على مبادئ ثقافية حديثة إلى جانب العمل المؤسساتي الحر في الدولة
والمجتمع خلال مسيرة الصراع الثقافي بين العقلنة العلمانية الديمقراطية وبين الذاتية
الفرعية الضيقة .

4- علينا أن نعترف بالتعددية الثقافية فكل
مجتمع يخلو من التعددية هو مجتمع مضاد للديمقراطية . أن المجتمع العراقي الجديد هو
في طور التكوين وينبغي أن نعمل جميعا على نشر مبادئ حرية التنوع الاجتماعي والثقافي
دون إقصاء أو تهميش احد من دعاة الحداثة والإبداع والحوار الحميم الذي يقيمه الإنسان
المثقف مع ذاته في أعماله الإبداعية .

5-
التأكيد على أهمية مضاعفة الجهود لنشر ثقافة السلم الاجتماعي ومبادئه وإدانة ومكافحة
كل نمط من أنماط الإرهاب والعنف ضد المواطنين الذي يعتبر اختلالا في الوظيفة العقلية
الإنسانية المتحضرة واعتباره سلوكا مشدودا إلى مرض من أمراض الحيوانية.

للثقافة الديمقراطية والوطنية وترجمته عمليا
إلى نمط كلي متساند في الداخل والخارج يجعل المثقفين العراقيين قادرين على التفاعل
مع ظروف تلبية الحاجة الثقافية بوصفها اعتمادا متبادلا مع بيئة الإنسان العراقي الذي
يصبو إلى الخلاص من العنف واستعادة عافية مجتمعنا.

إن فك حالة التداخل المرجعي يتطلب توسيع نطاق التدخلات التنموية، ذلك أن التحديات
التي يواجهها المجتمع العراقي المأزوم، في سعيه نحو تحقيق الأهداف التنموية، تتطلب
أن يركز على توسيع نطاق التدخلات الرامية إلى تحقيق انجازات على الأرض ذات أثر تنموي
أكبر.

ويقصد
بتوسيع نطاق التدخلات التنموية، التوسع في المشروعات والبرامج والسياسات الناجحة وتطويعها
لظروف المجتمع المعني، وتحقيق الاستدامة لها بشتى الطرق عبر الزمن من أجل تحقيق هذا
الهدف.

إن توسيع نطاق التدخلات يتطلب أفقا زمنيا طويلا، فهو يقتضي أن يكون هناك التزاما
طويل الأمد من جانب المؤسسات والأفراد والمجتمع لأنه ينطوي على ثلاثة أبعاد:

1-توسيع النطاق الذي تغطيه البرامج أو السياسات لتشمل عددا أكبر من الناس ومساحة
جغرافية أوسع.

2-وضع الإطار التنظيمي والسياسي الذي يسمح
بهذا التوسع.

3-عدم الاقتصار على مجال أو نشاط واحد (الصحة
أو التعليم مثلا)، بل يغطي مجالات وأنشطة أخرى.

إن
تبني هذه المسارات يتطلب:

أولا-تحتاج هذه العملية إلى وجود قيادة (أو الموجه
النزيه بتعبير مالك بن نبي)، تمثل القوة الدافعة لهذه العملية إلى جانب مجموعة واضحة
من القيم داخل المؤسسة لتمكين أعضاء البرلمان أو المديرين والموظفين. فإذا لم يتم ذلك،
فلن يجدي وضع أي أدلة إرشادية ، أو نماذج للتقييم والمراجعة، أو تجميع لدراسات الحالة.

ثانيا-تتطلب هذه العملية وجود أنصار ودعم على المستوى
السياسي ، وغرس بذور التغيير الاجتماعي في المجتمع، والى دعم هؤلاء الأنصار. وعادة
لا يظهر هؤلاء من تلقاء أنفسهم ، بل لابد من العمل على اكتشافهم وإشراكهم بفاعلية في
هذه العملية. كما يتعين على القادة البرلمانيين
أن يدركوا بان من مصلحتهم إدراج القضايا التي تتضمنها عملية توسيع نطاق التدخلات على
قائمة أجندتهم.

ثالثا-تحتاج هذه العملية إلى حوافز والى ترسيخ مبدأ
المساءلة، والى إجراء التغيير، ولكن غالبا ما يكون المسؤولون عن التغيير غير راغبين
في ذلك. ولكن كثيرا ما تؤدي المعوقات الإدارية إلى جانب عدم توافر المهارات والموارد
البشرية الكافية إلى عرقلة حدوث هذا التغيير.

ويعد ترسيخ مبدأ المساءلة ذا أهمية بالغة، وتزداد هذه الأهمية كلما توسعت البرامج،
وكلما اتضح وزاد الاهتمام السياسي بها. وهناك سبل عديدة لتحقيق المساءلة ومنها التقارير
الدورية التي يرسلها المواطنون ومسوح واستطلاعات الرأي العام والمتابعة المستندة إلى
تقييم النتائج.

رابعا- تحتاج هذه العملية إلى الانتظام في المتابعة
والتقييم، ومن الضروري أن يتم ذلك على مستويين: الأول- من خلال العملية الإرشادية،
والثاني: من خلال توسيع نطاق التدخلات.

خامسا-تحقق هذه العمليات النجاح إذا تمت بأسلوب
منهجي وتدريجي، وإذا اعتمدت على التخطيط اللوجستي الدقيق. والتحديد الواضح لأدوار الشركاء،
والمشاركة المجتمعية التي تنطلق من المستوى الأدنى إلى المستوى الأعلى، والتواصل الجيد
بين الأطراف المعنية، وهذه كلها عوامل لا تتحقق تلقائيا أو في الحال.

وتأسيسا على ما تقدم فان الشروع ببرامج التمكين
ورسم مسارات النهوض المجتمعي ينبغي أن تنطلق من:

1-
وضع الأطر لبناء سياسات اجتماعية
تنموية



لا توجد مخططات لبناء
سياسات حماية ناجحة مع استفحال مظاهر التداخل المرجعي، حيث تواجه الكثير من البلدان
أنماطا ودرجات مختلفة من المخاطر. وتبدأ من مستويات مختلفة من التنمية البشرية وتتفاوت
تفاوتا كبيرا في حجم ما لديها من إمكانات بشرية ومادية. ورغم أن السياسات التي تعتمد
لتنمية البشر هي أكثر الأسس أمانا في سبيل بناء الاستراتيجيات وسبل بناء برامج الحماية
الوطنية، إلا انه من الضروري على أفضل الممارسات في ميدان التنمية البشرية أن تأخذ
في اعتبارها المخاطر الناشئة جراء عمليات التحول المجتمعي وسياسات الانتقال نحو اقتصاد
السوق ، وتلك المخاطر تؤدي إلى تضخيم تكاليف الإخفاقات السياسية السابقة، وسوف تتطلب
إعادة تقييم للممارسات الحالية في ميدان التصدي لحالات الهدر والانقسامية والتشظي.
وهنا فان بناء الإنسان، يفرض تأكيدا على دمج سيناريوهات مواجهة هذا التحدي في برامج
وطنية أكثر اتساعا.

حتى الآن وبسبب الظرف الاستثنائي الذي يمر به العراق،
لم يشغل التخطيط لمواجهة هذه المظاهر إلا مكانا
ثانويا في التخطيط الوطني. وكان محل استراتيجيات المواجهة وبناء المصدات الفاعلة هو
إرساء البنى التحتية الرصينة للنسيج الاجتماعي. ولا شك هناك في الأهمية الكبيرة لهذا
النوع من البنى التحتية، إلا أن مجال بناء المظلة الوطنية لتوفير الأمن الإنساني هو
أوسع نطاقا من مجرد إنشاء البنى التحتية، فالمنطلق هنا هو دمج تقييم مخاطر استفحال
حالة التداخل في المرجعيات في جميع المناحي لتخطيط السياسات. وفي المقابل فان إدارة
المخاطر تتطلب دمج الاستراتيجيات الخاصة ببناء الصمود في السياسات العامة، وتشكل هذه
مهمة ضخمة وصعبة للبلدان ذات الإمكانات الحكومية المحدودة.

2-اعتماد سياسات تخفف من الآثار الناجمة عن الأزمات

إن تبني البرامج وتوفير الحلول يتطلب قدرة واسعة
في تقييم المخاطر والتخطيط للقدرة على التحمل والتكيف. سوف يتطلب التخطيط الناجع للمواجهة
والبناء والتكيف تحويرا كبيرا في الممارسات الحكومية إلى جانب الاستنهاض المجتمعي.
ومن المؤكد أن إجراءات الاستجابة التفاعلية لن تكون كافية، حيث تخفق مثل تلك الاستجابات
في التعامل مع التأثيرات العابرة للحدود للجرائم المنظمة من خلال التعاون الإقليمي.

بيد أن التحول الأكبر مطلوب لخلق التنمية التمكينية
التي تحرك المجتمع و تعزيز سمات الهوية الوطنية من خلال تحقيق خفض للفقر والبطالة والتهميش
والاستبعاد، وإشاعة ثقافة التسامح والحوار. وسوف يتطلب بناء القدرة على الصمود ومواجهة
تلك التحديات والتكيف للقطاعات الفقيرة والمفتقدة للحلول والقوة من المجتمع شيئا أكثر
من مجرد التعهدات الرنانة لتحقيق الأهداف التنموية والنمو المناصر للفقراء. حيث ستتطلب عملية إعادة
تقييم شاملة لاستراتيجيات بناء الإنسان مواجهة حالات التداخل في المرجعيات، وهذا يتطلب
حالة من الالتزام بتحسين المساواة في تناول المفارقات الاجتماعية.

وكما هو الحال في ميادين أخرى فمن الوارد أن تكون
سياسات مواجهة حالة التداخل في المرجعيات أو سياسات البناء والأعمار أكثر نجاحا واستجابة
لاحتياجات الناس عندما يكون صوت المعنيين الحقيقيين (من ذوي الخبرة والاختصاص) هو الذي
يحدد الأولويات ويشكل تصميم السياسات. فوجود الحكومة القادرة على الاضطلاع بالمسؤولية
الوطنية وعلى تلبية مطالب الشعب وتفويضهم القدرة على تحسين حياتهم هي شروط ضرورية من
اجل تحقيق البناء التنموي الناجح، وتامين المواجهة وتحقيق الأمن الاجتماعي، مثلما هي
ضرورية لتحقيق التنمية المستدامة، وتامين عناصر وحدة الهوية.

3-تعزيز القيم المشتركة من أجل وحدة الهوية



أدت ظروف
المجتمع المأزوم في العراق، إلى جانب سياسات
الانتقال نحو اقتصاد السوق وما ينجم عنها من
آثار اجتماعية إلى مخاطر متراكمة في حياة ومعيشة الفقراء والمهمشين. ولما كان الملايين
من الفقراء لا يتسنى لهم التعامل مع الآثار الناجمة عن تلك المتغيرات (ومنها ارتفاع
مستويات الجريمة المنظمة) بمواردهم وإمكاناتهم
الخاصة، فان أي إستراتيجية تروم بناء شبكة لحماية الناس والتكيف مع المتغيرات
سوف تحتاج لتقوية إمكانياتها وبناء قدراتها في إدارة المخاطر وتمكين البشر من التواؤم
مع الصدمات المحتملة دون أن يعود ذلك بمعاناة طويلة الأمد مع ما تحدثه هذه الصدمات
من ارتكاسات -جرى تحليلها والوقوف على طبيعتها في ثنايا الدراسة- هو الشرط المطلوب
لتحقيق التقدم المستدام في العملية التنموية.

إن أية تطلعات للتكيف الناجح مع تغير الظروف المجتمعية
سوف تأتي مشروطة بالأوضاع الأوسع الخاصة بالتنمية البشرية. وفي إمكان السياسات العامة
في مجالات مثل الصحة والتعليم والتوظيف والتخطيط الاقتصادي، أن تعزز أو تقوض من القدرة
على مواجهة المخاطر الناجمة عن حالة التداخل في المرجعيات، وفي النهاية فان الخط الأول لدفاع السياسات الاجتماعية
ضد مخاطر حالات الهدر والضياع والتشظي الناجمة عن هذا التداخل، هو وضع إستراتيجية فاعلة ترسخ القيم المشتركة بين
الناس للتغلب على عوامل التوتر في البناء الاجتماعي ( كالفقر والبطالة والتفاوت المزري
في مستويات المعيشة).

وفي سياق البحث عن حالة التداخل في المرجعيات،
فان بإمكان السياسات الاجتماعية والبرامج التي يتم تنفيذها كجزء من إستراتيجية أوسع
للتكيف، أن تلعب دورا حيويا في مساعدة الناس وتمكينهم من إدارة شؤونهم وتجنيبهم من
أن يصبحوا وقودا لانفجارات اجتماعية يصعب التنبؤ
بعواقبها.

4- بناء منظور تنموي وطني جامع لمواجهة التداخل
:

أدت حالة الفوضى وانهيار منظومة المعايير الضبطية وغياب أولويات عراقية توحدها
هوية عامة مشتركة، إلى خلق إشكاليات حجمت من فاعلية وأداء المؤسسات المجتمعية، فأضعفت
من دورها وإبداعها في هذا المجال. وقد أصبح
ذلك أكثر احتمالا مع ضعف حكم القانون والشفافية
والديمقراطية وضعف ثقافة تداول السلطة في داخل مؤسسات السلطة ومؤسسات ومنظمات
المجتمع المدني. لقد نجم عن ذلك كله أن نسبة كبيرة من هذه المنظمات فشلت في أداء واحدٍ
من أهم أدوارها، المتعلقة بوجوب مراقبة أداء الدولة/ السلطة، ومدى التزامها
بالدستور والقانون، و التزامها بواجباتها فيما يتعلق بحماية حقوق الإنسان، أو
التعددية ، أو حرية التعبير؛ بل انساقت العديد من هذه المنظمات إلى تسويغ بعض هذه
الانتهاكات.

5-تحديد الأولويات لفك التداخل وتعزيز الشراكة

لقد بدد الوضع المأزوم في
العديد من المناطق العراقية من إمكانية تحقيق دور تنموي فاعل لمؤسسات المجتمع. إذ عمق استمرار الاحتلال وانهيار البنى التحتية،
والتمزق في النسيج الاجتماعي داخل المجتمع العراقي، وتداخل مهام التحرير والبناء مع
غياب المأسسة والديمقراطية، وغياب المساءلة
وهشاشة أجهزة السلطة وضعف الثقة بها، مظاهر الأزمة المعاشة في العراق. إلى جانب ذلك
كان ضعف الثقة بالمنظمات غير الحكومية والاعتبارات غير المهنية التي تسود بها سببا
في السلبيات التي يحفل بها الفضاء العام. إن جميع هذه المتغيرات لعبت دورا رئيسيا في
تبديد فرص تمكين المجتمع العراقي وتطوير أدواته بطريقة رشيدة وهادفة، وفي تفويت الفرصة
عليه لصوغ أولوياته بحرية[34].

من هنا فان الجهد التنموي المطلوب لخلق بيئة تمكينية ينبغي أن يقوم على تحديد
الأولويات القائمة على أسس ثابتة والتي تجذر
مفهوم الهوية الوطنية وفق منظور جامع يتفق عليه جميع العراقيون. هذا
الدور يوسع الخيارات المتاحة لإقامة علاقات تكاملية وديمقراطية بين الأجهزة الحكومية ومنظمات المجتمع المدني وبقية
شرائح المجتمع. يتم بموجبها تعزيز جسور الثقة والتعاون بينهما بما يضمن بناء دور فاعل لأجهزة السلطة التنفيذية والقضائية ، فضلا عن إشاعة ثقافة الانجاز والأداء بدلا من ثقافة الولاء. والعمل على توسيع الفرص الديمقراطية و آفاق الاندماج
والحوار والتسامح.

ولعل من المناسب في الختام القول، أن ثقتنا بالإنسان وبمستقبله الأفضل هي التي
مكنت الإنسان العراقي دوما من الاستمرار والتجدد.
فالإنسان هو إمكان لم يتحقق بعد، وان العراق هو إمكان لم يتحقق بعد، وان هويتنا
هي إمكان لم يتحقق بعد، ولذلك فان التوعية الإنمائية التي نلتزم بها هي توعية بالإمكانات،
والإمكانات الإنسانية لا حد لها، والمستقبل هو احتمالات وليس احتمالا واحدا. والمشروع المستقبلي ينبغي أن يركز
على استطلاع الاحتمال الإنمائي الأفضل، وتوجه التوعية نحوه، من أجل إنماء الإنسان ونهوض
المجتمع.

وفي إطار هذا كله يبدو أننا لا مفر من استخدام تشبيه أو استعارة القارب الذي
انحشر فيه جميع سكان البلد، وعلى متنه توجد كافة أطياف ومكونات الشعب العراقي. الكل
في قارب واحد باتت تتقاذفه الأمواج وصار نهبا لأنواء الرياح تعصف به غمرات بحر لجي
أو محيط متلاطم، ولكن ركابه في كل حال شركاء في مصير واحد، مهما تباينت حظوظهم أو ثرواتهم
أو مقدار ما حصلوه من علم أو مكانة. فالكل متوحد المصير، إما أن يغرقوا معا وإما أن يصلوا معا إلى مرفأ الأمان.

إن هذا القارب الوطني بحاجة إلى قبطان أو ربان (الموجه النزيه كما يسميه المفكر
الجزائري مالك بن نبي) ينظم حركة ركابه ويحاول
أن يلتمس نسقا أو أسلوبا لإدارة هذه الحركة لعلها تصل بالركاب إلى بر الأمان. فهل
يكون البرلمان العراقي القادم طوق النجاة
للخلاص من كل الأدران والرواسب
التي علقت في المشهد الاجتماعي والسياسي الذي رافق الاحتلال.

في ختام كلامنا نقول، ينبغي أن لا تكون ورشتنا هذه مكانا آمنا لخمسة أيام
فقط من الحوار و التفاعل الثقافي وبعدها تتفتت قراراته أو توصياته أو نتائج أعماله
على الورق حسب ، مما يضعف مصداقية شخصيته العملية أمام الجماعات والمنظمات الثقافية
الديمقراطية العراقية داخل الوطن وخارجه .

نأمل أن تؤسس الحوارات والأفكار والأطروحات في هذه الورشة قاعدة رصينة من شأنها
العمل على تطوير العمل البرلماني في العراق وتعزز شراكته وبناء قدراته على أساس قوي
من الثقة والمسؤولية المشتركة.





[1] -نيقولا
تيماشيف، نظرية علم الاجتماع طبيعتها وتطورها، ترجمة محمود عودة وآخرون، دار
المعارف، الطبعة الثامنة، 1983، ص345.

[2] -شاكر
خصباك، تطور مفاهيم ومناهج الجغرافية، مجلة كلية الآداب، جامعة صنعاء، العدد (10)
1989، ص222.

[3] -عدنان ياسين مصطفى، تداخل المرجعيات الثقافية وأثره
في الهوية الوطنية العراقية، بحث القي في مؤتمر بيت الحكمة "بناء
الإنسان بناء العراق"، المنعقد في
بغداد للمدة من 19-21 كانون الأول 2008.

[4] -قاسم
حسين صالح، المجتمع العراقي: تحليل سيكوسوسيولوجي لما حدث ويحدث، المجلس العراقي
للثقافة، 2008، ص51.

حليم
بركات، المجتمع العربي المعاصر، بحث استطلاعي، مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة
الخامسة، 1996. -[5]

محمد عابد الجابري، الخطاب العربي المعاصر، دار الطليعة، بيروت، بلا تاريخ
نشر.
-[6]

هشام شرابي، مقدمة لدراسة المجتمع العربي، الأهلية للنشر
والتوزيع، بيروت، 1977. -[7]

محمد جابر الأنصاري، تكوين العرب السياسي ومغزى الدولة القطرية، مركز
دراسات الوحدة العربية، الطبعة الأولى، بيروت، 1994. -[8]

عبد الإله بلقزيز، إشكالية المرجع في الفكر العربي المعاصر، دار المنتخب
العربي، بيروت، الطبعة الأولى، 1992. -[9]

[10] -
علي زيد الزعبي ود. خلدون النقيب، بحث مقدم إلى ندوة الفساد والحكم الصالح في
البلاد العربية: حالة الكويت، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت 20-23 أيلول
2004.

[11] -أكرم
الوتري، أزمة المشروع الديمقراطي في العراق، وقائع ندوة الحوار الفكري الذي نظمه
معهد الديمقراطية والتنمية في العراق، بغداد، 8 نيسان 2006.

- المصدر السابق
نفسه. [12]

[13] -غاستون بوتول، هذه هي الحرب، ترجمة مروان ألقنواتي،
منشورات عويدات، بيروت، 1981.

-[14]
المصدر السابق
نفسه، 49.

[15]-المصدر السابق نفسه، ص49.

[16]-المصدر السابق نفسه، ص78.

[17]-Wirth,
L. "Urbanism as Away of Life", American Journal of Sociology, 1938,
Vol. 44, PP.1-24.

علي السيد شتا، علم الاجتماع الجنائي، القاهرة، ص150.
-[18]

[19]
-Francis Fukuyama, State Building: Governance and World Order in the
Twenty-First Century, London:
Profile Books, 2004, P.67.

[20]
Castells, M. , The Rise of the Network
Society, The Information Age, Vol. I, Oxford:
Blackwell, 1996.

[21]
Castells, M., The End of Millennium-The
Information Age, Vo. III, Oxford
Blackwell, 1997, PP.299-303.

[22]
-Ibid,
PP.349-353.

[23] -سيار الجميل، بنية المجتمع العراقي: محاولة في تفكيك التناقضات،
محاضرة ألقيت في غاليري الكوفة، الاثنين 20 أيلول/ سبتمبر 2005

[24] - خالد
الحروب,(2001)," مبدأ المواطنة في الفكر القومي العربي من "الفرد
القومي" إلى "الفرد المواطن"", في, مركز دراسات الوحدة
العربية,(محرر), المواطنة والديمقراطية في البلدان العربية, بيروت,ص 91-113

[25] - علي الوردي، لمحات
اجتماعية من تاريخ العراق الحديث، مصدر سابق، ص
301

-المصدر السابق
نفسه.
[26]

[27]-د. كمال البصري، المواطنة الصالحة والمشكلة الاقتصادية، دراسة
منشورة على موقع معهد التقدم للسياسات الإنمائية بتاريخ 13/7/2008.

-المصدر السابق
نفسه.
[28]

- على الوردي، المصدر السابق نفسه، ص301.
[29]

-المصدر السابق نفسه،
ص301. [30]

[31]
-International Encyclopedia of the Social Sciences, Collier-Macmillan, Vol.
3-4, 1972, p.527.

[32]
-Catterall,
Bob, "Culture as a Critical Focus for Effective urban Regeneration", Paper Presented in "Town and Country Planning",
York, York University, U. K. 1998.

[33]
-Salamon,
Lester, M S. W. Sokdowski and Regina List,
"Global Civil Society: An Overview" John Hopkins Comparative
Non-profit Sector Project, John
Hopkins University,
2003.

[34]-
انظر للمزيد:د.
عدنان ياسين مصطفى، المجتمع المدني والمتغيرات الاجتماعية في العراق: تحليل
سوسيولوجي، مجلة دراسات اجتماعية، بيت الحكمة، 2006، ص60-66

ـــــ
* الموضوع منقول من الرابط التالي :
http://www.e-joussour.net/fr/node/2530

*************************
إبراهيم حسن
مدير منتدى أنثروبولوجيون في العالم
Anthropologists in the world‎‏‏

إبراهيم حسن
المدير العام للموقع
المدير العام للموقع


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى