أنثروبولوجيون في العالم Anthropologists in the world‎‏
عزيزي الزائر الكريم
انت لم تسجل في المنتدى بعد، عليك الضغط على زر التسجيل ادناه لتتمكن من مشاهدة ‏جميع الصور والروابط في المنتدى، والمشاركة معنا.ان امتناعك عن التسجيل يعني ‏حرمانك من مزايا المنتدى الرائعة .‏

افتراضي الفن واللاوعي الجمعي ..قراءه في أطروحة كارل يونغ

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

افتراضي الفن واللاوعي الجمعي ..قراءه في أطروحة كارل يونغ

مُساهمة من طرف إبراهيم حسن في 11/9/2010, 08:48



افتراضي الفن واللاوعي الجمعي ..قراءه في أطروحة كارل يونغ


ثمة شعور ينتاب مختلف الدارسين والمتأملين عندما يقبلون على بحث الظاهرة الفنية، وهو الإحساس بكونها ظاهرة يحوطها كثير من الغموض، غموض يلف مختلف مناحيها وجوانبها، بدءا من مصدر الإبداع، وكيفية اختماره بدواخل الفنان، وحتى استوائه كنتاج ملحوظ ومطروح في صيغ التعبير والتواصل مع المتلقي. وهذا يرجع حسب البعض إلى كون الفن بطبيعته المتفلتة يصعب تمريره في قوالب جاهزة، والإمساك بأصله ومصدره وإنجاز تعليل عقلي لوجوده.

ومن بين المحاولات المعرفية التي اهتمت بدرس طبيعة الفن وإيضاح خصوصيته، والتوكيد على ضرورة الاحتراس من كل نمذجة وتنميط نظري يستهدف تفسير الظاهرة الفنية وتعليل وجودها، نجد محاولة عالم النفس كارل جوستاف يونج (1875-1961) مؤسس السيكولوجيا التحليلية.

ففي هذا السياق الواعي بخصوصية الظاهرة الفنية انتقد يونج تلميذ فرويد النظرية الفرويدية المعللة للإنتاج والإبداع الفني بعقدة أوديب، التي تقوم على تفسير ظهور الفن وصدوره بالمخزون المكبوت في اللاشعور. حيث يرى يونج أن العمل الفني أشبه ما يكون بالحلم، ومن ثم فهو ليس معطى كالمعطى الفيزيائي أو المعرفي الذي تجوز مقاربته بمنهج التجزيئ لضبط عناصره والكشف عن العلائق الناظمة لها؛ بل النتاج الفني ذو سمت خاص وطبيعة متميزة تصعب إقامة علاقة سببية بين عناصره، وخاصة بين تحقق هذا النتاج ومصدر انبثاقه. وبناء على هذا الوعي بخصوصية الظاهرة الفنية فإن يونج رغم كونه يعتقد باقتدار علم النفس على مقاربة هذه الظاهرة فإنه يؤكد، على مستوى الغاية المستهدفة من قبل البحث العلمي، أن العلم ينبغي أن يقتصر فيما يخص العمل الفني على وظيفة الوصف، ولا ينبغي أن يتنطع إلى إنجاز وظيفة التفسير، لأنه مطلب لا يمكن تحقيقه. وبهذا يرفض يونج مجمل التفسير الفرويدي للعمل الفني، كما يرفض في الوقت ذاته التعليلات التي تنزع إلى إنجازها الحقول المعرفية والعلمية الأخرى كالسوسيولوجيا أو الأنثربولوجيا.


لكن السؤال الذي نود طرحه في دراستنا لهذا الموقف هو: هل التزم يونج نفسه بهذا الشرط، أي عدم إنجاز تفسير لظهور الفن، أم كان هنا بصدد تسطير موقف نظري فقط، بينما على مستوى الإجراء والتطبيق خان هذا الموقف وانزلق هو الآخر فيما عابه على الآخرين؟

لابد من أن نسجل هنا ملحوظة، وهي أن يونج، على الرغم من رفضه للتعليل والتفسير ومناداته بالاقتصار على وظيفة الوصف، قام هو أيضا بمحاولة فهم أصل الظاهرة الفنية على نحو يقربه هو نفسه من نهج التعليل والتفسير. ودليلنا على ذلك هو تصوره للفن وللعمل الفني. لكن يحسن، قبل عرض تصوره هذا، اختصار نظريته السيكولوجية وإضاءة مفهومها المركزي، لأن تفسيره للظاهرة الفنية سيتم، كما سيتضح لاحقا، بناء على تلك النظرية وباستثمار مفهومها المحوري:

إذا قارنا بين فرويد وتلاميذه الكبار الذين خرجوا عليه وناهضوا فكره وأسسوا مدارس واتجاهات مستقلة عنه مثل كارل يونج وليبوت زوندي... سنلاحظ أنهم لم يستطيعوا التخلص من المنظور المفاهيمي الذي بلوره أستاذهم. وأقصد بهذا المنظور مفهوم اللاشعور وأهميته في صياغة الشخصية الإنسانية وضبط نتاجاتها وتعبيراتها.فزوندي رغم نقده لمفهوم اللاشعور الفرويدي، لكونه يتخذ دلالة شخصية فردية، فإنه لم يتجاوز هذا المفهوم، بل كل التحوير والتجديد الذي قام به هو القول بوجود لاشعور عائلي. كما أن يونج رغم نقده الشديد لفرويد ولنظريته الجنسية وللاشعور، فإنه هو كذلك، شأنه شأن زوندي، سينتقد هذا الطابع الفردي للاشعور، دون أن يتجاوزه كمفهوم إجرائي محوري. حيث نجده يميز بين نوعين من اللاشعور هما اللاشعور الفردي واللاشعور الجمعي. وعيب فرويد حسب يونج يتجلى في اقتصاره على الاهتمام باللاشعور الفردي الشخصي. بينما ثمة لاشعور آخر هو أكثر أهمية يتمثل في اللاشعور الجمعي، الذي هو نتاج خبرة بشرية راكمتها الحياة الإنسانية خلال آلاف السنين، وتتمظهر هذه الخبرة في المعتقدات والأساطير والفنون والتقاليد والعادات. وللتوكيد على وجود هذا اللاشعور قام يونج بدراسات ميدانية كانت في موضوعها ومنهجها أقرب إلى الإثنولوجيا والأنثروبولوجيا منها إلى علم النفس، حيث سافر إلى إفريقيا وأمريكا ودرس قبائل وشعوبا بدائية، واستجمع أساطيرها ورموزها الثقافية وقارن بينها ليخلص في النهاية إلى وجود تشابه كبير بين ثقافات الإنسان على الرغم من التباعد الجغرافي والاختلاف البيئي. ليؤكد أن ثمة مكونا مشتركا تصدر عنه هذه التمثلات الثقافية المتشابهة وهو اللاشعور الجمعي.



باختصار لقد كان يونج مثل، زوندي وفرويد، يرتكز في رؤيته على اللاشعور، ويمحور نظريته السيكولوجية عليه.وعندما نقول بمحورية هذا المفهوم فالمعنى الذي نريد لفت الانتباه إليه هو أنه لم يكن مجرد مفهوم من بين مفاهيم، بل كان مفهوما مركزيا يُتخذ كمنظور منهجي لفهم معطيات الحياة الإنسانية وتعبيراتها الثقافية. والفن من جملة هذه التعبيرات، التي أنجز عنها يونج تصورا شاملا يمكننا اختزال عناصره واستجماع خطوطه الأساسية من خلال الإجابة على هذه الاستفهامات الأولية :ما معنى الفن عند يونج؟ وما مصدر انبثاقه؟ وما هو المعيار الأليق بتقويم العمل الفني؟

يرى يونج أن الفن ليس تعبيرا فرديا، بل هو تعبير جمعي، وبالتحديد هو تعبير عن المخزون اللاشعوري للذات الجماعية، حيث يرى أن الفنان في إبداعه لا يعبر عن ذاته بل عن اللاشعور الجمعي، أي أن دلالة النتاج الفني ينبغي أن تلتمس في رغبات الجماعة ولاشعورها لا في رغبات الذات الفردية كما فعل سيجموند فرويد. ويضيف إن العمل الفني يشبه الحلم، ومن ثم فرغم ما قد يبدو في هذا العمل من وضوح وبساطة فهو تماما كالحلم حتى عندما يكون واضحا فإن لغته إشارية رمزية، ولذا يجب الاحتراس من كل محاولة لتبسيط العمل الفني وإنجاز فهم تعليلي له.

هذا باختصار هو التصور الذي بلوره يونج عن الفن.وبتأمله يحق لنا منذ البدء أن نسجل انتقادنا التالي: إننا نلاحظ هنا نفس النمطية المعرفية التي تحكم أصحاب الأنساق القائمة منهجيا على رؤية أحادية، فكل ما نقرأه ليونج من أبحاث ودراسات نجدها ترتكز على نفس المقولة الجاهزة وهي اللاشعور الجمعي مهما كان اختلاف الظواهر والمعطيات التي تقاربها.

ثم إنه بتحديده هذا لدلالة الفن ومصدره، ينزلق بالضبط فيما يعيبه على غيره، ألا وهو مقاربة العمل الفني بمنطق التعليل، حيث يفسر ظهور الفن بإرجاعه إلى ما يزعم أنه مصدر له(اللاشعور الجمعي). وهو بذلك يتساوى في تقديري مع فرويد، لأن كلا منهما يعلل ظهور الفن، مع فارق واحد فقط يكمن في نوعية المصدر، فإذا كان فرويد يرى العمل الفني تعبيرا عن لاوعي فردي، فإن يونج يراه تعبيرا عن لاوعي جماعي. كما أن كلا منهما يرى الفعل الفني فعلا لاإراديا، فإذا كان فرويد يرى العمل الفني تعبيرا لاإراديا عن المكبوت اللاشعوري، فإن يونج أيضا يراه تعبيرا لاإراديا، لكن بدل إرجاعه إلى مصدر فردي شخصي يرجعه إلى الخبرة الجماعية الكامنة في اللاشعور. فالفنان عند يونج لا يعدو كونه أداة يستخدمها اللاوعي الجمعي، الذي يتحكم في مختلف سلوكيات الإنسان وممارساته، ومن ضمنها الممارسة الفنية. والامتياز الوحيد الذي يتفاضل به الفنان عن غيره من آحاد الناس هو قدرته على الإنصات لهذا اللاشعور والتعبير عنه.



ولا تقف نظرية يونج عند هذا المستوى في مقاربة العمل الفني، بل تتخطى التعليل، إلى وضع رؤية معيارية لتقويم الأعمال الفنية، وهنا أيضا يكمن مأزق النظرية النسقية الأحادية الجاهزة، حيث يُقوم يونج الأعمال الفنية بناء أيضا على نظرية اللاوعي الجمعي لا بناء على ما يمتاز به الفن من جمالية... فانطلاقا من هذه النظرية ينتهي يونج إلى صياغة موقف معياري، يحدد قيمة العمل الفني بحسب قدرة هذا العمل على التعبير عن اللاشعور الجمعي وإشباع احتياجات الجماعة والاستجابة إلى مطالبها، فإذا كان العمل الفني يسمق ويعلو عند البعض بحسب قدرته على التعبير عن اختلاجات النفس الفردية، فإن قيمته عند يونج ترتهن بمدى اقتداره على التعبير عن الذات الجماعية..!!

*************************
إبراهيم حسن
مدير منتدى أنثروبولوجيون في العالم
Anthropologists in the world‎‏‏

إبراهيم حسن
المدير العام للموقع
المدير العام للموقع


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى