أنثروبولوجيون في العالم Anthropologists in the world‎‏
عزيزي الزائر الكريم
انت لم تسجل في المنتدى بعد، عليك الضغط على زر التسجيل ادناه لتتمكن من مشاهدة ‏جميع الصور والروابط في المنتدى، والمشاركة معنا.ان امتناعك عن التسجيل يعني ‏حرمانك من مزايا المنتدى الرائعة .‏

الثقافتان العلمية والأدبية

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

الثقافتان العلمية والأدبية

مُساهمة من طرف إبراهيم حسن في 16/9/2010, 00:55




الثقافتان العلمية والأدبية *


سريعا تتجه المجتمعات في حل مشكلاتها وفي طرائق تفكيرها نحو العلم في حل مشكلاتها. وحتى فترة قريبة لم يكن للعلم هذه السطوة على التفكير وصياغة القناعات في الحياة. فكانت الثقافة في مدلولها ومعناها تتجه مباشرة وبدرجة كبيرة نحو الثقافة الانسانية، بمعنى الاهتمام بالدين والادب والجمال اساسا وموضوعا للثقافة، وقد شهد تاريخ البشرية تطورا حاسما بعد الحرب العالمية الثانية عندما اصبح العلم عقيدة او ما يشبه العقيدة، ثم جاءت ثورة الاتصالات والاعلام ليكون للثقافة العلمية حضورا مزاحما للثقافة بمعناها القديم اي الثقافة الانسانية،
وهذا لا يعني ان العلم ليس انسانيا وانه ثقافة مفارقة للنبل الانساني. فالمقصود بالثقافة العلمية هو التصورات والرؤى وكذلك المعاني الاخلاقية التي تنشا حول العلم كثقافة تؤثر في الفرد ويتصور كل الاشياء في العلم وفقا لمنظوراتها وتفسيراتها، كما ان التوسع الكمي والكيفي في الدراسة اخذ يتجه نحو الموضوعات العلمية اكثر فاكثر، وبنتيجة ذلك بدات الثقافة الانسانية تضمر امام المد العلمي وخاصة في المجتمعات المتطورة علميا. وفي مجتمع مثل المجتمع العراقي كيف يمكن ان نرى صورة الثقافة بين جناحيها العلمي والانساني "الادبي والجمالي"؟. يصنف العراق في خانة الدول النامية او المتخلفة. واساس التصنيف يعود الى عوامل الحداثة في الدولة والتصنيع والانتاج وكلها عوامل مرتبطة بالعلم، فلا وجود لتيار قوى وضاغط في الثقافة العلمية يسمح بان يؤثر في التيار العام للفكر الانساني بما فيه من الادب والدين وكل التصورات الاخرى. لكن طبقة من المتعاملين بالعلم كانت قد اخذت مجرى قريبا من تصور الثقافة العلمية المزاحمة للانسانية والادبية، فقد مثل جيل من الشيوعيين والقوميين ممن عمل في مجالات العلوم الهندسية والطبية والادارية وغيرها نموذجا للاغتراب عن التكوينات الثقافية للمجتمع العراقي، فقد اعتبر هؤلاء ان هذا مجتمع متخلف فغمرهم احساس نرجسي بالملائكية وانهم وحدهم من يعرفون الحقيقة فلم يرتبطوا بقيم مجتمعهم وآماله وتطلعاته فكانوا سببا من اسباب الفساد والطغيان الذي شاع في المجتمع. وبالمقابل لم تكن الثقافة الانسانية والادبية والدينية قادرة على التبلور في شخوص يمتهنون العلم ويؤلفوا الحلقة الذهبية المتوسطة بين الثقافتين، اذ ان هذه الثقافة وبحكم سلفيتها وتصوراتها الجامدة عن الحياة تجعل من هؤلاء العلماء الذين يلتصقون بها اصوليين سلفيين لا يستطيعون رؤية النظام الحر في التفكير والتنظيم. وتبدو الصورة اليوم في المجتمع العراقي مشوشة على اكثر من صعيد فالعلم ومفاهيمه معزولة رغم تبلور جيل يتجه بقوة نحو منظومات علمية اساسية مثل الحاسبات والانترنت وادراة الاعمال. الا ان التوسع بالدراسات الادبية قد عاد الى حدوده التي كان عليها في الستينات والسبعينات. ان هذا مؤشر على تشوه قوانين التطور في البلاد وتخلف الدراسات النقدية عن تاشير عوامل هذا التشوه. ان المعنى الذي اعتقد نجاعته هو في تكامل المشروعين الانساني والعلمي في صياغة مشروع المجتمع العراقي العام. فلا طغيان العلم وتصوراته قادرة على خلق المجتمع السليم والمتوازن ولا هذا الكم من التوجه نحو الانسانيات بغير اصولها وقواعدها يمكن ان يفيد في ترجمة طموحات الوطنية العراقية. وليس المقصود بالدراسات هنا الاكاديمية والثانوية فقط وانما يتعدى ذلك الى اساليب التنشئة الاسرية والوعظ الديني والمساجد...الخ. ان قضية الثقافتين العلمية والادبية "تضادا او تكاملا" ليست قضية فردية بمعنى خيارات الافراد في ان يختاروا هذا ويتركوا ذاك. اذ ان حاجة المجتمعات الى التطور والرقي هي التي تحدد عن طريق التخطيط والتثاقف وتبادل الخبرات وتراكمها حاجات المجتمع وطرائق عمل هذه الحاجات. وقد يطلق على هذه العملية اسم العقل الجمعي او الارادة العامة وتكون ادواتها التنفيذية في العصر الحديث هي المؤسسات ومراكز البحوث ويضاف في بلادنا الى تاثير هذه المرافق التاثير القوى لعلماء الدين والثقافة الدينية في توجيه الفرد والمجتمع. يتفق الجميع على ان الدين الاسلامي مبرأ تماما من محاربة العلم والتفكير العلمي. ولا يقتصر الامر على الناحية السلبية اي عدم محاربة العلم بل يحض الاسلام قويا وضروريا باتجاه الحث على تبني العلم في تقدم الحياة حتى يذهب الرسول الاكرم صلى الله عليه واله وسلم الى الحض على التفكر الذي يوازي العبادة التقليدية الطقوسية وقد يفوقها اجرا وثوابا خاصة اذا ارتبط بغايات اخلاقية. وهذا هو مربط الفرس الذي اريد ان اصل اليه وهو قدرة الاسلام على ردم الفجوة بين نمطي التفكير الانساني والعلمي والتي انتجت في الحضارة الغربية نزعات العدمية او رفض العلم او ما بعد الحداثة التي عادت الى فكرة الاسطورة والسحر وغيرها. ولا تعود هذه القدرة التي افترضها الى مجرد تصورات او امنيات. فقد ازدهرت العلوم الطبيعية الصرفة في محيط الحضارة العربية الاسلامية من دون ان تصطدم مع التصورات والعقائد الدينية كالذي حدث مع الكنيسة. فلم يقتل او يحاكم عالم عربي مسلم بسبب ارائه العلمية كما فعلت الكنيسة ذلك. على الرغم من الموضوعات العلمية التي تداولها علماء المسلمين مما له صلة بالتصورات العقائدية للدين. فقد بحث العلماء المسلمون وكتبوا في الفسلجة والفلك والكيمياء وعلم الحيل "الفيزياء" وغيرها من الموضوعات التي قد تخالف ظاهريا بعض الايات الكريمة او الاحاديث او انماط التفكير العامة التي بنيت حول ذلك، الا ان ذلك لم يخلق ردات فعل غاضبة او موتورة كالذي حدث مع العلم في الغرب الكنسي. وكان يمكن لهذا التكامل الذي حدث المشغل الحضاري الاسلامي ان يثمر ثمرته الكبرى في تاريخ البشرية لولا افة الجهل والتعصب التي قادت المسلمين الى اضاعة كل شيء. وقد سمعت باذني حديثا لطالب يعتبر نفسه متدينا وفي كلية العلوم يعتبر نزول الانسان على سطح القمر خرافة وقد يتوغل اكثر في وهمه الذي يعتبره من الدين فيعتبر هذه العلوم مكيدة يهودية غايتها تتفيه العقائد الدينية ونشر الانحلال والفساد والفوضى. ان صاحب هذا الراي وانا اعرفه شخصيا لا يفرق كثيرا عن فتوى الشيخ السعودي المشهور "ابن باز" في تكفير من يذهب الى القول بكروية الارض او مركزية الشمس في نظام مجموعتنا الشمسية. لقد دخل طالب الكلية الى الدين من باب العلم وكون تصورا فاسدا مثل التصور الذي كونه الشيخ السعودي الذي دخل العلم من باب الدين. ان كلا التصورين حاضران في نقاط التقاطع بين الثقافتين العلمية والانسانية في كل المجتمعات الاسلامية وفي مجتمعنا العراقي كما هو واضح في الجامعات ودور العبادة واجهزة الاعلام، وقد يتبلور هذا التقاطع في احد تجلياته في الصراع بين اتجاه علماني ينكر "مثلا" الكرامة الثابتة في العقيدة حتى يعدها خرافة وبين اتجاه ديني يبني الحياة على هذا المبدا نافيا السببية والعلمية والنواميس الطبيعية. ولا يمكن اقتراح الحلول لهذه التقاطعات التي ارهقت الجسم الحضاري والديني وحسبي اني قد اثرت الموضوع وفي مناسبة اخرى اذا شاء الله تعالى ما اوسعني جهدي اقتراح الحلول لهذه التناشزات التي تهلك حرث الحضارة ونسل التدين.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* المصدر: -
[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

*************************
إبراهيم حسن
مدير منتدى أنثروبولوجيون في العالم
Anthropologists in the world‎‏‏

إبراهيم حسن
المدير العام للموقع
المدير العام للموقع


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى