أنثروبولوجيون في العالم Anthropologists in the world‎‏
عزيزي الزائر الكريم
انت لم تسجل في المنتدى بعد، عليك الضغط على زر التسجيل ادناه لتتمكن من مشاهدة ‏جميع الصور والروابط في المنتدى، والمشاركة معنا.ان امتناعك عن التسجيل يعني ‏حرمانك من مزايا المنتدى الرائعة .‏

الأنثروبيولوجيا و المجتمعات الأولى

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

الأنثروبيولوجيا و المجتمعات الأولى

مُساهمة من طرف تقوى الرحمان في 12/1/2011, 06:00

محوران أساسيان حاولت الإجابة عليهما في هذا البحث : الأول قوامه " أليس كل شعب ينعت بصفة حي و مستمر هو شعب يملك ثقافة خاصة به ساعدت على استمرارية وجوده عبر تاريخه الطويل متفقاً مع ذاته و مع الطبيعة من حوله , وهل يحق لنا أن ننعت شعب ما حي و مستمر بأنه أقل قيمة أو أكثر بدائية واثقين من أن حكم كهذا هو حكم حقيقي لا وهمي قائم على جهل لطبيعة ما هو مغاير لمفاهيمنا و إرثنا الثقافي ؟ و من جهة أخرى هل استطاعت الأنثروبيولوجيا كعلم إنساني محض تجاوز تلك النظرة المتعالية أحادية الجانب إزاء الشعوب الأخرى , و هل نحن بحاجة إلى هذا العلم , و هل هو أمر ضروري لتفهّم و تفاهم الشعوب؟ إننا نعرف النوع الإنساني الآن بأنه حيوان ذو ثقافة فقط وهذه الثقافة تكتسب بالتعلم و تتيح للإنسان أن يتلاءم مع بيئته الطبيعية و الاجتماعية . فالثقافة بالغة التنوع تتجلى في نظم و أنماط من التفكير مختلفة , إن تطور القدرة على التفاهم و السيطرة على الطبيعة هو النمط الرئيسي للنوع الإنساني , فالثقافة تبدو هنا أكثر من كونها مجرد ظاهرة بيولوجية بل تغدو شاملة لكل عناصر صفات الإنسان البالغ التي اكتسبها عن جماعته سواء بالتعلم الواعي أو بالآلية اللاواعية أو بالتعلم التشريطي كالمهارات التقنية أو السلوكية المختلفة التي عن طريقها يصوغ المواد التي يقدمها إليه العالم الطبيعي لكي تلبي احتياجاته , بحيث أن عملية التكيف لم تعد مجرد تغيير ذاتي بيولوجي للملائمة مع العالم المحيط بقدر ما أصبحت عملية موضوعية تغير المحيط لصالح الذات فغدا الإنسان هو الكائن الوحيد الذي لا يعيش في مجتمعه بل إنه يقوم بإنتاج مجتمعه تبع نظراته الخاصة التي طبعت المجتمع الإنساني بالقابلية الهائلة للتغير على اعتبار أن البشر لا ينتجون مجتمع و حسب بل ينتجون مجتمعات ذات أشكال عديدة لا حصر لها و كأننا بصفتنا بشراً احتجنا على مدى تاريخنا الطويل أن نغير المجتمع دائماً مثلما كنا بحاجة إلى أن نجعل استعداداتنا المشتركة أكثر ثراءً و تشابكاً و تنوعاً , و هذا ما يفسر اختلاف خصوصية ثقافة ما عن ثقافة أخرى بالدرجة لا بالنوع على اعتبار أن انعكاس الثقافة الموضوعي و فعالية الذات تقود إلى مفاهيم قد تغدو مختلفة تبع الخصوصيات الجغرافية التاريخية التي تفرز بدورها مجموعة من النظم العقائدية الخاصة بكل جماعة , فالإنسان من حيث هو كذلك يمثل قمة مراحل التطور المتمثل بارتفاع خاصية الذكاء و نوعيته و ما ينتج عن ذلك من ضروب التكيف السلوكي الاجتماعي , فالتغير و الخلق و إعادة الخلق و التفسير و إعادة التفسير تؤلف جميعها جزءً من نسيج الخبرة اليومية البشرية و هذا ما يطلق عليه اسم الثقافة التي عبر عنها جودلير قائلاً " إن الكائنات البشرية على نقيض الحيوانات الاجتماعية الأخرى لا تقنع فقط بمجرد الحياة في علاقات بل إنها تنتج تلك العلاقات لكي تعيش و تبتكر على مدى وجودها سبلاً جديدة للفعل و الفكر , لتفكر و تعمل سواءً بالنسبة لبعضها البعض أو بالنسبة للطبيعة المحيطة بها و من ثم فإن البشر يخلقون الحضارة و يصنعون التاريخ" , كما قال هكسلي في وصفه للإنسان " بأن اكتساب الإنسان آلية ثانية أسمى و أعلى من آلية الجينات من أجل ضمان استمراريته هي آلية تقوم في القدرة على التفكير و التكلم بلغة رمزية مكنته من اجتياز حاجز البيولوجيا و دخول ميادين الوجود النفسي الاجتماعي و هي ميادين بكر لم يتطرق إليها من قبل ." بحيث تبع التطور البيولوجي الذي رافق الإنسان كنوع تطور آخر ضمن النوع تمثل بالتطور النفسي المعبر عن نظرة بشرية للكون تخضع لاعتبارات زمانية و مكانية مختلفة و ما نجم عن ذلك من ثقافات مختلفة و متمايزة ضمن النوع الإنساني , و هكذا إذا كان التطور البيولوجي عام و كلي يشمل أفراد النوع ككل و يخضع لظروف طبيعية آلية محضة تعبر عن منحى توافقي تكيفي لا دخل لوعي الإنسان أو لإرادته الذاتية فيه , فإن التطور بالمنظور النفسي يعود إلى ردة فعل الوعي البشري المعبر عن نظرة معينة إلى موضوع خارجي مستقل و مختلف بين مكان و آخر , و هكذا تختلف النظرة الذاتية تبع اختلاف الظروف الموضوعية التي تحيط بها و تتغير و تتطور تبع تأثيرها و تأثرها بالظرف الخارجي سواءً أكان جغرافياً أم مناخياً أم ديموغرافياً أم تاريخياً , و بما أن الظروف الخارجية تختلف فإن الخبرات المتراكمة سوف تختلف بين مجموعة بشرية و أخرى بحيث يختلف جدول الأولي و الكمالي بين ثقافة و أخرى , و هكذا نرى أن وحدة النوع لا تعني ضرورة وحدة الثقافات كما أن تنوع الثقافات لا تعني بالضرورة تميز نوعي لجماعة على أخرى , بل المسألة هي إلى أي حد هناك ظروف أكيفها أو أتكيف معها وما ينتج عن ذلك من ثقافات تكيّفية و أخرى تكييفية الأولى تكيف ذاتها تبع تصوراتها عن العالم و الثانية تكيف العالم تبع تصوراتها. و الفعل التكييفي في كلتا الحالتين لا يغدو أن يكون موقف يقفه الإنسان كذات واعية تجاه عالم خارجي يحاول التعامل معه و هو ينجح بشكل أو بآخر في كلتا الحالتين أيضاً .
و على ذلك نفهم ترسخ الجانب الأخلاقي النفسي الاجتماعي عند كل شعب بحيث يغدو من الصعوبة بمكان أن نؤثر على هذا الإرث دون أن نفهمه و نعرف حقيقة بواعثه , و يعرض علينا هرسكوفيتز في كتابه ( أسس الأنثروبيولوجيا الثقافية ) مجموعة من المفاهيم المتغيرة لدى الأفارقة المهاجرين و المتأثرين بالثقافة الأميركية الأوروبية , فيجد بأن نسبة التغير التي تكاد تصل إلى 100% في ميدان التكنولوجيا و 95% في ميدان الاقتصاد تنخفض إلى 40% في ميدان الدين و 20% في ميدان الفولوكلور و 5% فقط في ميدان الموسيقى , و من جهة أخرى نجد أنه و على الرغم من أن تعاليم المبشرين المسيحيين مارست تأثيراً كبيراً في إضعاف فكرة الإيمان بالآلهة القديمة و قواها السحرية فإن تعاليم الدين المسيحي لم تلق قبولاً إلا ما يتناسب مع النظرة الفلسفية التقليدية لشعوب تلك المناطق , فلم تؤدي مثلاً جهود المبشرين المسيحيين بخصوص هداية الهنود الحمر في أميركا إلا في خلق ديانة مختلطة هندية – مسيحية , فأثناء الأسبوع المقدس يقدم مشهد تمثيلي يعرض آلام المسيح و لكن في هذا المشهد ليس المسيح من يعَبر عنه بل ( يوداس ) أحد الآهة الهندية , و في أميركة الجنوبية تقوم معظم الكنائس في الأمكنة التي كانت تقوم بها المعابد سابقاً , فعلى البوابة الرئيسية لكنيسة لاباز في بوليفيا لم ينتبه أحد فيما يبدو إلى وجود تمثال منحوت لأحد آلهة الهنود القديمة , و هكذا نجد أن المسيحية ليست واحدة بل تتمازج كمعتقد مع مجموعة من القيم و المعتقدات المحلية الخاصة بكل جماعة2 و قل مثل ذلك في الأديان الأخرى التي تعبر عن فوارق ذات دلالة بين بلد منشأها و البلد الذي انتشرت فيه بتأثيرات خارجية , و إن دل ذلك على شئ فهو صعوبة إدخال آليات حديثة على أعراف قديمة لكون تلك الأعراف أكثر ارتباطاً بالإرث الاجتماعي النفسي وهذا ما يجعلها أكثر ثباتاً و رسوخاً في وجه التغيير . و نحن يجب أن نأخذ بعين الاعتبار آليات التغيير الداخلية قبل النظر للتغيير من الخارج كون كل جماعة حاملة لإرث ثقافي معين هي ليست مجرد مقلدة تكرر نسخة سابقة "بل إن ما يبدو تقليدياً في ظاهره إنما نفعله في إطار ظروف جديدة و من ثم فنحن في واقع الأمر نعيد خلق التقليد إن صح التعبير"3 . و هكذا فإن ما يؤَسس بالمعنى العام هو العلاقات الثابتة في قلب المجتمع , هذه العلاقات التي هي من صنع الإنسان نفسه , فالثقافة إذن هي معادل لعلاقة ذات - موضوع سواء أكان هذا الموضوع هو ذات أخرى أو ظاهرة طبيعية خارجية بحيث تغدو الثقافة مجموعة علاقات تبادلية قوامها فهم الموضوع و تعزيز استقلال الذات .
و يتفق علماء الأنثروبولوجية الثقافية حول عدد من النقاط تخص الثقافة :
ا- ارتباط الثقافة بجماعة معينة و ارتباطها بالإطار الكلي للسلوك .
ب- تشابك جوانب الثقافة في كل مجتمع على حدة .
ج- إن الثقافات تتعرض للتغير الدائم نتيجة لعمليات الاتصال بين الجماعات المختلفة و من ثم استعارة الوسائل التكنولوجية المختلفة .10
د- إن كل ثقافة تعتبر مجموعة من الرموز و الرموز هي أكثر من مجرد الأشياء أو الأفعال التي يستجيب لها الناس , إنها بمثابة الروابط التي تربط الناس بعضهم ببعض .
و هكذا نرى أن الاختلاف الثقافي بين الجماعات المختلفة هو اختلاف تحكمه الخبرة الخاصة لكل جماعة تملك رؤية معينة عن وضع معين تتواجد فيه , و من الناحية البيولوجية لنشوء السلالات لا يوجد دليل يثبت تفوق أحدهما على الآخر بل جميع السلالات استطاعت الاستمرار مكيفة المحيط الخارجي لمصلحتها هذا مع التأكيد بأن جميع أفراد النوع البشري قد انحدروا من أصل واحد و أنه من باب الاحتمال أن أسلافنا الذين عاشوا في الجزء العلوي من العصر الحجري القديم كانوا خاضعين إلى حد ما في تلاؤمهم الإحيائي مع ظروف بيئتهم الطبيعية المحيطة بهم عن طريق الانتخاب الطبيعي الذي كان ينظم عملية التلاؤم , و عندما بدؤوا بالانتشار بعيداً عن أماكن تواجدهم الأول ( و لعل ذلك مردّه تزايد الضغط الديمغرافي ) على شكل تحركات إلى مناطق جديدة كالشمال الآسيوي و الأوروبي و غرب أوروبا ثم إلى الشمال الأميركي و أستراليا أدى هذا الاتساع الديمغرافي في المناطق الجغرافية المتباعدة إلى تكون صفات سلالية جديدة محلية وفق ظروف كل منطقة , و هكذا ظهرت المجموعات السلالية الرئيسية , ممثلة أولاً بالمجموعة السلالية الإفريقية الزنجية القديمة التي تكونت بادئ الأمر في إفريقيا و جنوب آسيا في ظروف مناخية قوامها الحرارة و الرطوبة و نور الشمس الساطع طيلة أيام السنة و ما ينتج عن ذلك من سواد البشرة الداكن الذي يرتبط بالماهية الكيميائية للأشعة الشمسية القصيرة الموجة بشكل خاص إلى جانب الشعر الأسود المفلفل ذي الملمس الصوفي الذي يعطي الإنسان الزنجي القدرة على العمل و هو حاسر الرأس دون أن يتضرر كون الشعر المفلفل ناقل رديء للحرارة هذا بالإضافة لشكل الأنف العريض من أجل استنشاق أكبر قدر من الهواء ليحصل الجسم على الكمية اللازمة من الأوكسجين . أما المجموعة السلالية الأوروبية القفقاسية فقد نشأت في المناطق الجغرافية المعتدلة القائمة على حوض المتوسط إلى جانب جنوب أوروبا و غرب آسيا و منها أخذت هذه السلالة بالانتشار إلى الشمال و الشمال الغربي من أوروبا بعد أن أخذ العصر الجليدي بالتراجع في الفترة التي تتراوح بين 10 – 16 ألف عام , و من أوجه التلاؤم بين عضوية هذه السلالة و بيئاتها المختلفة نجد التفاوت في نسبة القتامين في البشرة و الشعر و قزحية العين , فكلما كان الشعاع الشمسي أقل سطوعاً كلما كانت مادة القتامين في خلايا أعضاء الجسم أقل بحيث تميل البشرة إلى البياض و الشعر إلى اللون الأشقر و العيون ملونة كما هو الحال في الشمال الأوروبي , أما في الجنوب فنجد أن أشعة الشمس أقوى و أطول خلال أيام السنة فنجد البشرة السمراء و الشعر الأسود و العيون السوداء أو العسلية كما هو الحال في حوض المتوسط . و إذا انتقلنا إلى المجموعة السلالية المغولية نجدها و قد نشأت في السهوب و أنصاف الصحاري الآسيوية حيث ساد هناك في نهاية العصر الجليدي مناخ قاري بارد و جاف مصحوباً بفروق حرارية يومية و فصلية كبيرة مع هبوب رياح قوية محملة بذرات تربة اللوتس الناعمة التي تكون عادة محملة حصيات صغيرة مما لا يساعد على الرؤية و قد أوضح الأنثروبولوجيون بأن العيون الموزية الشكل ذات الفتحة الضيقة و الجفون العلوية المسدولة ذات الزاوية الحادة على الجانب الإنسي للعين ما هي إلا التلاؤم و التكيف لجهاز البصر مع الظروف الطبيعية وسط آسيا آنذاك , أما سكان استراليا الأصليين فيرجح أنهم قدموا إلى تلك المنطقة في نهاية الباليوليت و بداية العصر الحجري المتوسط وذلك عبر إندونيسية و الصفات المغولية واضحة على ملامحهم , و يبدو أنهم كانوا من تلك السلالة المتواجدة في جنوب شرق آسيا و مع التداخل مع المناخ الاستوائي هناك ( في استراليا ) حصل في منطقتهم الجديدة تغييرات طفيفة في مظهرهم السلالي , و كذلك نجد عند جماعات قبائل البوشمن في الصحراء الكبرى في إفريقيا ملامح تدل عل أصول مغولية ( وجوه أفرادها كشكل الجفن العلوي المسدول و الزاوية الحادة للجانب الإنسي للعين ) حيث يبدو أن أجداد البوشمن هم آسيويون قدموا إلى إفريقيا بعد خروج أجدادهم منها , أما بشرتهم السوداء و شعرهم المفلفل الصوفي و غلاظة شفاههم ما هي إلا نتيجة تلاؤم و تكيف لمظهرهم الخارجي مع ظروف بيئتهم المناخية الجديدة , و الأمر نفسه نجده عند سكان أميركا الأصليين الذين قدموا إلى القارة منذ نحو 30 ألف عام من شمال شرق آسيا عبر مضيق بهرنج الذي كان برياً آنذاك بعد أن تأصلت فيهم الصفات المغولية , مع حدوث تغييرات على من عاش منهم في المناطق الاستوائية من القارة بحيث أخذ مظهرهم الطابع المغولي الزنجي . 12
و الثقافة تفهم بأنها طريقة شعب في الحياة بكل ما تتضمنه حياة هذا الشعب من تفاصيل تتصل بالطعام و الشراب و السكن و الأساس و الفرش القصص و الأمثال و الحكم و تنظيم الأسرة و علاقة الأفراد بعضهم ببعض أو بالمجموع و علاقة الجماعة بالفرد متمثلة في نظام اجتماعي و تكوين فكري خاص .14 كما تتضمن نظرة شاملة تعبر عن علاقة الفرد بالطبيعة من خلال جملة معتقدات معينة و طقوس مرافقة تدعي كل جماعة أنها تملكها بالشكل الأتم و الأكمل . وكل مجتمع يخضع في نشوءه و تطوره لآليات صيرورته الخاصة , و التعقيد الاجتماعي العام المتزايد باطراد في تطور الإنسان العاقل لا بد و أنه حدث كعملية تدرجية فقد نسجت الجماعات تجمعاتها الخاصة على مهل و أكملتها بعلاقاتها مع الجماعات الأخرى و عدلتها بتأثير مظاهر التعقيد في الأنواع الأخرى علاوة على الوضع الطبيعي الذي عاشت فيه , و مع أنه ليس من الواضح المدى الذي استمرت فيه العملية التطورية لزيادة الروح الاجتماعية إلا أنه و مع استمرار العملية تلك فإن كل زيادة في الروح الاجتماعية ستقابلها زيادة أكبر في تعقيد الحياة الجمعية , 18و تعقد تلك الروح تخضع لمجموعة من العوامل التي سبق و تحدثنا عنها و من هنا يجب عندما نطلق أحكامنا على مجتمع أو مجموعة من المجتمعات أن نأخذ بعين الاعتبار الجانب الموضوعي في أحكامنا و الحذر من التعميمات السطحية التي لا تأخذ بعين الاعتبار أهمية هذا الجانب , و ينبغي الإشارة هنا إلى أن عملية التلاقح الحضاري لا تكون دائماً من الأكثر تحضراً إلى الأقل تحضراً فقد تأخذ الدول المنتصرة و الأكثر تقدماً الكثير من عادات و ممارسات المجتمعات الأقل تقدماً , فالغزو الحضاري لم يكن يوماً وحيد الاتجاه و هذا ما يحصل و يحصل منذ القدم , و يحدثنا هيروديت بأن الفرس الذين كانوا يرون أنفسهم سادة الحضارة أخذوا عن الميديين ملابسهم و أزياءهم و عن اليونان الكثير من الرذائل المتعلقة بالجنس , كما يحدثنا عن أن بحارة الإغريق الذين يرون أنفسهم سادة البحار أخذوا عن أهل الشواطئ عوائد و ممارسات لا تناسب مستواهم . و يقول توينبي " أما نحن ( و يقصد الأوروبيين ) فقد أخذنا عن الهنود الحمر الذين أبدنا معظمهم تدخين التبغ كما أخذنا عن الشرق شرب القهوة و الشاي و لعبة البولو و عن الصين لبس البيجامات و عن تركية حمامات البخار و عن إفريقية التي استعبدناها موسيقى الجاز . 19
و مع ذلك فإن التلاقح الحضاري المذكور لا يعني تشابه المكتسبات الواحدة عند ثقافتين بمعنى أن الاختلاف يبقى موجوداً و إن كان بشكل طفيف في نفس المادة الثقافية بين الشعب المصدر و الآخر المتلقي لهذه المادة الثقافية و هذا يعود بدوره إلى التمايز النفسي بين الشعوب حاملة الثقافة الذي يؤدي إلى الاختلاف في مناحي العناصر التغيرية و كيفية تفعيلها في الوظيفة الاجتماعية الكلية بحيث نرى أن بعض الشعوب المحلية قد نقلت عناصر ثقافة معينة عن الشعوب الأخرى و لكن دون أن تعي الغاية الحقيقية منها كونها لا تدخل ضمن السستام الاجتماعي , ففي إفريقيا مثلاً جٌعِل من ( الدبوس المشبك ) زينة تعلق في الأذن كما ظهرت لوحة أرقام الساعة الأوروبية كزينة زخرفية في فن العديد من الشعوب المحلية 20( و العكس صحيح عندنا فنحن كثيراُ ما نرغب باقتناء تماثيل و رسومات معينة للزينة في الوقت الذي تعبر فيه هذه الأشياء عن معتقدات شديدة القدسية لدى ثقافات لا تخصنا ) , , و هذا يدل على أهمية أخذ خصوصية الآخر بعين الاعتبار تلك الضرورة التي غابت عن مفكري غالبية باحثي القرنين الثامن و التاسع عشر الذين انساقوا وراء تعصب عرقي أحادي النظرة بحيث اعترى أغلب أبحاثهم تعميم سريع دون البحث المعمق عن الأسس الكامنة وراء النتائج التي استخلصوها , و على سبيل المثال نجد الأمير الألماني لودفيغ هيرمان فون بوكلير الذي حاول دراسة مجتمع تونس و الجزائر دراسة ميدانية متأثراً بآراء أسلافه فيصف أبناء ذلك المجتمع و على اختلاف مشاربهم بأنهم " يتحلون أكثر منا ( يقصد الأوروبيين ) في مظهرهم و سلوكهم بهيبة الإنسان الفطرية و يفوقوننا من حيث السجايا البدائية و لكنهم لظروف معينة ! ظلّوا جاثمين عند أول درجة في سلم الحضارة كذلك بالنسبة لغرائزهم الطبيعية التي لا يتورعون عن إشباعها بفظاظة بل قل بوحشية رغم رقة شمائلهم ... ثم يضيف بأنه لم تعد لهم أي صلة بمسلمين إسبانيا ! بل أصبحوا جنساً منتكساً قاصراً عن تحقيق أي نوع من النهضة أو عن بعث أي ضرب من ضروب الحضارة و لا سبيل للحضارة إليهم إلا إذا أخضعوا لهيمنة المسيحيين " 21 , و على الرغم من أن الليبرالية في أوربا كانت بداية عهد جديد نظر من خلاله الأوروبي إلى العالم خارج حدود قارته نظرة أكثر موضوعية فإن النظرة المتعالية ظلت واضحة في ثنايا كتّاب تلك الفترة , و على سبيل المثال نجد جون لوك و هو أحد أقطاب الليبرالية الحديثة يتحدث عن الهنود في أميركا بأنهم يفتقرون إلى أهم مقومات الدولة فهم كسالى انفعاليون و غير منضبطون و بريوّن و عنيفون , كما أنهم يطوفون الأرض بحرية و لا يسيّجونها و يفتقرون إلى مؤسسات و لا تجد لديهم فنون أو علوم أو ثقافة ّ! , و مع أنهم يدعون أنفسهم أمماً إلا أنهم يفتقرون إلى المقومات الأساسية للدولة و بالتالي فإن أراضيهم مفتوحة خالية و مهجورة بحيث يمكن أخذها منهم دون إذنهم , فالإنكليزي عند لوك ليس حراً في أن يأخذ ريع الأرض الهندية و حسب بل إن ذلك واجباً عليه بغية نقل الهنود إلى المدنيّة المنضبطة . و إذ يقارن لوك بين الأسلوب الإنكليزي و الإسباني في الاستعمار فإنه يرى أن هذا الأخير قام على الفتح بالسيف منتهكاً حقوق الهنود الطبيعية حيث أخفق في إقامة حياة متمدنة بينهم أما الاستعمار الإنكليزي فهو إنساني يحترم حقوق الهنود الطبيعية و لا يستخدم القوة إلا حين يرفضون مقاسمته أراضيهم الخالية , كما أنه عمل على ترقية الهنود أخلاقياً و اقتصاديا و هو واثق من أن الهنود حين يتمردون على هذا النوع من الاستعمار فإنهم يدخلون في حرب غير عادلة و من المشروع معاملتهم كعبيد , و هنا نجد أن الهنود عند لوك هم بشر من الواجب أن تصان حقوقهم و بما هم كذلك ينبغي أن يعيشوا وفق المقتضيات العقلانية التي تفرضها طبيعتهم الإنسانية , فنظريته قد قبلت الهنود بصفتهم موضوعات للاهتمام مساوية لغيرها دون أن تقبلهم بوصفهم ذواتاً تجد تعريفها مساوية لغيرها و جديرة باختيار طرق حياتها بنفسها . و النظرة ذاتها نجدها عند فيلسوف كبير مثل كانت الذي رد رداً قاسياً على هردر الذي انتقد التمييز الليبرالي السائد بين مجتمعات متمدنة و أخرى غير متمدنة فسخر من إعجاب هردر بسكان تاهيتي السعداء و اللامبالين متسائلاً ما هو مبرر وجودهم أصلاً . و هكذا نجد أن النزعة الإنطوائية القومية هي التي طغت على أفكار باحثي تلك الفترة بحيث طغى حكم القيمة على حكم الوجود , و هذا ما يتناقض بشكل أساسي مع شرط المنهج العلمي السليم الذي يمنع اتخاذ أحكام القيمة كأساس لأي تصنيف حيث لا يمكن استعمال أوصاف أحسن أو أسوأ في البحث العلمي إلا لغايات خاصة , ففي ميدان الثقافة يظل نظاماً ثقافياً ما أو نظاماً لغوياً أو أي عنصر آخر يحتفظ بقيمته في أي دراسة للثقافة طالما كان يقوم بوظيفته في حياة أولئك الذين يستخدموه بصورة مرضية و يمكن أن يكون أحسن أو أسوأ فقط في ذهن الباحث الذي يكشف تفكيره لا محالة عن نظام القيم الذي نشأ عليه . 24 و هذا جعل الأنثروبولوجية الحديثة تقوم على مجموعة من القوانين التي توجه أبحاث علماء الأنثروبولوجية , و هذا جعل الأنثروبولوجية الحديثة تقوم على مجموعة من القوانين التي توجه أبحاث علماء الأنثروبولوجية , و بعض هذه القوانين أساسي إلى درجة أنها أصبحت من المسلّمات منها أن الإنسان يكتسب الثقافة بالتعلّم لا بالفطرة و يؤدي ذلك إلى مبدأ الاقتباس الثقافي الذي لعب و ما يزال يلعب دوراً فائق الأهمية في دراسة الثقافة 25 . و دراستنا لذاك المبدأ و آلياته الانتقالية تتيح لنا معرفة الخصوصية التي تتصف بها كل ثقافة سواءً المصدرة أو المتلقية للمادة الثقافية و في كيفية التوظيف البنيوي لتلك المادة تبع خصوصيات كل ثقافة حيث تبنى الأحكام على التجربة و يفسر كل فرد التجربة حسب ثقافته الخاصة , و هنا تغدو مهمة الأنثروبولوجية الكبرى القائمة على تحليل و تحديد مكان الإنسان في العالم عندما تؤكد بأن بعض القيم المجردة كالحق و الباطل و الشاذ و الطبيعي و الرائع و العادي يتلقاها المرء أثناء تعلمه و تمثله لأساليب و أنماط الجماعة التي ولد فيها هذا مع التأكيد على أنه رغم أن الأشخاص المنطوون تحت مجتمع واحد يتلقون و يلتزمون عن طريق التعلّم و الاعتياد أنماط الجماعة التي يعيشون في كنفها فإنهم يختلفون في ردود أفعالهم إزاء مواقف الحياة التي يواجهونها معاً كما يختلفون في رغبة كل منهم بالتغيير الاجتماعي العام الذي يصيب كافة المجتمعات و الثقافات بلا استثناء . إن التغير هو القانون الثابت الوحيد الذي يشمل كافة الجماعات سواءً أكان ذلك ضمن الآلية الداخلية للمجتمع أو بالمفاهيم الخارجية المتعلقة بالعلاقة بين الجماعات المختلفة , هذا دون إغفال القانون الأساسي الذي يحكم هذه التغيرات المختلفة المتمثّل " بالإنطوائية القومية " الذي يعني أن الإنسان يفضل طريقة قومه في الحياة على طرق جميع الأقوام الأخرى و تلك هي النتيجة المنطقية لعملية التثقيف الآلية الأولى التي يقوم بها المجتمع تجاه الفرد و ما ينتج عن ذلك من شعور يتصف به معظم الأفراد تجاه مجتمعهم و ثقافتهم الخاصة سواءً أفصحوا عن ذلك أم لم يفصحوا , و إذا ما أصبحت تلك الإنطوائية عقلانية كما هو الحال في الثقافة الأوروأميركية و غذت أساساً لوضع برامج عمل ضارة بثقافة الشعوب الأخرى أدت إلى نشوء معضلات خطيرة , و قد تحدث الأنثروبولوجيون أنه عندما شاهد أحد زنوج أحراج سورينام مشعلاً كهربائياً تعجب و قال " سحر الرجل الأبيض ليس كسحر الرجل الأسود " و هو بذلك لا يعدو أن يعزز إيمانه بثقافته الخاصة و نحن نستطيع أن نضع مقابل ما قاله لوك عن الهنود آراء هنود أميركا الوسطى بالرجل الأبيض حيث يعتبرون حديثه بصوت عال و سلوكه الغليظ من علامات سوء تربيته و ثقافته البدائية , و في كثير من أصقاع أستراليا و إفريقيا و أميركا الجنوبية اعتبر السكان أن أول البيض الذين دخلوا أراضيهم ما هم إلا أشباح الموتى من القبيلة 31 . وبطبيعة الحال نحن نجد أن كل الجماعات البشرية تقريباً تكاد تتفق في عقيدة كل منها بأنها الأصل و سائر الجماعات أحط منها , فالهنود الأميركيون يعدون أنفسهم شعب الله المختار خلقه الروح الأعظم ليكون مثالاً يرفع إليه البشر , و قال الكاريبيون ( نحن وحدنا الناس ) , و كان الإسكيمو يعتقدون بأن الأوروبيون إنما ارتحلوا إلى جرينلند ليأخذوا عنهم طرائق العيش الصحيحة و الفضائل , و بهذا فالأوامر الخلقية و المحرمات لا تنطبق إلا على أهل القبيلة و أفرادها أما الآخرون فما لم يكونوا ضيوفه فمباح له أن يذهب في معاداتهم إلى الحد المستطاع 32 . أليس هو هذا وضع العالم المتحضر أيضاً ؟ ألم نستبدل القبيلة بالقومية ؟ . و إذا كنا نطلق كلمة بشر على كل من يتصف بصفات إنسانية معروفة و عامة لدى الجميع فإن هذا المصطلح نفسه كان مرهوناً بخصوصية معينة جعله حكراً على مجتمع أو جماعة ثقافية معينة دون سواها بحيث يصبح ما دونها جماعة من أنصاف البشر البرابرة ( يكفي أن نطلع على الأحكام و الأفكار التي كانت سائدة لدى أهالي مصر و اليونان و الرومان في العصر القديم ثم أوروبا العصور الوسطى لنعرف مدى عمومية هذا الطرح ) . , و يمكن أن يشار هنا مرة أخرى بأن هذا الموقف الفكري الذي يصار باسمه إلى طرح الهمجيين من نطاق البشر هو بالضبط الموقف الأكثر وضوحاً و تميزاً لدى هؤلاء الهمجيين أنفسهم حيث تضيق مقولة البشرية لتخصهم فقط وحدهم دون ما سواهم الذين هم في أحسن الأحوال ( خبثاء – أشرار – قردة الأرض ) , و في جزر الأنتيل الكبرى بينما كان الأسبان بعد اكتشاف القارة الأميركية يرسلون البعثات الاستكشافية بحثاً عما إذا كان أهالي تلك البلاد يملكون روحاً أم لا كان هؤلاء الأهالي يعمدون إلى الأسرى البيض الذين يقعون في أيديهم فيغطسونهم بالماء لكي يتحققوا بعد مراقبة طويلة لهم إذا ما كانت جثثهم عرضة للتفسخ و الإهتراء أم لا . 37
إذاً كل ثقافة تميل إلى المبالغة في تقدير الوجهة الموضوعية لفكرها و عندما نرتكب خطأ الاعتقاد بأن الإنسان البري محكوم حكماً مطلقاً بحاجاته العضوية أو الاقتصادية فإننا لا ننتبه إلى أنه هو الآخر يعيرنا بالتهمة نفسها بل إنه يرى أن رغبته الخاصة في المعرفة أكثر توازناً من رغبتنا 33 . و يقول شتراوس بهذا الصدد " عندما نميل إلى وصف ثقافة ما بالجمود يجب علينا أن نتساءل ما إذا كانت تلك الجمودية الظاهرة لا تنتج عن طبيعة جهلنا باهتماماتها الحقيقية الشعورية و اللاشعورية و ما إذا كانت هذه الثقافة نظراً لاختلاف معاييرنا عن معاييرها ليست في نظرها إلينا ضحية الوهم ذاته , بعبارة أخرى قد يبدو بعضنا البعض مجردين مما يثير الاهتمام لأننا ببساطة لا نتشابه " . عليه يغدو مفهوم الشعوب ما قبل المنطقية البدائية غير واف للغرض , فالوقائع المستمدة من ثقافات عديدة تبرهن على أن كل الشعوب تفكر أحياناً تفكيراً منسجماً مع مبدأ السببية الموضوعية أو تتقبل تفسيرات تربط حادثة ما بسبب ظاهري , كما أن كل الشعوب تنطلق في تفكيرها من مقدمات تعتبرها ضرورية و مسلمة و إذا ما أقرّت المقدمات أصبح المنطق الذي تمليه غير قابل للنقض . و قد تحدّث هرسكوفيتز قائلاً " في الحقيقة يجب الاعتراف بأن جميع بني الإنسان يفكرون أحياناً بشكل قبل منطقي ذلك أن عدد الذين يسلكون في تفكيرهم المنهج العلمي الذي نفخر به قليل نسبياً حتى في ثقافاتنا لا يفكر هؤلاء الأشخاص أنفسهم تفكيراً منطقياً فهم يستخدمون عندما يعملون في مختبراهم المنطق العلمي الدقيق غير أن أشكالاً أخرى من التفكير تلعب دوراً هاماً خارج عملهم العلمي عندما يتكلم رجل العلم مثلاً عن الحظ في مصادفات الحياة الاجتماعية أو عندما يبدي احترامه لرمز يمثل السلطة أو الجمال " 40 و يذهب شتراوس إلى أبعد من ذلك قائلاً بأن كل من الفكر الأسطوري و العلمي يعملان بالمنطق ذاته و الإنسان قد أحسن التفكير دائماً فالبلطة المصنوعة من الحديد ليست أرقى من البلطة المصنوعة من الحجر لأن الأولى أفضل صنعاً من الثانية فكلتاهما صممتا على نحو جيد غير أن الحديد شئ آخر غير الحجر "
على هذا نرى أن معظم الثقافات التي تدعى بدائية هي في الواقع بعيدة عن البدائية و عن البساطة بل هي في العديد من النواحي أعقد من الثقافات الأخرى التي تدعى بالمتمدنة , و النظم التصنيفية المستخدمة في تصنيف حالات القرابة و كل ما يعنيه ذلك إنما هي مثال جيد على التعقيد البالغ الذي تتصف به تلك الثقافات , و ما هو أبلغ أثراً حتى من هذه النظم ما يدعى باللغات البدائية التي هي بشكل عام أعقد بكثير بل و في بعض نواحيها هي أطوع من أية لغة أوروبية أخرى , و مع ذلك هي لغة شعوب لم تجد للكتابة ضرورة و لذلك لم تعنى بتطويرها و لنفس السبب ( أي انتفاء الحاجة ) فإن تلك الشعوب لم تعنى بتطوير و بتعقيد ثقافتها و كان ذلك بدوره أيضاً سبب عزلة أكثر هذه الشعوب عن الآثار المخصبة التي تنتج عن الاحتكاك بشعوب لها ثقافات مختلفة . و قد حاول شتراوس إيضاح الأسباب العميقة الكامنة وراء المقاومة التي تبديها الشعوب الأولية إزاء مفاهيم التطور بالمعنى الغربي حيث ردّها إلى مفهومين هما إرادة الوحدة و احترام الطبيعة . و إذا ما نظرنا إلى إرادة الوحدة نجد كثيراً ما تم الاستناد إلى الخاصية اللاتنافسية عند بعض تلك المجتمعات في شرح المقاومة التي تبديها ضد التطوير و التصنيع رغم أننا لا نملك الإلحاح كثيراً على حقيقة أن غياب روح المنافسة المشار إليه لا ينتج في أغلب الأحيان عن حالة محرضة من الخارج أو عن اشراط سلبي سابق , بل بالأحرى عن تقدم واع يطابق تصوراً معيناً للعلاقات بين الإنسان و العالم و بين البشر أنفسهم , ففي ملاحظة جرت في غينية الجديدة لدى قبائل غاهوكو كاما عندما تعلّم هؤلاء كرة القدم عن طريق المبشرين نراهم عوضاً عن البحث على انتصار أحد الفريقين فإنهم يضاعفون عدد اللعبات حتى يتوازن عدد الخسارات و الانتصارات لدى كل فريق بحيث تنتهي اللعبة دائماً بالتعادل دون أن يكون هناك خاسر أو رابح . و احترام الطبيعة أيضاً يفسر أيضاً أسباب المقاومة التي تبديها هذه الشعوب في وجه التطور , ذلك أن التطور يستتبع تفضيل الثقافة على الطبيعة تفضيلاً مطلقاً و معترفاً به الأمر الذي لا يقبل قط خارج نطاق الحضارة الصناعية , فنجد أن مفهوم الطبيعة عند تلك الجماعات يتصف بطابع مبهم , فالطبيعة هي عندهم ثقافة فرعية لكنها خاصة بالمجال الذي يصبو الإنسان إلى الاتصال فيه و من خلاله إلى الاتصال مع الأجداد و الأرواح و الآلهة , ففي الطبيعة يوجد دائماً ما هو فوق طبيعي الذي هو و دون جدال أعلى من الثقافة و فوقها , و لهذا ليس من المدهش أن تقترن التقنيات و المواد الصناعية في الفكر الأهلي بشيء من انعدام القيمة أو نقصها حالما يتعلق الأمر بالعلاقة بين الإنسان و العالم فوق الطبيعي الذي يشكل مفهوم التلاحم مع الطبيعة أحد أشد أنواعه التعبيرية رسوخاً , و إذا كانت بعض الجماعات البائسة في أميركا مثلاً تتمرد أمام احتمال نزع ملكيات يقتضي تعويضها أحياناً إلى مئات الآلاف بل و عدة ملايين من الدولارات فذلك _ بشهادة المعنيين أنفسهم _ لأنهم يتصورون حقلاً معيناً على أنه أم يتعذر عليهم تبديله أو الانفصال عنه , و هذا التصور نفسه يمتد ليشمل نظرة كل جمعة إلى مفهوم الحاجي و الكمالي التي تغدو نسبية أيضاً بين جماعة و أخرى , فالغربيون الذين يقدمون مساعدات لنيبال على سبيل المثال أفزعهم رؤية القرويين الفقراء و هم ينفقون أموالهم ليس على تحسين أحوالهم المعيشية المتدهورة , بل على تجديد معبد القرية , و قد افترض مقدمو المعونات أن الحاجة الأساسية للقرويين هي تأمين إمدادات كافية من الأرز إلا أن الحاجة الأساسية للقرويين تمثلت في تحسين العلاقة مع معبودهم و هم متأكدون من أن المرء لا يستطيع شيئاً لزيادة غذائه دون تلك العلاقة الروحية .
و على الرغم من الاختلافات الكبيرة القائمة بين المجتمعات الأولية التي لا تقل عن الاختلافات بين المجتمعات المتمدنة , فإننا نستطيع و بطريقة بالغة العمومية أن نحدد مجموعة من الخصائص التي تشترك فيها أغلب تلك الجماعات , و من تلك الخصائص قيام تلك المجتمعات على قاعدة اقتصادية جماعية , و هذا لا يعني أن كل شئ هو ملك للجميع بل يعني بأن الوسائل المادية الضرورة لبقاء الفرد و الجماعة إما أن تستعمل من قبل الجميع أو أنها تشكل سلعاً اقتصادية يستفيد منها كل من يحتاجها . أما الملكية الفردية فهي موجودة على شكل أدوات يصنعها الفرد كالمآزر و ما شابهها من امتدادات شخصية هي إما أن تكون غي ضرورية لبقاء الجماعة أو يكون صنعها سهلاً من قبل أي فرد من أفراد الجماعة , و بما أن تلك الجماعات ليست تنافسية بالمعنى البنيوي فإنها تفقد خاصية الولع بالكسب الاجتماعي أو الاقتصادي , و قد تحدث الباحث الانثريويولوجي لورنس فان دريوست قائلاً :" قال لي صياد كبير السن يوماً في أفريقيا أن الفرق بين الرجل الأبيض و الرجل الأسود في إفريقيا هي أن الأول يملك و الثاني يوجد " . و بما أن الوظائف و الأدوار الرئيسية للقيادة جماعية ة ليست سياسية أو دنيوية نجد أن رئيس العشيرة أو أب العائلة ينالان الاحترام باعتبارهما يمثلان تراث العشيرة حيث يكون زعيم العشيرة في أكثر تلك المجتمعات أكبر أعضاءها سناً و احترام شخصيات كهذه يدل على احترام التقاليد التي يسير عليها المجتمع , و النتيجة المنطقية لذلك هي عدم وجود قوانين مكتوبة وفق الشكل المعروف لدى المدنيات الحديثة , فالمجتمع يعمل من خلال العرف و بوساطة روادع أخلاقية غير رسمية يفهمها أعضاءه فهماً جيداً و قد قال تايلور " أهم ما يمكن أن تتعلمه من هذه المجتمعات هي كيف يستطيع المجتمع أن ينظم أموره بدون شرطة يحافظون على النظام " , و هكذا لا توجد حكومة مركزية في تلك الجماعات و الحكم الغالب هو لزعيم العشيرة التي تأخذ أحكامه الطابع الأخلاقي الاحترامي الإلزامي , و قد قال الباحث ولاس في هذا الصدد " لقد عشت مع تلك الجماعات في أميركا الجنوبية و الشرق و لم أجد بينهم قانون أو محاكم سوى الرأي العام الذي يعبر عن رأي أهل القرية عنه تعبيراً حراً , فكل إنسان يحترم حقوق زملائه احتراماً دقيقاً و الاعتداء على هذه الحقوق أمراً بالغ الندرة , والناس جميعاً في هذه الجماعات متساوون تقريباً " و هذا بالطبع ما كان ممكناً لولا خضوع الأفراد لمجموعة من القيود العرفية الصارمة و المعقّدة التي لا يستطيعون فكاكاً منها .
و نتيجة لعدم وجود حكومات مركزية و مبادئ و صيغ مرعية من قبل الجماعة جعلت تلك الجماعات محافظة تتميز بطء الحركة مقارنةً مع الثقافات المدنية الأخرى و لذلك نادراً ما نجد فيها الاضطرابات الداخلية , كون المجتمع في نظر أفراده هو جزء من النظام الطبيعي , و لما كانت الحاجات الأساسية من طعام و ملبس و مأوى تشبع بشكل غير استغلالي من الناحية الاجتماعية فإن النشاط الثوري في تلك المجتمعات لا يظهر حسب المعارف المتاحة . أما التغييرات و الأفكار الحديثة و الوظيفية فهي إن ظهرت تكون تحت تأثير تهديد خارجي أو استجابة لتغييرات جارية في البيئة الطبيعية . إن القبيلة تقوم مقام الدولة في تلك المجتمعات فتحفظ أن أعضاءها و استمراريتهم , و على ذلك فإن النظام القرابي يلعب الدور الأساسي , لقيام نظام القبيلة على أواصر القربى على عكس المجتمعات المدنية التي تضاءلت فيها تلك الروابط بشكل كبير . أما الزواج فيبدو أنه كان قائماً على التعاون الاقتصادي أكثر من الأساس الجنسي لانتشار الحرية الجنسية على شكل واسع في تلك المجتمعات بحيث كان المطلوب من المرأة نشاطها أكثر من جمالها , فهنود أميركا الشمالية يتصلون ببعضهم جنسياً اتصالاً حراً دون أن يكون ذلك عائقاً على الزواج و الأمر نفسه نجده عند قبيلة السويون في سيبيريا و إيجوت في الفلبين و البوشمن في افريقيا الشرقية كما نراه في جزر الأندمان في المحيط الهادي حيث ينسب الابن للأب الزوج حتى و أن لم يكن من نسله فنرى الأب أن عاد من سفر طويل و رأى زوجته رزقت بطفل فرح به و كأنه من نسله , و هكذا فالمرأة في تلك المجتمعات لم تكن تخشى من فقدانها لبكارتها قدر خشيتها من أن تكون عقيمة . و هكذا نجد لتلك الشعوب أنظمتها القيّمية الخاصة التي تسير عليها , و لا يمكننا وسم تلك المجتمعات بالبدائية , إذ أن كلمة بدائية بمعناها الصحيح لا يمكن أن تطلق إلا على بشر انقرضوا منذ الحقبة البلايستوسينية المتأخرة , و بعد تلك الفترة كانت كل المجموعات البشرية قد غدت عاقلة تماماً و لا تختلف عن بعضها إلا في محتوى ثقافاتها و بالتالي لم يعد هناك أي سبب مقبول تجريبياً أو نظرياً لتقسيم المجتمعات و الثقافات إلى قسمين كبيرين بدائي و حضاري , و يصحح الأنثروبولوجي الشهير إيفانز بريتشارد التعبير الاستخدامي لهذا المصطلح قائلاً بأن كلمة بدائي كما اصطلح على فهمها بالأدبيات الانثربيولوجية لا تعني بتاتاً أن هذه الجماعات قد شهدت وجوداً سابقاً على وجود المجتمعات الأخرى أو أنها أدنى منها درجة , فالمعلومات التي نملكها تمكننا من القول أن تلك الشعوب تملك تاريخاً بطول تاريخنا على الأقل و رغم أنها لا تتمتع بالتطور بدرجة مساوية لتطورنا فقد يتفق لها بشكل من الأشكال أن تنم في بعض الميادين عن درجات من التطور متقدمة علينا . " و بطبيعة الحال فإن كلمة بدائي تبدو اختياراً غير موفق رغم أنها أصبحت الآن مصطلح واسع الانتشار و الذيوع و من خلالها أصبح الإنسان البدائي شخصية أسطورية تقريباً في التراث المكتوب لمعظم اللغات الأوروبية و إذا هذا الإنسان بمثابة المشجب يعلقون عليه أنواعاً من الآراء , و هذا ما دفع العلماء المعاصرين في هذا المجال إلى السير نحو الإقلال من استخدام هذا المصطلح و الاستعاضة عنه بمصطلحات أخرى تعرض معظمها بدوره للانتقاد لسبب أو لآخر , فاصطلاح المجتمعات القديمة أو البالية كما استخدمها الباحث مرسيا إلياد مضلل فقد تكون الشعوب المعاصرة هي المقصودة , أما اصطلاح الإنسان الحجري فما هو إلا وسيلة لجذب اهتمام الناس , بينما يذكرنا اصطلاح مجتمعات غريبة بنوع الاستجابة التي راحت الوكالات السياحية لاستثارتها , و هناك مصطلحات أخرى مثل ( متأخرة – ساذجة – معوقة – غير معاصرة – متوقفة عن النمو ..... ) و هي كما نرى تنطلق من دلالات تحقيرية واضحة . أما اصطلاح الشعوب اللاكتابية الذي اقترحه الأنثروبيولوجي الأميركي هرسكوفتز و رغم ما فيه من نواقص إلا أنه يركز الاهتمام على أهم معيار لتمييز ثقافة عن أخرى و هو في نفس الوقت مصطلح محايد يشير صراحة إلى المعيار الذي يستخدمه , و هكذا ظهر مجموعة من الأنثربيولوجيون الذين فضلوا اعادة تعريف الكلمة أو الاستعاضة عنها بمصطلحات أخرى مثل أولية أو إثنولوجية أو حتى بالانثربيولوجية و هي المصطلحات الأكثر حيادية التي تخص الجماعات البشرية بغض النظر عن ثقافاتها المختلفة فكيف استطاعت الأنثروبولوجيا تجاوز تلك النظرة و ما هو هذا العلم ؟ .
الأنثروبيولوجيا هي مصطلح مركب من مقطعين باللغة اليونانية هما ( أنثروس ) و تعني إنسان و ( لوجيا ) و تعني علم و بهذا فهي تعني علم الإنسان أو المعرفة المنظمة عن الإنسان , و هي تجمع في علم واحد الجوانب البيولوجية و الاجتماعية و الثقافية للإنسان و ميدان الدراسة الأساسي لها هو الجماعات أو المجتمعات التي تدعى بالبدائية و إن كان هذا الميدان اتسع في الفترة الأخيرة بحيث أصبح يشمل دراسة المجتمعات العليا القديمة و بتأثير المدرسة الثقافية الأميركية ازداد المجال اتساعاً ليشمل مجتمعات أوروبية الأصل تعيش في ظروف تكنولوجية حديثة , و بالتالي أصبحت تدرس الأنماط الحضارية ذات الطابع المعاصر و القديم و الأولي و المدني , كما تدرس المجتمعات الحديثة في الريف و المدينة و تأثير الهجرات في التركيبات الحضارية الثقافية المعاصرة . و من الناحية الاصطلاحية نجد تصورين أساسيين لهذا العلم , التصور الأول هو التصور الأميركي الذي ينظر للأنثروبيولوجيا كعلم يهتم بدراسة الإنسان من الناحيتين العضوية و الثقافية على حد سواء و يستخدم الأميركيون مصطلح الأنثروبيولوجيا الجسمية أو الفيزيقية للإشارة إلى دراسة الجانب العضوي التطوري الحيوي للإنسان , بينما يستخدمون مصطلح الأنثروبيولوجيا الثقافية لمجموع التخصصات التي تدرس النواحي الثقافية و الاجتماعية لحياة الإنسان يدخل في ذلك الدراسات المتعلقة بالإنسان القديم ( الأركولوجيا ) , كما تتناول الأنثروبيولوجيا الثقافية دراسة لغات الشعوب الأولية و اللهجات المحلية و التأثيرات المتبادلة بين اللغة و الثقافة بصفة عامة و ذلك في إطار ما يعرف بعلم اللغة .
أما التصور الأوروبي للإنثروبولوجيا فهو مختلف بين بلد و آخر , فقد كان يقصد بالأنثروبيولوجيا حتى عهد( كانت ) دراسة التاريخ الطبيعي للإنسان حيث اتسعت في أوروبا موضوعات الأنثروبيولوجيا بهذا المعنى و تنوعت لتشمل الدراسات المقارنة بين الإنسان و الحيوان و بين السلالات البشرية بل و حتى الدراسة المقارنة بين الذكور و الإناث و صلة ذلك بالأدوار الاجتماعية .و قد اصطلح الفرنسيون على الأنثروبيولوجيا الاجتماعية بالأثنولوجيا و الأثنوغرافية و هم يدرسونها تحت مظلة علم الاجتماع , أما الإنكليز فأسموها بالأنثروبيولوجيا الاجتماعية و تعاملوا معها كعلم قائم بذاته لا يدرج تحته أي من الأركولوجيا أو علم اللغويات و هذا ما ساعدهم على وضع نماذج نظرية تشرح أبنية المجتمعات و تفسّر الآليات و الوظائف التي تساعد على استمرارية الحياة الاجتماعية و تماسكها , و بهذا خرج إلى الوجود ما يشار إليه مثلاً بأنثروبيولوجيا القرابة أو الدين أو الاقتصاد أو النظم السياسية و غير ذلك مما يسير ضمن إطار الانثروبيولوجيا الاجتماعية . و هكذا فالانثروبيولوجيا الاجتماعية في إنكلترا و إلى حد ما في أميركا استعملت للدلالة على فرع معين من الأنثروبيولوجيا التي تعنى بدراسة الإنسان ثقافياً و اجتماعياً , أما في أوروبا فالقاموس اللفظي مختلف , فعندما يتحدث الأوروبيون عن الأنثروبيولوجيا فهم يذهبون إلى ما يسميه الإنكليز الأنثروبيولوجيا الفيزيقية الحيوية أما ما يسميه الإنكليز بالأنثروبيولوجيا الاجتماعية يسمى في أوروبا بالأثنولوجيا أو بالاجتماعيات . و بشكل علم يمكن تقسيم الأنثروبيولوجيا إلى فرعين رئيسيين يتشعب عنهما مجموعة كبيرة من الفروع الأخرى , الفرع الأول هو الأنثروبيولوجيا الحيوية أو الفيزيقية أو الطبيعية , و هي فرع قديم ظهر في أواخر القرن الثامن عشر تحت تأثير الأفكار الداروينية و هو يهتم بدراسة الإنسان من حيث سماته الجسمية و التشريحية كشكل الجمجمة و طول القامة , كما يدرس الإنسان في نشأته الأولى و في تطوره عن الرئيسيات و في كيفية اكتسابه السمات و الخصائص السلالية التي تميزه عن غيره من الأجناس و الأنواع الحيوانية . أما الفرع الثاني فهو الأنثروبيولوجيا الثقافية ( بشقيها الاجتماعي و الثقافي ) وهي تهتم بدراسة منتجات الإنسان الثقافية على اعتبار أنه نوع يتميز عن بقية الأنواع الحيوانية بالثقافة و هذا الفرع تندرج تحته مجموعة من المباحث الأساسية هي علم اللغويات الأنثروبولوجية التي تقوم بدراسة اللغات و تاريخها دراسة بحثية وصفية بغية تحديد أصول اللغات الإنسانية بالإضافة للأنثروبيولوجيا الاجتماعية التي تنقسم بدورها إلى عدة فروع سياسية و قانونية و اقتصادية و دينية … الخ , ثم هناك علم الآثار و ما قبل التاريخ الذي يحاول دراسة أسلوب تطور تفكير الإنسان القديم من خلال مخلفاته الأثرية المختلفة و طرق تطويرها . ومن هذا التيار يمكننا الحديث عن تياران أساسيان هما الأنثروبيولوجيا الاجتماعية و الأنثروبيولوجيا الثقافية , الأولى تهتم بدراسة المجتمعات البسيطة الصغيرة التي يمكن فيها فهم دراسة العلاقة بين النظم الاجتماعية جميعاً , و لذلك بدأ هذا الفرع بدراسة المجتمعات الأولية صغيرة الحجم ذات النسيج الاجتماعي المحدود و المتكامل , و الذي يمتاز ببساطة الفنون و الآلية الاقتصادية و قلة التخصص في الوظائف الاجتماعية , وهذا الاتجاه ساد في إنكلترا بشكل خاص . أما الأنثروبيولوجيا الثقافية فهي بشكل خاص تهتم بالسلوك التقليدي للبشر في السياق الاجتماعي حيث تدرس أنساق الحكم و السلوك لدى الجماعات بدءً من المجتمعات الأولية ذات التكنولوجيا البسيطة وصولاً إلى المجتمعات الأكثر تنظيماً , و على ذلك إذا كانت الانثروبيولوجيا الاجتماعية قد نظرت للإنسان الشامل من خلال نتاجاته فإن نظيرتها الثقافية نظرت للإنسان انطلاقاً من تصوراته و إذا كانت الأنثروبيولوجيا الاجتماعية تركز على العنصر البشري كالعلاقات الشخصية و العلاقات القائمة بين البشر داخل الجماعات فإن نظيرتها الثقافية تركز على الإنجاز الخلاّق و الأهداف و الأفكار التي يتم توضيحها و نقلها من جيل لآخر .و هذا الفرع من الانثروبيولوجيا نجده قد ساد في الولايات المتحدة الأميركية . أما من الناحية المنهجية فإن الأنثروبيولوجيا تقسم إلى فرعين أساسين هما الأثنوغرافية و الأثنولوجيا : و كلمة أثنوغرافية تعود إلى المؤرخ الألماني (ب . ج . نيبور ) عام 1810 و هي تعني الدراسة الوصفية لأسلوب الحياة و مجموعة التقاليد و العادات و القيم و الأدوات و الفنون و المأثورات الشعبية لدى جماعة أو مجتمع معين خلال فترة زمنية محددة , أما الأثنولوجيا و هي كلمة ظهرت سنة 1787 على يد عالم الأخلاق (دوشوفان ) فهي تهتم بالدراسة التحليلية و المقارنة للمادة الأثنوغرافية بهدف الوصول إلى تصورات نظرية و تعميمات بصدد مختلف النظم الاجتماعية الإنسانية و بهذا تكون الأثنولوجيا هي نظرية الأثنوغرافية , فإذا كانت الأثنوغرافية كالتاريخ تعتمد على الاستقصاء و صياغة المواد , فإن الأثنولوجيا كعلم الاجتماع تحلل و تبرز النماذج المقامة على أساس الوثائق الأثنوغرافية هادفة القيام بتركيب ثلاثي , الأول بيئي يقارن مكانياً بين الجماعات السكانية المتجاورة , و الثاني تاريخي زماني يضع الحوادث الرئيسية الخاصة بجماعة معينة في ديمومة الزمان , و الثالث منهجي يتوصل من خلاله إلى تفسير نمط من التقنيات و المؤسسات أو المواقف المتعلقة بجماعة ما , و الأنثروبيولوجيا وفقاً لذلك هي العلم الذي يقود إلى درجة أعلى من التعميم لأنها تطمح إلى تحقيق المعرفة الشاملة عن الإنسان منذ بداياته حتى الوقت الحالي , و هكذا تغدو علاقة الأثنوغرافية بالأثنولوجيا هي نفس العلاقة بين الأثنولوجيا و الأنثروبيولوجيا حيث ترتبط الأولى بالطابع الميداني التحليلي و الثانية بالطابع النظري التوثيقي التركيبي و الثالثة أعم تشمل الاثنين معاً لتقدم نظرة شاملة و عمومية , بحيث لا يمكننا اليوم التحدث عن بحث أنثروبيولوجي بالمعنى الأكاديمي دون أن يكون قد مر بتلك المراحل الثلاث .
و عن تلك التقسيمات و المراحل نشأت المدارس الأنثروبولوجية المختلفة و التي تقسم حسب النشوء التاريخي إلى المدارس التالية :
1- المدرسة التطورية : و هي أقدم و أول المدارس الأنثروبولوجية و كان يسود على روادها الطابع النظري المحض الذي لا يرافقه البحث الميداني المطلوب في العمل الأنثروبيولوجي , و إذا ما حاولنا تقصي الإرهاصات التي سبقت تلك المدرسة يمكننا ذكر كتابات هامة ذات طابع أنثروبيولوجي مهدت لنشوء تلك المدرسة , فمنذ القرن الثامن عشر جاءنا مونتسيكو بكتابه 0 روح الشرائع ) الذي يعتبر أول بحث يقوم بدراسة أنثروبيولوجيا تقوم على أساس المقارنة بين الشعوب بحسب مواقعها الجغرافية و المناخية المختلفة , و هو يؤكد بأن التغيير الذي لا يأخذ بعين الاعتبار عادات و تقاليد الجماعة الموروثة لا بد و أن يفشل و الإصلاح لا يكون إلا بغرس عادات و تقاليد جديدة يوجهها المصلحون و يعملون على نشوءها و تطورها , و كذلك تشكل دراسات جان جاك روسو ركيزة هامة في تاريخ الأنثروبيولوجيا نظراً لما تتضمنه من تناول للمادة الأثنوغرافية عن الشعوب المكتشفة في إطار المقارنة بينها و بين المجتمعات الأوروبية حيث استطاع أن يخلص نفسه من التحيز الثقافي لمجتمعه منتقداً قيمه و مشيداً بطرق حياة الشعوب في المجتمعات الأخرى . و في القرن التاسع عشر ظهرت الانثروبيولوجيا كعلم مستقل مع كتّاب أمثال دالمبير و كوندروسه و تورغو ثم سان سيمون و تلميذه الذي اختلف معه فيما بعد أوجست كونت , ففي مؤلفات هؤلاء نجد الأسس النظرية لعلم الأنثروبيولوجيا كما صيغت فيما بعد بحيث كانوا الآباء المؤسسون لأول مفهوم نظري للأنثروبيولوجيا مثلته المدرسة التطورية التي صاغها مجموعة كبيرة من الباحثين نشروا الكتب الأثنولوجية تباعاً في كل من فرنسا و ألمانيا و إنكلترا و أميركا , من تلك الكتب نذكر كتاب المدينة القديمة للفرنسي فوستيل دو كولين عام 1864 , ثم كتاب الإنكليزي إدوارد تايلور الثقافة البدائية عام 1871 , ثم كتاب المجتمع القديم للأميركي لويس مورجان سنة 1877 , ثم كتاب أصل العائلة و الملكية الخاصة و الدولة للألماني فريدريك أنجلز سنة 1884 , و أخيراً و ليس آخراً نذكر الكتاب الشهير – الغصن الذهبي – للإنكليزي جيمس فريزر الذي ظهر جزءه الأول في العام 1890 . و تعكس تلك المؤلفات اهتماما مركزاً حول اتجاه فكري معين ساد إبان هذه الفترة و دفع بالأنثروبيولوجيا دفعة جديدة من حيث تركيزها على الدراسات الأثنولوجية حيث نشأ مفهوم التطورية الثقافية كمرادف لمفهوم التطورية الطبيعية التي جاء بها داروين في كتابه الشهير أصل الأنواع , و بالتالي فإن الفكرة الأساسية لتلك المدرسة تقوم على مفهوم التطور الثقافي على أساس أنه لا يمكن فهم العقل الإنساني إلا بربطة بالتاريخ الذي من خلاله فقط يمكن فهم الحياة الإنسانية و الوصول إلى القوانين التي تحكم مسارها , فتاريخ البشر واحد على أساس وحدة الفكر الإنساني أما الفروقات الثقافية فهي وليدة ظروف تاريخية معينة , وعليه تكون المجتمعات وجود متجانس و متواصل مؤلف من طبقات تطورية و أقسام متوازية يسير فيها التطور حتماً وفق خط مستقيم لا بد على جميع المجتمعات أن تمر به , فالتاريخ خطي المسير و ذا شكل موحد في نشأته و تجاربه و تقدمه و هو ينتقل وفق درجات متتالية للتطور بحيث تكون كل درجة وليدة سابقتها و مساهمة في تشكيل تاريخ ما بعدها , وهذا بالطبع يفترض وجود وحدة سيكولوجية بين جميع البشر على اختلاف ثقافاتهم , لقد تحدث مورجان قائلاً " يتحدد الذكاء بالاختراع و الاكتشاف و تطور القانون الاجتماعي و مفهوم الأسرة و الملكية و يكون التطور بمقدار عملية إنتاج أو تطور إنتاج شروط حياة الإنسان المادية و الذهنية " و هذا بالطبع يقود لفكرة شكلت محور ذهنية تلك المدرسة , تلك الفكرة تقول بحتمية نهاية العصور القديمة لصالح مفاهيم العصور الأحدث بحيث تقوم الفكرة التطورية على إحداث قطيعة بين الثقافات الأولية و الثقافات العلمية , فالثقافات البدائية تدرك نظرياً بالتحليل على اعتبارها بقايا أو عقلنه ميتة و بالتالي يجب أن تختفي من الحياة العملية و الممارسة و ذلك كما قال تايلور " بسبب ترابطها مع المراحل المتدنية من تاريخ البشر العقلي " , وهذا يقود بدورة إلى إيديولوجيا قوامها مفهوم التماثل التي نادت و روجت لها تلك المدرسة و هذا المصطلح يعني ضرورة أن تماثل الشعوب البدائية أو الأقل تحضراً الشعوب المتمدنة و الحضارية و ذلك يكون بأن ينشر لواء المدنية لدى تلك الشعوب بالقضاء على إرثها المتخلف و حملها على الرقي المدني الذي يوحد مفهوم التطور البشري , كما يلاحظ على من يطّلع على مختلف مؤلفات باحثي تلك المدرسة مدى الأهمية التي يعلقونها على ما كان يسميه تايلور بالرواسب الاجتماعية التي تقارن بالأعضاء النافلة عند بعض الكائنات الحية أو الحروف الخرساء في بعض الكلمات , فهذه الرواسب لا تلعب أي دور أو وظيفة أساسية و إن كان لها وظيفة فهي ثانوية و مختلفة كل الاختلاف عن الوظيفة الأساسية و هذه الرواسب لا تعدو أن تكون بقايا زمن منصرم و هي التي تقدم الدليل على أن هذه السلسلة من المراحل الاجتماعية كانت في الواقع سلسلة تاريخية , و إذا ما تمكنا حسب تلك النظرة من تحديد النسق الذي تم بموجبه تتابع تلك المراحل يبقى علينا أن نسعى إلى تحديد المؤثرات التي ولدّت الانتقال من مرحلة إلى أخرى , فهذا مورغان يدعي أن النظام التصنيفي لقاموس ألفاظ القربى ( التي تطلق لفظ أبي على من هو من جيل أبيه و كذلك كلمة أمي على من هم من جيل أمه ) تدل على أن أعضاء تلك الجماعات الغابرة كانوا قد عاشوا قبل ذلك في حالة من الاختلاط الجنسي أو حالة شبيهة بها , كما أدخل مكلينان و هو من رواد تلك المدرسة مفاهيم الزواج و الطقوس المرافقة له كرواسب تشير إلى مرحلة مبكرة من التطور , و كذلك نجد رائد آخر هو الفيلسوف الاجتماعي سبنسر الذي أدخل المفهوم ألد ارويني على المجتمع مع فارق بسيط هو تأكيده على أن التطور الاجتماعي ناتج عن وراثة قدرات مكتسبة لا عن الانتخاب الطبيعي , و كذلك عبر كونت عن قانون الحالات الثلاث ( الحالة اللاهوتية فالحالة الميتافيزيقية فالحالة الوضعية ) التي تصاحب كل المجتمعات البشرية , و هذا على نحو قريب مما عبر عنه مورغان و أنجلز بالمراحل الثلاث للتطور البشري ( الوحشية فالبربرية فالحضارة ) و كذلك فريزر عندما قسم تاريخ الفكر وفق ثلاث مراحل ( السحر – الدين – العلم ) .
بمثل هذا المنهج ألد ارويني سعى باحثي تلك الفترة إلى دراسة كافة مفاهيم المجتمع الإنساني المختلفة من دين و فن و علم و أدب و سياسة .... , و لا يمكن إنكار أن تلك المجموعة من الباحثين قد قدمت معلومات هامة التي ساهمت و دعمت فيما بعد إرساء أسس الأنثروبيولوجيا حيث يعتبر باحثين أمثال مكلينان و تايلور و مورجان من أوائل من نظروا إلى دراسة المجتمعات الأولية كموضوع جدي يمكن للعلماء أن يقصروا عليه إهتمامهم , كما كانوا شديدي الرغبة بتخليص دراسة النظم الاجتماعية من التفكير النظري رغم عدم ابتعاد معظمهم عن ذلك النمط من التفكير , كذلك فقد أسهموا في إدخال الكثير من الدراسات و الموضوعات إلى المجال العام للأنثروبيولوجيا كمورجان الذي أدخل الدراسة المقارنة لنظم القرابة و ماكلينان الذي أو ضح دور النظام الأمومي و مفهوم الطوطمية و فريزر الذي برهن على عمومية المعتقدات السحرية و جمع العديد من الأمثلة عن النظام الإلهي و المقدس , و تايلور الذي برهن على عمومية المعتقدات الحيوية و أدخل كلمة أنيميزم إلى المصطلحات الانثروبيولوجية . و لكن هذا لم يمنع تلك المدرسة تقع بمجموعة من الأخطاء جعلت الكثير من الباحثين ينتقدونها بشدة , فقد وجه إليها الكثير من التحفظات و الانتقادات التي تتميز بالحدة و الصواب منذ لووي و بواس انتهاءً بليفي شتراوس و بالانديه , حيث وضع موضع الشك مبدؤها القائل بالتقدم وفق المسار الخطي وحيد الاتجاه من المجتمع البدائي البسيط إلى المجتمع العصري المعقّد , دون الأخذ بعين الاعتبار عوامل الزمان و المكان الهامة جداً في دراسة ديناميكية الثقافة , فتطور الإنسان ليس مسألة علم حياة و حسب , بل هو ترابط خصائص الإنسان الفيزيائية و الثقافية حيث تؤثر كل واحدة بالأخرى , و المنظور الإنساني لا يكف عن كونه جدل مستمر بين البيولوجيا و الثقافة , و قد تحطمت على أيدي أقطاب المدرسة الأميركية في الأنثروبيولوجيا الثقافية أمثال بنديكت و هرسكوفيتز فكرة الثقافة وحيدة الاتجاه حيث تساءل هرسكوفيتز قائلاً " كيف يمكن إطلاق أحكام قيم على هذه الثقافة أو تلك ما دامت هذه الأحكام مؤسسة على التجربة , و ما دام كل فرد يؤول التجربة في حدود تثقيفه الخاص " . و المشكلة الأساسية كانت في اعتماد التطوريين على مزيج من المعلومات الخاطئة و الغير دقيقة جمعها الرحالة و المبشرون و التجار , و بالتالي اعتمادهم على التاريخ الظني و التخميني بحيث لم يستطيعوا تقديم تفسير واضح عن فكرة التطور الموازي للثقافة , فكيف يمكن تفسير التطور غير المتوازي بين الشعوب و الثقافات ؟ و إذا افترضنا بصحة الفكرة القائلة بوحدة التكوين الفيزيولوجي السيكولوجي للإنسان فهل يمكن القول أن مجتمع الأسكيمو قد انتقل من مرحلة الصيد إلى الزراعة المنظمة على النحو الذي نجده في مصر و الشرق الأوسط ؟ و بهذا نرى أن الأساس الأثنولوجي لهذه المدرسة لم يكن متيناً و لم يجمعه أثنولوجيون مختصون , هذا الأمر دفع إلى قيام بعض الباحثين المتأثرين بأفكار تلك المدرسة بمحاولة لتحسين مفاهيمها و تعديلها و ذلك ما عرف بإسم التطورية الجديدة , فبعد الحرب العالمية الثانية قام مجموعة من الإثنولوجيين يتقدمهم ليزي هوايت و جوليان ستيوارد بمحاولة لاعادة إحياء تلك المدرسة , و على الرغم من أن تساؤلاتهم جاءت متشابهة إلى حد كبير مع الخطوط العريضة و الأساسية لأفكر سابقيهم إلا أنهم أضافوا إليها بعض التعديلات المتعلقة بميكانيزمات التغيير و آلياته , فهوايت تحدث عن مراحل تطور الثقافة كما لو كانت مرتحل كلية عامة تميزها الخبرة الإنسانية المتراكمة و هو يرى أن الثقافة تنمو و ترقى وفقاً لإزدياد كمية الطاقة وفق المعادلة التالية : P=E*T حيث E هي الطاقة و T التكنولوجيا و P النظم الأساسية للثقافة , و عليه إن المضمون التكنولوجي في ثقافة ما هو الذي يحدد الكيان الاجتماعي و الاتجاهات التكنولوجية لها , و يستدل هوايت أنه في المجتمعات التي يستخدم أفرادها قدراً محدوداً من الطاقة تنشأ عندهم نظم سياسية و دينية و اقتصادية أقل و أكثر بساطة من تلك المجتمعات التي تتنوع و تكثر فيها استخدامات الطاقة , و قد مهدت تلك الأبحاث إلى ظهور تخصص جديد في الأثنولوجيا يتناول العلاقة المتبادلة بين البيئة و الثقافة عرف باسم الإيكولوجيا الثقافية . و قد انتقد شتراوس نظرية هوايت قائلاً : " يبدو أن التطورية الجديدة التي ذهب إليها هوايت عاجزة هي الأخرى عن تذليل الصعوبات التي تعترض التطورية الكلاسيكية عموماً , فإذا كان المعيار الضابط الذي اقترحه هو معدل الطاقة المتوفرة للفرد الواحد لكل مجتمع يستجيب لمثال من المثل قد يبدو مقبولاً في بعض مراحل الحضارة الغربية و في عدد من جوانبها , فإن المرء لا يرى كيف يمكن تطبيق هذا العامل المحدد على الأغلبية الساحقة من المجتمعات البشرية حيث تبدو هذه المقولة المقترحة لا تتخذ فوق ذلك أية دلالة على الإطلاق , فالأسكيمو يعتبرون من كبار التقنيين و مع ذلك هم من صغار الاجتماعيين , على العكس من سكان أستراليا الأصليين الذين يعتبرون من كبار الاجتماعيين و صغار التقنيين ." و هكذا فإن الانتقاد المتسارع للتطورية بشقيها ساهم بمحاولة تجاوز تلك المدرسة و تقديم مفاهيم مختلفة كلياً عن مفاهيمها و هذا ساهم بدورة في نشوء مدارس أخرى أكثر حداثة نذكر منها .
2- المدرسة الانتشارية : انطلقت تلك المدرسة من فكرة أن الثقافة كثيراً ما تكون مستعارة , حيث تنشأ في مركز واحد أساسي تنتقل بعده إلى المراكز الأخرى عبر مجموعة من العوامل , و يضيف أصحاب هذه المدرسة أنه إذا ما دققنا في المسألة وجدنا أنه لم يكن هناك إلا عدد محدود من المراكز الهامة التي عملت على تنمية الثقافة و نشرها كما أن المواصفات المنتشرة قد تخضع خلال عملية الاستعارة و الاستيعاب إلى تغييرات و تبدلات كثيرة , و بالتالي فإن مفهوم الصدفة التاريخي في انتشار المساهمات الحضارية يلعب دوراً فعّالاً و مواجهاً لمفهوم الامتداد الطبيعي و الحتمي للمؤسسات الاجتماعية المرافق لأفكار التطوريين , و هناك ثلاث وجهات أساسية عبرت عن وجهة نظر تلك المدرسة أولها إنكليزية : و مؤسسها هو غرافتون إليوت سميث عالم التشريح الشهير الذي انكب خلال إحدى فترات حياته على دراسة المومياء المصرية و هذا قاده إلى الإقامة في مصر الذي أدهشته حضارتها و أخذ يلاحظ بأن الثقافة المصرية القديمة تضم عناصر كثيرة يبدو أن لها ما يوازيها في ثقافات بقاع أخرى من العالم , فقلبت نظريته الاعتبارات التقليدية للزمان و المكان , و لم يقتصر على القول بأن العناصر الثقافية المتشابهة في حوض البحر المتوسط و إفريقيا و الشرق الأدنى و الهند ذات أصل مصري , بل ذهب للقول أن العناصر المماثلة في ثقافات إندونيسية و بولينيزيا و الأمريكيتين تتبع نفس المصدر أيضاً , فالحضارة المصرية بدأت على ضفاف النيل قبل 5 آلاف عام قبل الميلاد و بعد أن بدأت الاتصالات بين الجماعات و الشعوب انتقلت بعض مظاهر تلك الحضارة إلى بقية العالم , و هكذا يجعل سميث من الاقتباس الوسيلة الوحيدة تقريباً التي يمكن من خلالها أن تتم عملية التغير الثقافي و هذا يعني أن مقدرة الإنسان على الاختراع معدومة تقريباً و ينجم عن ذلك رفض فكرة تعدد الأصول , و يتوقف الكثير من براهين سميث على تأويل المعلومات بطريقة المقارنة مع المركز , و كمثال نرى أنه ينطلق من سؤال بناء الأهرامات , متى يكون الأهرام أهراما حقاً بالمعنى الحصري ؟ هل الأهرام المستخدم كقاعدة تبنى فوق المعبد كما هو الحال في المكسيك هو عنصر ثقافي مماثل للمبنى الهرمي الذي أنشئ كنصب لملك متوفى و خصص لكي يضم رفاته للأبد ؟ و إذا افترضنا وحدة أصل جميع الأهرامات فإن هذه الفرضية ستطبق على حالات أصغر فأصغر إلى الحد الذي تعتبر معه المصاطب الحجرية و التلول الأرضية في وادي الأوهايو هي بقايا أو أشكالاً هامشية من الأهرامات , إن تلك النظرة المتطرفة التي تهمل عناصر المكان و الزمان و تلغي قدرات الإنسان المبدعة جاعلة من الاقتباس المبدأ الوحيد للتغيير الثقافي أضعفت من نفوذ تلك النظرية بحيث لم تتعدى إنكلترا موطن منشؤها , و ثاني وجهات نظر تلك المدرسة هي ألمانية نمساوية : و هي نظرة أكثر عمقاً من التي سبقتها من أبرز مؤسسيها وولهم شميدث و فريتر جرايبنور الذين رفضوا فكرة المنشأ الواحد للحضارة و افترضوا وجود عدة مراكز حضارية أساسية في العالم نشأ عن التقائها نوع من الدوائر الثقافية حيث حصلت بعض عمليات الانصهار و التشكيلات المختلفة . أما وجهة النظر الثالثة فهي أميركية : عبر عنها فرانز بواس الذي أكد أن المسألة الأساسية التي يجب أن تعالج في دراسة الثقافة ليست حادثة الاحتكاك الثقافي بين شيئين بقدر معرفة ما هي نتائج هذا الاحتكاك الديناميكية المؤدية للتغير الثقافي , فاقتصرت تلك النظرة بالتأكيد على صفة الوقائع الدينامية للثقافة أكثر من إعادة تركيبها تركيباً وصفياً , و بذلك رفض هذا الاتجاه الزعم بعدم إمكانية التطور المستقل , و بأن الناس بطبيعتهم غير مبتكرين , و يؤكد بواس على أن تسجيل العناصر المتماثلة في ثقافات متباينة لا يمكن له أن يشكل بحد ذاته برهاناً مناسباً عن الاحتكاك التاريخي , بل يجب أن تتضمن التشابهات عناصر متماثلة مرتبطة فيما بينها بصورة متماثلة لكي تعتبر دليلاً على الانتشار , زد على ذلك أن هذا يجب أن يكون ضمن منطقة محدودة فقط حيث لا يصعب افتراض قيام الاتصال بين المقتبسين و المقتبس عنهم , و هكذا أكد هذا الاتجاه على ضرورة دراسة الثقافات اللاكتابية و اتباع طرق البحث الميداني ذي المعايير الدقيقة و ذلك من وجهة نظر أعضاء الجماعة المدروسة لا من وجهة نظر الأثنوغرافي بحيث شجع على دراسة اللغات الوطنية و استعمالها بالبحث , و بهذا يكون هذا الاتجاه قد دفع بالدراسة الميدانية للأنثروبيولوجيا دفعاً جديداً . كما دفع البحث الأنثروبيولوجي إلى تأكيد دراسة المجتمعات الأولية لذاتها لا كما نراها نحن , و هذا شجع على ظهور اتجاه جديد في الأنثروبيولوجيا قائم على إدخال الآليات النفسية في الدراسات الانثربيولوجية ممثلاً بمدرسة جديدة هي :
3- المدرسة التاريخية النفسية : جاءت كرد فعل على المدرسة الانتشارية و الوظيفية و نزعتهما اللاتاريخية , حيث رأت بإمكانية فهم الثقافة عن طريق التاريخ إلى جانب الاستعانة ببعض مفاهيم علم النفس و بشكل خاص تقنيات التحليل النفسي , فوسعت روث بيندكت و هي من رواد هذه المدرسة المفهوم التاريخي بتطبيق مبادئ علم النفس بحيث غدت أي أية سمة من السمات الثقافية تضم مزيجاً عن النشاط السيكولوجي و الثقافي بالنسبة لعينة معينة من الجماعات , فالتاريخ عند بينديكت لا يكفي وحده لتفسير الثقافة لكون الثقافة مسألة معقدة تجمع بين التجربة التي اكتسبت عبر الزمن بالإضافة إلى التجارب و المكتسبات النفسية , و ربما كان من أهم الموضوعات التي ركز عليها أصحاب تلك المدرسة هي دراسة التميز بين الجماعات و الثقافات تبعاً للخصائص النفسية السائدة فيها , و ظهر نتيجة لذلك عدة دراسات عالجت موضوع الطابع القومي للشخصية و التي تهدف إلى تحليل و تفسير المقومات النفسية الرئيسة التي يتميز بها شعب دون آخر أو ثقافة دون أخرى , و من أهم الممارسات التطبيقية في هذا المجال نجد دراسة بنديكت بعنوان ( زهرة الكيزتنم و السيف ) في العام 1946 و التي تمثل دراسة للشخصية اليابانية , حيث كان لهذه الدراسة أهمية كبيرة في بلورة السياسة الأميركية نحو استسلام الجنود اليابانيون في نهاية الحرب العالمية الثانية في المحيط الهادي , فبناء على ما أوضحته الدراسة عن أهمية شخصية الإمبراطور كرمز مقدس في العقلية اليابانية و احترام الجنود الشديد للسلطة الحاكمة في شخص الإمبراطور أبقت الحكومة الأميركية على مركز الإمبراطور و طلبت منه أن يصدر تعليمات لجنوده بالاستسلام و هو ما تم و به حقن الكثير من الدماء . و يمكن القول أنه يرجع الفضل لهذه المدرسة في طرح فكرة تعدد الثقافات و كسر فكرة الاحتكار الثقافي لشعب من الشعوب أو مركز من المراكز , و عندهم نشأت فكرة النسبية الثقافية الذي لاقى رواجاً و قبولاً واسعاً في عصر سيطرت فيه النسبية الآنيشتاينية و جزبت الاهتمام النظري و الاستخدام العملي في العلوم الطبيعية . و هذا ساعد على ترسيخ ا لأساس الميداني البحثي المباشر للجماعات المدروسة التي عبرت عنه بشكل واضح المدرسة الوظيفية .
4- المدرسة البنائية الوظيفية : تعود جذور هذه المدرسة لعالم الاجتماع الفرنسي اميل دوريكهايم الذي أكد على الدور الوظيفي لبعض المفاهيم الاجتماعية كالانتحار و الدين .. و في هذه المدرسة انتقل الأنثروبيولوجي من المنظر إلى الباحث الميداني فأصبح الباحث و المنظر شخص واحد , و غدا الباحث يحيا قيم الجماعة المدروسة و يعيش عاداتها و تقاليدها و يحترمها بغير تحيز , هذه كانت حال مؤسسي تلك المدرسة أمثال مالينوفسكي و راد كليف براون الذين لم ينطلقوا مثلاً كما انطلق فريزر واضع الأحد عشر مجلداً عن الطوطمية حينما أجاب عن سؤال مفاده هل ذهب إلى المتوحشين فأجاب ( لقد جنبني الله ذلك ) . فقد ركزت الوظيفية على دراسة الثقافات كل على حدة في وقها و زمانها الحالي فرفضت المفهوم التاريخي الموجود في المدرسة التاريخية , و السبب من وجهة نظرهم أن العلم لا يهتم بتاريخ الظاهرة التي يبحثها قدر تركيزه على الكشف عن العلاقات القائمة بالفعل بين عناصر تلك الظاهرة ككل و علاقتها بغيرها من الظواهر الأخرى , و هذا يؤدي في النهاية إلى الوصول للقوانين التي تحكم الظاهرة المدروسة من ناحية تكوينها و أداؤها لوظيفتها . فالعنصر الثقافي لا يمكن فهمه عن طريق إعادة تكوين نشأته أو انتشاره بل من خلال وظيفته العملية الآنية , و عليه يترتب دراسة ثقافات الشعوب كل على حدة في إطار وضعها الحالي لا كما كانت عليه . و هكذا نلاحظ اتسام هذه المدرسة بالاتجاه اللاتاريخي و اللاتطوري , فالمجتمعات عبارة عن أنظمة طبيعية كل أجزاءها مترابطة العلاقات فيما بينها , كما أن كل جزء يقوم بوظيفته داخل شبكة متراصة من العلاقات التي لا بد منها للحفاظ على الكل الاجتماعي , و هذه الحياة الاجتماعية يمكن أن تصاغ بلغة قوانين علمية تسمح باستباق الأحداث و تداركها . , و قد تحدث براون عن الوظيفية قائلاً " إن مفهوم الوظيفية في تطبيقه على المجتمعات البشرية مبني على التماثل القائم بين الحياة الاجتماعية و العضوية و الوظيفة هي ما يقدمه نشاط جزئي من مساهمة في النشاط الكلي , و بالتالي فإن وظيفة العرف المجتمعي المعين تحدد في مساهماته التي يقدمها للحياة المجتمعية بأسرها " و يصف مالينوفسكي الوظيفية بأنها " تهدف إلى تفسير الوقائع الانثربيولوجية في جميع مستويات تطورها بالوظيفة التي تؤديها و الدور الذي تلعبه في منظومة الثقافة بأكملها , و كيفية ارتباطها ببعضها داخل المنظومة , و كيفية ارتباط هذه المنظومة بالمحيط الطبيعي " .
و تؤكد الوظيفية على مفهوم البناء الاجتماعي الذي و كما عرفه براون يشتمل على ثلاثة مجموعات من الظواهر الاجتماعية هي : الجماعات الاجتماعية المستمرة في الوجود لفترة معينة من الزمن – و كل العلاقات الاجتماعية في المجتمعات الأولية – و ظواهر التنوع بين أفراد و جماعات ما حيث تحدد تلك الظواهر الأدوار الاجتماعية التي يقوم بها الجماعات و الجماعات في المجتمع الواحد . كما عرفه إيفانز بريتشارد بأنه الجماعات الاجتماعية المستمرة في الوجود لوقت كاف بحيث تستطيع الاحتفاظ بكيانها كجماعات رغم التغييرات التي تحدث للأفراد الذين يكونون تلك الجماعات . و يمكننا تقسيم البناء الاجتماعي العام إلى مجموعة من الأنساق الفرعية التي تتجلى فيها مجموعة من النظم , و من المتفق عليه حالياً بين الأنثروبولوجيين الاجتماعيين أن بنية البناء الاجتماعي تتألف من أربعة أنساق أساسية هي : النسق الاقتصادي ( نظام التبادل – نظم الملكية – نظم تقسيم العمل ) و النسق السياسي ( نظم الزعامة – نظم السلطة – نظم الجزاء – نظم القانون ) و النسق القرابي ( نظم الميراث – نظم الزواج و المصاهرة – نظم القرابة ) و النسق الديني ( نظم السحر و العرافة – نظم الدين و المعتقدات ) و قد ركزت الوظيفية على جانب التوازن بين هذه الأنساق في المجتمع مغفلة عوامل الصراع أو دراسة التغيير و عمليات الاتصال الثقافي , و حتى في معالجتهم للتغيير و التحديث نجدهم يركزون على التنافر الموجود مسبقاً و الذي يتحول بمرور الزمن إلى تجانس و انسجام , و لذلك نجدهم يتجهون لدراسة المجتمع أكثر من اتجاههم لدراسة الثقافة , فمثلاً هم لا يسعون إلى اكتشاف دلالة هذه القواعد بالنسبة للعلاقات القائمة بين الجماعات , و لا ينظرون إلى عنصر اجتماعي معين إلا من خلال أداؤه لوظيفته , و هذا ما عبر عنه مالينوفسكي عندما رأى أن السستام الاجتماعي عبارة عن شبكة من التجريدات , و لعل مما يؤخذ على الوظيفية هو إهمالها لدور التاريخ حيث معرفة ماضي المجتمعات يظل عنصراً أساسياً يساعدنا على فهم أفضل لطبيعة حياته الاجتماعية الراهنة , و التاريخ لا يقتصر على دراسة تتابع الأحداث بل هو يمثل أيضاً عملية نمائية حيث أن الماضي يظل مستوعباً في الحاضر الذي يستوعب بدوره المستقبل , كما أخذ عليها الطابع السكوني التي عبرت به عن المجتمعات ناكرة إمكانيات التغيّر بشكل عام , بالإضافة إلى مزجها للظاهرات الاجتماعية بالظاهرات الطبيعية , و هذا ما أخذه عليها كلود ليفي شتراوس الذي أدخل الفلسفة البنيوية إلى الميدان الأنثروبيولوجي مؤسساً لمدرسة خاصة هي البنيوية .
5- المدرسة البنيوية : و هي التي أكد فيها شتراوس على دور العقلانية العلمية في تأسيس الظاهرة الاجتماعية بوصفها واقعة علمية تقبل التحليل و الصياغة الرياضية الدقيقة , و على الرغم من التشابه العام الذي يجمع البنيوية بالوظيفية إلا أن الفارق الأساسي بينهما قائم على مفهوم البنية الاجتماعية التي هي عند شتراوس لا تؤخذ من الواقع التجريبي المباشر كما صرحت الوظيفية بل من النموذج العقلي الذي تكونه من الواقع المعاش , و عليه فالبنية ليست كامنة في الموضوع , بل ماثلة في صميم المطلب العقلي الذي يريد إدخال الكثرة التجريبية تحت نظام أو نسق , فالبنية لا تمثل الواقع التجريبي الذي تمدنا به الملاحظة السطحية البحتة , بل الواقع العملي غير الظاهر و الذي لا بد من الكشف عنه فيما وراء المعطيات المباشرة , و هكذا نجد أن أساس البحث عند شتراوس هو فيما وراء العلاقات اليقينية أي البحث عن تلك البنية اللاشعورية و التي لا يمكن الوصول إليها إلا بفضل عملية بناء استنباطي لبعض النماذج المجرّدة , و هذا ما جعله يحمل على النزعة الوظيفية التي اقتصرت على النظرة الواقعية الصرفة للنظم الاجتماعية لإبراز ما فيها من جوانب وظيفية دون الاهتمام ببناء فكرة عقلية تتكفل بتفسير البنية الكامنة خلف المظهر السطحي للظواهر , فالمجتمع يتحول من جهاز عضوي متكامل في الوظيفية إلى مجموعة من العلاقات الرياضية المجردة في البنيوية , و بالتالي فإن مفهوم البنية الاجتماعية لا يستند عند شتراوس إلى الواقع التجريبي بل إلى النماذج النظرية الموضوعة بمقتضى هذا الواقع , و قد توصل من خلال ذلك إلى مبدأين أساسيين : أولهما أن ما نسميه باسم المجتمعات البدائية إنما هي في الحقيقة بالغة التعقيد . و ثانيهما أن ليس ثمة إنسان طبيعي من طبيعة الإنسان دائماً أن يتمثل الطبيعة على شكل ثقافة , و معنى هذا أنه ليس أمعن بالخطأ من التوحيد بين العقلية البدائية و عقلية الطفل , و أصل تعدد الثقافات إنما يعود إلى ما يمتلكه العقل من قدرة كبيرة على التأليف و التركيب و التحول انطلاقا من مبادئ و علاقات ضرورية محددة على غرار ما هو عليه الأمر في اللغة التي أعطاها شتراوس أهمية بالغة و اعتبرها أحد الأركان الأساسية للأنثروبيولوجيا , فاللغة هي الخاصية الرئيسية التي تميز الإنسان عن بقية الكائنات الحية و عن طريقها يمكن فهم كل صور الحياة الاجتماعية , ولذلك نراه يعطي الكلمة أو الدال في تحليله للثقافات أكثر مما يعطي للشيء المعني أو المدلول خاصة و إن الدال الواحد قد يكون له مدلولات مختلفة , و يبرهن شتراوس على أهمية أخذه للنموذج اللاشعوري على اعتبار أن النماذج الشعورية التي تسمى عادة بالمعايير تعد من أفقر النماذج بسبب وظيفتها القائمة على تخليد المعتقدات و العادات بدلاً من تبيان دوافعها , و اللاشعور عند شتراوس مختلف عن اللاشعور عند فرويد فهو عند الأول لا يمثل القطب المضاد للشعور بل هو يكون ماهية الواقع الاجتماعي من حيث هو تبادل و تواصل متخذاً بصورة مباشرة طابع النظام الرمزي بما له من مقومات لا شخصية و لا زمانية .
و يرفض شتراوس تماماً مبدأ التاريخية رافضاً فكرة تكون العقل البشري الارتقائي ما دام من شأن هذه الفكرة أن تستلزم القول بمرور العقل البشري عبر مراحل تطورية متعاقبة و حدوث تغييرات جذرية أو انقلابات حاسمة في طريقة إدراك الفكر للعالم , فالعقل البشري عند شتراوس واحداً عبر تاريخه , و رغم المحاولات الحثيثة التي قام بها شتراوس محاولاً التقريب بين السحر و العلم إلا أن طروحاته ظلت ضمن الإطار الافتراضي دون أن يكون باستطاعته الزعم أنها وليدة تحقيق علمي محض , و رغم أنه لا يرفض فكرة التقدم إلا أنه يتصورها على شكل طفرات منفصلة يقول عنها أنها ليست ضرورية و لا مستمرة بل هي أشبه ما تكون بتراكمات لضربات الحظ السعيد , و بالتالي يغدو التطور أشبه بمجموعة من ألعاب الحظ و كأن المسألة هب تجمع عدد كبير من المعطيات التي يزداد تراكمها احتمال حدوث عدد أكبر من الصدف السعيدة و أما الرابح فهو مجموع البشرية لأنها هي التي تزداد غنى و ثراء . و الواقع إن ولع شتراوس بالرياضيات الوصفية و استعماله لتقنيات علم اللغة و الرفض القاطع للتطورية و مفهوم العقل البدائي بدقة غير معهودة من قبله جعله يخطو خطوة هامة من خطوات البحث الأنثروبيولوجي , و مما لا يمكن نكرانه حالياً أنه لا يمكن الحديث عن الأساطير أو أنظمة القرابة دون الرجوع إليه و نظرته البنيوية العميقة .
و هكذا يتبين لنا كيف استطاعت الأنثروبيولوجيا كعلم تهذيب نظرتنا للآخر و هي و إن بدأت بشكل مثير للريبة إلا أنها ما لبثت أن تجاوزت عوامل نشأتها لتنظر للإنسان كإنسان دون النظر إلى أي اعتبار آخر و الرسالة التي تنقلها إلينا تقول بأن خطأنا في رفض الآخر لا يقل عن خطأ رفض الآخر إلينا . و أختم محاضرتي بقول شتراوس :" إن الأنثروبيولوجيا تبحث عن إلهامها داخل أشد المجتمعات تواضعاً و عرضة للازدراء , و هي تؤكد على عدم وجود شئ مما هو بشري يمكن أن يكون غريباً عن الإنسان , و هي إذ تجند مناهج و تقنيات مستمدة من جميع العلوم لوضعها في خدمة معرفة الإنسان , تدعو إلى مصالحة بين الإنسان و نفسه , و بينه و بين الطبيعة في أنسية معممة " .
مـــنقول
avatar
تقوى الرحمان
عضو متألق
عضو متألق


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الأنثروبيولوجيا و المجتمعات الأولى

مُساهمة من طرف مطرف عمر في 12/1/2011, 08:37

شكرا وجازاك الله كل خير
avatar
مطرف عمر
عضو مساعد
عضو مساعد


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الأنثروبيولوجيا و المجتمعات الأولى

مُساهمة من طرف أديان في 16/1/2011, 22:14

السلبام عليكم ورحمة الله وبركاته
هده اول مشاركة لي
بارك الله فيكم على هدا الموقع الرائع والمواضيع الشيقة
avatar
أديان
عضو جديد
عضو جديد


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الأنثروبيولوجيا و المجتمعات الأولى

مُساهمة من طرف تقوى الرحمان في 17/1/2011, 01:07

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته
وفيكما بارك الله..مع تمنياتي لكما بالتوفيق والنجاح.
avatar
تقوى الرحمان
عضو متألق
عضو متألق


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى