أنثروبولوجيون في العالم Anthropologists in the world‎‏
عزيزي الزائر الكريم
انت لم تسجل في المنتدى بعد، عليك الضغط على زر التسجيل ادناه لتتمكن من مشاهدة ‏جميع الصور والروابط في المنتدى، والمشاركة معنا.ان امتناعك عن التسجيل يعني ‏حرمانك من مزايا المنتدى الرائعة .‏

أسئلة السوسيولوجيا في المغرب حول قضية المرأة في العالم العربي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

أسئلة السوسيولوجيا في المغرب حول قضية المرأة في العالم العربي

مُساهمة من طرف alalkoora1990 في 8/2/2011, 01:47

أسئلة السوسيولوجيا في المغرب
حول قضية المرأة في العالم العربي
عبد الرحيم الراجي
تقديم:
تقديم:
يدخل كتاب قضية المرأة وتحديات التعليم والتنمية البشرية ضمن الكتابات السوسيولوجية المعاصرة التي تراهن على المقاربة السوسيولوجية النقدية كخيار منهجي لفهم العالم الاجتماعي (Le monde social) وقد ركز الباحث مصطفى محسن في هذا المؤلف على مساءلة المسألة الاجتماعية (La question sociale) وتحديدا المسألة النسائية (La question féminine) بحكم ما أصبح يعرفه هذا الموضوع اليوم من اهتمام متزايد ويتجلى ذلك في تنامي نشاط الحركة النسائية التي تنزع نحو تحسين وضعية المرأة عن طريق الرفع من كفاءتها لضمان انخراطها الإيجابي في التنمية الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، الإشكال الذي أطرحه الآن من خلال هذه المقالة والذي يمكن أن يطرحه معي كل المهتمين بالعالم الاجتماعي وبقضية المرأة وبحقوق الإنسان والديمقراطية هو: ما هي أهم الأسئلة السوسيلوجية التي طرحها الباحث المغرب مصطفى محسن في كتاب قضية المرأة وتحديات التعليم والتنمية البشرية؟ ثم ما هي المعالجة المقترحة لهذه الأسئلة؟ وأخيرا وليس آخرا ما هي الملاحظات التقييمية التي يمكن تسجيلها إن على مستوى الرؤية أو على مستوى المنهج المعتمدين في المعالجة؟
1 – الأسئلة السوسيولوجية في كتاب قضية المرأة وتحديات التعليم والتنمية البشرية:
يندرج الكتاب المذكور أعلاه ضمن ما يسميه هشام شرابي "بالخطاب النقدي الذي يرفض الشرعيات المطلقة ولا يعترف بمطلب الحقيقة الواحدة الشاملة، ويصر على الاختلاف السياسي والتعددية الفكرية، ويضع حقوق الإنسان والحريات الديمقراطية وقضية المرأة على رأس اهتماماته الفكرية والاجتماعي [1]، ويتشكل مؤلف قضية المرأة وتحديات التعليم والتنمية البشرية من أربعة مباحث يمكن تركيزها في ثلاث مباحث أساسية فضلا عن المدخل التمهيدي، وقد خصص المؤلف هذا الكتاب لطرح استفهامات سوسيولوجية مركزية ودقيقة يمكن تلخيصها في سؤالين أساسيين:
السؤال الأول: ما هي الأوضاع التعليمية التي تعيشها الفتاة العربية وبخاصة الفتاة المغربية كنموذج في الوسط القروي؟
السؤال الثاني: ما هي الآفاق الممكنة لتدخل الجمعيات غير الحكومية للمساهمة في تحسين أوضاع الفتاة (المرأة) تسهيلا لمأمورية إدماجها في التنمية الاجتماعية الشاملة؟ [2].
2 – المعالجة المقترحة:
ـ في المبحث الأول المعنون بالأوضاع التربوية والاجتماعية للفتاة في الوطن العربي (الفتاة القروية بالمجتمع المغربي المعاصر كنموذج): أشار مصطفى محسن إلى فكرة أساسية مؤداها أن استفادة الفتاة العربية من الخدمات التعليمية لازالت دون المستوى بالمقارنة مع الفتاة في الدول المتقدمة، موضحا بأن الفتاة بالوسط القروي لا زالت تعاني من التهميش حتى الآن وبشكل كبير وقد توصل المؤلف إلى هذه الفكرة عن طريق استنطاق بعض المعطيات الإحصائية المتضمنة في تقرير 1992 الذي قدمته منظمة اليونيسكو بخصوص الوضعية التعليمية بالوطن العربي بما في ذلك المغرب [3] وفي إطار الإشارة إلى الانعكاسات السلبية لهذه الوضعية سجل المؤلف على أن ظاهرة الأمية في صفوف الإناث وبخاصة الفتاة القروية، من الانعكاسات السلبية الناجمة عن عدم كفاية الخدمات التعليمية المقدمة بشكل عام في الوطن العربي وبالمغرب بشكل خاص بالرغم من المجهودات المبذولة في إطار برنامج محو الأمية، فحتى سنة 1990 –يقول المؤلف- لم يبلغ المعدل الوطني لمحو الأمية بالمغرب سوى 49.5% وقد كانت نسبة استفادة الفتاة من برنامج محو الأمية دون المستوى [4].
وهذه المعطيات ستكون لها آثار سلبية على اندماج المرأة في محيطها الاجتماعي والاقتصادي والثقافي، بمعنى آخر ستكون هناك تنمية معطوبة بتعبير المؤلف.
ـ في المبحث الثاني المعنون بعوائق تمدرس الفتاة في الوسط القروي المغربي: ركز الباحث المغربي على تصنيف وتحديد العوائق المعرقلة لتمدرس الفتاة بالوسط القروي وقد حددها في أربعة أنواع:
أ – العوائق التربوية ويمكن رصدها في ثلاث نقط أساسية:
النقطة الأولى وتتعلق بطبيعة ونوعية العرض التربوي: فالعرض التربوي في نظر المؤلف يتسم في الوسط القروي المغربي بسمات التشتت والاختلاف واللاتكامل ويتجلى ذلك في ضعف تغطية حاجة الدواوير إلى المدارس حيث لا تتجاوز هذه التغطية نسبة 33% بشكل عام [5]، عدم كفاية هذه التغطية حسب الدواوير والمناطق القروية المتباينة، عدم توفر المدارس حتى في حالة وجودها على بنية بيداغوجية سواء في هيكلها المادي (البنية التحتية) أو التربوي (توفر كل المستويات الدراسية المتعلقة بطور معين)، عدم ملاءمة التنظيم البيداغوجي (التوقيت، استعمالات الزمن والعطل لخصوصيات الأوساط القروية المختلفة). هذه الوضعية المختلة التي تميز العرض التربوي بالوسط القروي تؤدي في نظر الباحث إلى حدوث ظواهر تربوية سلبية متعددة مثل: ظاهرة العزوف عن التمدرس، ظاهرة الانقطاع المبكر وظاهرة التكرار [6]..
النقطة الثانية وتتعلق بابتعاد بعض مضامين المناهج الدراسية عن قيم ومكونات الثقافة القروية بالمفهوم السوسيو-أنثروبولوجي للثقافة: في هذه النقطة تمت الإشارة إلى أن المناهج المعممة على المستوى الوطني لا تدمج آليات وأساليب التنشئة الاجتماعية التي تراعي خصوصيات الثقافة المحلية من عادات وأعراف وتقاليد وقيم..، وتأكيد الباحث على ضرورة استدخال الثقافة المحلية في أساليب التنشئة الاجتماعية للفتاة القروية التي تفتقر إليها الأدبيات التربوية حتى الآن لا تعني أنه يدعو إلى وضع مناهج خاصة بالوسط القروي وأخرى خاصة بالوسط الحضري لأن الهدف في النهاية هو تكوين مواطن مغربي مستجيب في ثقافته وقيمه لمتطلبات الاندماج والإسهام في مسيرة التنمية الشاملة والمستدامة. إن الهدف الاستراتيجي من الدعوة إلى استدخال الثقافة المحلية هو جعل المؤسسة التعليمية أكثر انفتاحا على محيطها الاجتماعي الثقافي والاقتصادي.
النقطة الثالثة والأخيرة وتتعلق بعدم كفاية الخدمات التربوية المتوفرة: تبرز عدم كفاية الخدمات التربوية المقدمة في قلة المطاعم المدرسية، عدم توفر المطاعم على الشروط الغذائية والصحية الضرورية، غياب الداخليات في جل مستويات التعليم، عدم توفر المؤسسات على قاعات للاستراحة خاصة وأن أغلب التلاميذ ولا سيما البنات لا يستطيعون، نظرا لعامل البعد أن يعودوا إلى منازلهم فيما بين الفترتين الصباحية والمسائية، غياب التجهيزات الأساسية التي يتطلبها السير العادي للعمل التربوي مثل: الماء، الكهرباء، التدفئة، السكن الخاص برجال التعليم، المراحيض، العتاد البيداغوجي المتعلق بوسائل التعليم والتبليغ والإيضاح. غياب هذه الخدمات وضعفها يؤثر سلبا على تمدرس الأطفال وبخاصة تمدرس الفتاة القروية ونظرا لوضعها الاجتماعي ستكون العنصر الأكثر تضررا في ظل هذا الواقع المأزوم [7].
ب – العوائق السوسيو-اقتصادية:
لقد أضحت العوائق الاجتماعية-الاقتصادية، في ظل النظام العالمي الجديد وزحف العولمة (Mondialisation) من أبرز العوائق التي تتحكم اليوم في ثقافة ووعي الإنسان وهذا يذكرنا بمدى صمود المقولة الماركسية التي تقر بأن الواقع الاقتصادي هو الذي يتحكم بل ويحدد وهي الناس وعلاقاتهم الاجتماعية وهذا ما يؤكده كارل ماركس في قوله: "إن الحياة المادية هي التي تحدد الحياة الاجتماعية والسياسية والفكرية عامة"، وفي إطار رصد العوائق الاجتماعية-الاقتصادية المؤثرة على الوضعية التربوية بالمغرب وبخاصة في الوسط القروي، أكد المؤلف على أن هناك عوائق متعددة ومتنوعة نذكر منها على سبيل الحصر ما يلي:
ـ تدهور الوضعية الاقتصادية بالوسط القروي.
ـ اتساع فئة الفقراء لأن أغلب القرويين يعتمدون على أنشطة فلاحية معاشية تعتمد على التساقطات المطرية.
ـ ارتفاع كلفة التمدرس.
ـ تشبث الإنسان القروي، بحكم الأمية وضعف الدخل الفردي وضعف التغطية الصحية، بفكرة استثمار الأطفال كرأسمال بشري في عملية الإنتاج في الأعمال المنزلية وفي الأعمال الحقلية الزراعية أو الرعوية.
لقد ختم مصطفى محسن الحديث عن العوائق السوسيو-اقتصادية بالإشارة إلى فكرة مفادها أن تعاظم تشغيل الأطفال والشباب من الجنسين اليوم تعود في الأصل إلى تدهور المكانة الاجتماعية والاقتصادية للمدرسة المغربية سواء في القرية أو المدينة وهذا التدهور بدأ مع نهاية السبعينات ومطلع الثمانينات ذلك أن التعليم لم يعد أداة للحركية الاجتماعية والترقي بمعنى آخر لم يعد ينظر إلى التعليم على أساس أنه أداة للتنمية والتطور الاجتماعي.
ج – العوائق السوسيو-ثقافية:
في إطار الحديث عن العوائق يؤكد صاحب المؤلف بأن للعوائق السوسيو-ثقافية تأثير كبير على الوضعية الاجتماعية التربوية للفتاة بالوسط القروي، وهذا التأثير يتجلى في تصدي الوعي الاجتماعي التقليدي للتربية الحديثة التي أضحت تركز على إدماج أفكار جديدة وعلم جديد وقيم جديدة مثل الدعوة إلى:
ـ أعمال العقل.
ـ استخدام الذكاء.
ـ مناقشة الأفكار مناقشة علمية قبل تبنيها.
ـ الحرص على الحوار واحترام الغير.
ـ احترام حقوق الإنسان.
ولم تفت المؤلف فرصة لفت انتباهنا إلى أن هناك مفارقة بين مكونات الوعي الاجتماعي وبين الممارسة أحيانا وقد مثل لذلك بالموقف من المرأة بالمغرب، مبينا بأن بالرغم من خروج المرأة إلى مجال العمل والإنتاج في قطاعات متعددة ومختلفة فإنها لا زالت تواجه أفكارا مناهضة لتحررها ومساواتها مع الرجل وبخاصة في الأوساط المهمشة في المدن والمناطق القروية، ولهذا انعكاس سلبي على تمدرس الفتاة وتحديدا الفتاة القروية.
د – العوائق الإيكولوجية:
لقد حصر مصطفى محسن العوائق الإيكولوجية التي تحد من مستوى الإقبال عن التمدرس في الوسط القروي بالنسبة للإناث في:
ـ طبيعة التضاريس التي يتميز بها الوسط القروي.
ـ نوعية المناخ السائد كذلك بالمجال القروي.
ـ بالإضافة إلى مشكلة التأهيل اللامتكافئ للمناطق القروية على مستوى هيكلتها التجهيزية (من كهرباء وماء وطرق ووسائل النقل والاتصال) وعلى مستوى هيكلتها التنظيرية (من خدمات وأجهزة إدارية وصحية ومؤسسات تربوية..).
وبالتالي ينبغي حسب وجهة نظر الباحث مراعاة سياسة تخطيطية تنموية شاملة قائمة على أسس البحث العلمي الذي يراعي بدوره نوعية الطلب الاجتماعي في الوسط القروي [8].
في ظل هذا الوضع المتأزم لتمدرس الفتاة القروية بالوطن العربي وبالمغرب على الخصوص نتساءل عما هي البدائل أو الحلول التي يقترحها الباحث السوسيولوجي مصطفى محسن لتجاوز هذا الواقع المتردي الذي تعيشه الفتاة بالوسط القروي المغربي؟ بمعنى آخر ما هي السبل الكفيلة بتأهيل المرأة القروية وجعلها عنصرا فاعلا في التنمية بمعناها الشامل والموسع؟ وإذا سلمنا بأن الباحث سيقترح حل هذا المشكل عن طريق تدخل المنظمات والجمعيات النسائية كما سيتضح فيما بعد، فالسؤال الذي يطرح نفسه هو لماذا راهن الباحث السوسيولوجي المغربي على المنظمات والجمعيات النسائية؟ بمعنى أكثر شمولية لماذا راهن المؤلف على حل مشكل تمدرس الفتاة القروية بالمغرب على المجتمع المدني وتجنب الحديث عن دور الدولة في هذا المجال؟ هل الدولة أصبحت عاجزة، في ظل العولمة وما تطرحه من إكراهات، عن حل المشاكل ذات الطبيعة الاجتماعية كما ذهب إلى ذلك المفكر التونسي الحبيب الجنحاني؟ [9].
ـ في المبحث الثالث والأخير المعنون بالجمعيات الغير الحكومية ومستقبل تمدرس الفتاة القروية: عمل الباحث المغربي مصطفى محسن على رصد مجموعة من المقترحات، التي رآها ملائمة لتحسين وضعية الفتاة (المرأة) المغربية القروية تحديدا، ويمكن تلخيصها كما يلي:
+ الدعوة إلى خلق نشاط جمعوي مكثف في الوسط القروي لما تعيشه الفتاة (المرأة) المغربية في هذا الوسط من مشكلات معقدة كالأمية، الاستغلال في مجال العمل والإنتاج، عوائق التمدرس المتنوعة، الصورة المتدنية للمكانة الاجتماعية للمرأة بالوسط القروي وما ينجم عن ذلك من زواج مبكر وحجر ووصاية..
+ التركيز في العمل الجمعوي الموجه لفائدة المرأة القروية على التعليم لأنه على كل تنمية والمدخل الأساس لإدماج المرأة حتى ولو لم يؤدي هذا التعليم إلى شغل، لأن المعرفة في نهاية الأمر رأسمال رمزي يساعد المرأة على مواجهة مشكلات اجتماعية من مثل: التنظيم العائلي، الصحة، مخاطر الزواج المبكر، الطلاق وما ينجم عنه من أخطار نفسية واجتماعية على الأطفال.
+ تحسيس المرأة وتوعيتها بالمشاكل الاجتماعية التي تعرقل انخراطها في التنمية إلى جانب الرجل مثل الأمية، الرشوة [10].
+ الدعوة إلى استدخال تقنية الاتصال والتواصل الحديثة في مجال النشاط الجمعوي مثل الأشرطة المسموعة أو المرئية كالقوافل السينمائية والملصقات المصورة، إنه يدعو إلى استعمال كل التقنيات المتطورة التي تساعد على شرح وتبسيط الموضوعات سواء كانت موضوعات تربوية أو صحية أو اجتماعية.
+ الدعوة إلى ضرورة تأسيس العمل الجمعوي على نتائج البحث العلمي وعلى الدراسات الميدانية حتى تتمكن الجمعيات من تجاوز مسألة السقوط في بلورة خطاب مفارق للواقع، فمثلا الخطاب النسائي يقتضي طرح التساؤلات الآتية: عن أية امرأة أو فتاة نتحدث؟ ما هي مواصفاتها ومشكلاتها وهمومها؟ هل يهم هذا الخطاب كل النساء أم أنه يهم فقط فئات وشرائح نسائية محددة وخاصة؟ من هن هؤلاء النساء تحديدا؟ ونفس الشيء يمكن قوله عن الخطابات المتعلقة بالأطفال والشباب والمجتمع المدني والديمقراطية وحقوق الإنسان [11].
إن تأمل المقترحات السابقة التي تقدم بها مصطفى محسن لرسم أفق إيجابي للمرأة العربية ولحل المشاكل التي تعترضها في كل الأقطار العربية مع الأخذ بالخصوصيات المحلية، يجعلنا ننتهي إلى أن حل هذه المشاكل لا يمكن أن يتم في نظر هذا الباحث المحب للسؤال السوسيولوجي إلا من خلال المراهنة على المجتمع المدني، وعندما نقول المجتمع المدني نقول الحركات الاجتماعية أي المنظمات والجمعيات غير الحكومية، الأسئلة التي تعترضنا الآن:
هل توجد بالمغرب وبالعالم العربي حركات اجتماعية بالمواصفات التي أثارها آلان تورين في كتابه Sociologie de l'action وغي روشيه في كتابه Introduction à la sociologie social: le changement social وبالمواصفات التي أثارها الباحث المغربي نفسه؟ وعلى سبيل التوضيح هل توجد جمعيات تحدد برامجها التنمية انطلاقا من دراسات عميقة وبحوث ميدانية تستند إلى الخبرة العلمية؟ فضلا عن ذلك، لماذا تجنب مصطفى محسن اقتراح حلول تدمج المجتمع السياسي والدولة ككل في تحمل مسؤوليات تنمية المرأة في الوطن العربي وإدماجها في الحياة العامة للمجتمع؟ هل تجنبه لمثل هذه الاقتراحات يعود إلى إدراكه بأن "الدولة في زمن العولمة تحولت كما يقول الحبيب الجنحاني إلى مضيفة للشركات المتعددات الجنسية وما يقترن بالضيافة من كرم وترحيب وفرش البسط وتزيين الطرقات.. وإعفاء الشركات العالمية من الضرائب أو التخفيض فيها، وهو ما يؤدي حتما إلى تقليص الإنفاق الحكومي على الرعاية الاجتماعية والخدمات العامة من نقل ومدارس ومستشفيات وجامعات ومؤسسات ثقافية" [12] أم أن الأمر يقتضي تقديم اقتراحات محكومة فقط بمنطق "موضة العصر" حيث لا حديث اليوم إلا عن المجتمع المدني؟
3 – ملاحظات تقييمية للرؤية والمنهج:
يبرز أوكست كونت في كتابه Cours de la philosophie positive بأنه: " لا تدرس المناهج في استقلال عن البحوث وكل دراسة تنزع نحو الفصل بينهما ستكون دراسة عديمة القيمة ولن تغني الفكر" [13] ومنطوق هذا القول يبين بأن مسألة الفصل بين الشكل والمضمون بين المنهج والرؤية هي مسألة صعبة لأن فهم الشكل (المنهج) متوقف على المضمون وفهم المضمون (الرؤية) متوقف على الشكل. إن محتوى القول المشار إليه أعلاه، يوضح بأن أوغست كونت يرفض الفصل بين المنهج والرؤية بالمعنى الاستراتيجي، أما الفصل الإجرائي المحكومي بغائية المساءلة النقدية لكل واحد منهما على حدة فهذا مقبول، بل واجب باصطلاح الفيلسوف الفرنسي ديكارت، لأن تأسيس المعرفة بالمعنى الديكارتي لا يتأتى إلا بالانتقال من قاعدة البداهة إلى قاعدة التحليل فقاعدة التركيب، وإذن فتأسيس المعرفة يستوجب ممارسة الفصل والتفكيك والسير من البسيط نحو المعقد.
بناء على ما تقدم، نقول إذن بأن الفصل بين الرؤية والمنهج، بين المضمون والشكل، بين ما قيل وكيف قيل، هو فصل منهجي إجرائي نستدعيه هنا كما يستدعيه كل المهتمين بالمقاربات النقدية بهدف الوقوف على كل واحد منهما. الأسئلة المطروحة الآن هي كالتالي: ما هو الأسلوب المنهجي الذي اختاره مصطفى محسن؟ ثم ما هي قيمته الإبستمولوجية؟ علاوة على ذلك أين تكمن قيمة الرؤية التي بلورها المؤلف في كتابه قضية المرأة وتحديات التعليم والتنمية البشرية؟،وعندما نقول الرؤية فإننا نقصد موقف الباحث من المرأة ومن الواقع الاجتماعي والثقافي والاقتصادي الذي أنتجها، إذن هل مصطفى محسن راض عن الواقع بمعناه المادي والرمزي الذي تعيشه المرأة في العالم الاجتماعي العربي أم لا؟ بالإضافة إلى ذلك هل الباحث المغربي قدم للقضية النسائية كل ما تستحقه باعتبارها قضية اجتماعية حقيقية كما فعل بيير بورديو في كتابه: La domination masculine وهشام شرابي في مؤلفه البنية البطريكية وفاطمة المرنيسي في كتاباتها المتعددة: Le harem politique، هل أنتم محصنون ضد الحريم.. أم أنه اكتفى فقط بقراءة قضية المرأة بالقضية التربوية؟
أ – تقييم رؤية الباحث السوسيولوجي مصطفى محسن:
لقد ذهب إميل دوركايهم في مؤلفه Les règles de la méthode sociologique إلى القول بأن: "الإنسان نتاج المجتمع" [14] ومقاسا على هذا أكد مصطفى محسن بدوره بأن المرأة العربية الأمية والفقيرة والمقهورة هي نتاج لمجتمع عربي متأزم، وقد حصر محددات الأزمة وأسبابها في معطيات متعددة: إيكولوجية، اقتصادية، سوسيولوجية وثقافية..، لكن ما يثير الانتباه هو أنه بالرغم من اعترافه بأن الأزمة التي تعيشها المرأة ويعيشها الشباب في العالم العربي هي أزمة مجتمع كما أشار إلى ذلك في كتابه الخطاب الإصلاحي التربوي: أسئلة الأزمة وتحديات التحول الحضاري رؤية سوسيولوجية نقدية فإنه اكتفى فقط بدعوتنا إلى الاعتماد على المجتمع المدني لتجاوز الأزمة التي تعيشها المرأة، وهذا يبرز نوعا من المفارقة، إذ كيف يمكن القول بأن للأزمة طبيعة كليانية (اقتصادية، اجتماعية، ثقافية إلخ) ويتم الانتهاء إلى اقتراح حلول جزئية؟
إن المطلع على كتاب قضية المرأة وتحديات التعليم والتنمية البشرية لا بد وأن يكتشف كذلك بأن الباحث لم يعط للقضية النسائية كل ما تستحقه من دراسة عميقة وموسعة ويتجلى ذلك في عدم الانفتاح على المرجعيات السوسيولوجية والفكرية التي ركزت على رصد ماهية المرأة وقيمتها وعلاقتها بأخيها الرجل داخل مؤسسات المجتمع، وقد أشرت إلى البعض منها سابق. لقد اكتفى صاحب المؤلف بقراءة قضية المرأة بالقضية التربوية ويبرز ذلك في الانفتاح المكثف على المفاهيم والنظريات التربوية كنظرية إعادة الإنتاج لبيير بورديو وغيرها.
إن دعوة مصطفى محسن إلى إشراك المنظمات والجمعيات في التنمية ليس جديدا في مجال المقاربة السوسيولوجية وإنما هو تثمين واستحضار للأطروحات السوسيولوجية الدينامية التي تحدثت عن الحركات الاجتماعية Les mouvements sociaux ودورها في تحقيق التنمية، وقد حصل هذا مع السوسيولوجي آلان تورين في كتابه Sociologie de l'action الذي انتهى فيه إلى تأسيس منهجية تحليل الحركة التاريخية أو ما يسمى بـ L’analyse actionaliste الذي اقترحه كمنهج بديل لـ L’analyse fonctionaliste وL’analyse structuraliste [15]، وإنصافا لمصطفى محسن نقول بأن الجديد عند هذا الرجل يتمثل في نظرنا في مناداته اليوم بفكرة إعادة النظر في الكيفية التي تتم بها عملية تأسيس الحركات الاجتماعية سواء في الوسط القروي أو الحضري، نظرا لما تؤديه هذه الحركات الاجتماعية من وظائف مهمة كوظيفة الوساطة بين الأفراد والدولة (Fonction de médiation) ووظيفة توضيح (وبناء) الوعي الجماعي Fonction de clarification de la conscience collective ووظيفة الضغط Fonction de pression [16]، إنه يدعونا إلى جعل مسألة تأسيس الحركات الاجتماعية في العالم العربي مسبوقة بالدراسات والأبحاث الميدانية العلميةوتجاوز فكرة الانخراط في التأسيس الارتجالي المحكوم بالمزايدات السياسوية والحزبوية لأنها تجعل العمل الجمعوي ضيق الأفق ومحكوم بالرؤية الذاتية البراغماتية اللحظية.
ب – تقييم المنهج الذي اعتمده الباحث السوسيولوجي مصطفى محسن:
انسجاما مع التقديم الذي افتتحت به مقالتي هاته أعود لأقول من جديد بأن كتاب قضية المرأة وتحديات التعليم والتنمية البشرية يندرج ضمن تجربة الإبداع السوسيولوجي النقدي المعاصر، والاهتمام بالمساءلة النقدية في المجال السوسيولوجي كما هو الأمر في مجال العلوم الإنسانية الأخرى: كالفلسفة والتاريح..، دفع ويدفع اليوم محترف السوسيولوجيا إلى تمثل واقتفاء آثار التجربة النقدية الكانطية في رصد ومعالجة الوقائع الاجتماعية Les faits sociaux، وهذا التوجه نجده عند العديد من السوسيولوجيين السابقين كماكس فيبر (Max Weber) وبيير بورديو وغيرهم وكل هذا يحتم في نهاية المطاف على السوسيولوجيين أن يتزودوا بأساليب منهجية تقوي ملكة النقد بمعناها العلمي، ومن هنا تأتي ضرورة الانفتاح على إبستيمولوجيا علم الاجتماع أو ما يسميه بيير بورديو بـSociologie de la sociologie التي بدأت مع مطلع القرن التاسع عشر حيث سيتم الحديث عن تجارب منهجية متعددة كـ: ـ المنهج التكويني
ـ المنهج الوظيفي ـ المنهج الاصطلاحي
ـ المنهج البنيوي ـ المنهج التاريخ [17] الخ.
السؤال الذي يطرح الآن: ما هو المنهج الذي اعتمده مصطفى محسن في تناوله لقضية المرأة وتحديات التعليم والتنمية البشرية؟
جوابا على السؤال المطروح نقول بأن الباحث المغربي حرص على المزاوجة بين أسلوبين منهجيين أساسيين يتعلق الأمر هنا بالمنهج الإحصائي والمنهج التاريخي، والاعتماد على هذين المنهجين يعود في الواقع إلى أهميتهما العلمية في تناول الظواهر الاجتماعية والثقافية، وفي سياق التنبيه إلى أهمية المنهج التاريخي وتأكيد عناية الباحثين المعاصرين به يقول محمد عابد الجابري: "لقد صار الباحثون المعاصرون يحاولون استكناه حقيقة الظاهرة وأسبابها الموضوعية بتوظيف المناهج الحديثة وفي مقدمتها المنهج الفينومينولوجي والمنهج التاريخي [18] وإذن فمراهنة الباحث المغربي على المنهج التاريخي والمنهج الإحصائي ترتبط بقيمتهما وأهميتها العلمية، وفي إطار تتميم البعد التقييمي للجانب المنهجي، نسجل كذلك بأن اهتمام مصطفى محسن بالمنهجين المذكورين آنفا ينم بوضوح عن الرغبة الملحة لديه في الانفتاح على التجربة السوسيولوجية الغربية والمتح منها، ونحن بدورنا نقول بأنه يجب أن يكون هذا المتح مشروطا بالوعي المتوقف على إدراك واستيعاب الخبرة المنهجية وتمييزها عن البعد الإيديولوجي والعمل على استثمار هذه الخبرة المنهجية السوسيولوجية في رصد ومساءلة الوقائع الاجتماعية التي تواجهنا في العالم العربي.
خلاصة:
استقراء التقييم الذي انتهينا إليه، إن على مستوى الرؤية أو على مستوى المنهج يؤدي بنا بصفة عامة إلى استخلاص نتيجة أساسية وجوهرية، مفادها أن معالجة الباحث السوسيولوجي مصطفى محسن لقضية المرأة في العالم العربي، لم تتم إلا من خلال تمثل الفكر الماركسي (منهج)، ذلك أن المنهج التاريخي الذي اعتمده لم يتأسس إلا في حضن الفكر الماركسي وتمثل الفكر الليبرالي (كرؤية)، لأن الفكر الليبرالي هو الذي أخذ السبق فيما يخص التقعيد لمفهوم المجتمع المدني والتنبيه إلى دوره الأساسي في إعادة ترتيب العلاقات الاجتماعية وتصحيحها في أوروبا خلال القرن الثامن عشر. الاستفهام الذي يطرح نفسه: هل الفكر العربي الحديث والمعاصر لا يملك بدوره رؤية ومنهجا لمعالجة القضايا الراهنة المطروحة عليه، كقضية المرأة وغيرها أم الأمر هنا يتعلق فقط بتغييب الاجتهادات الحقيقية والجادة التي قدمها الباحثون العرب في موضوع المرأة؟



________________________________________

alalkoora1990
عضو فاعل
عضو فاعل


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى