أنثروبولوجيون في العالم Anthropologists in the world‎‏
عزيزي الزائر الكريم
انت لم تسجل في المنتدى بعد، عليك الضغط على زر التسجيل ادناه لتتمكن من مشاهدة ‏جميع الصور والروابط في المنتدى، والمشاركة معنا.ان امتناعك عن التسجيل يعني ‏حرمانك من مزايا المنتدى الرائعة .‏

ابن رشد في كتابه المفقود عربياً شرح جمهورية أفلاطون - د. عمار عامر

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

ابن رشد في كتابه المفقود عربياً شرح جمهورية أفلاطون - د. عمار عامر

مُساهمة من طرف alalkoora1990 في 17/2/2011, 23:20



ابن رشد في كتابه المفقود عربياً شرح جمهورية أفلاطون - د. عمار عامر

نلتقي هذه الأيام، في ذكرى المائة الثامنة لوفاة ابن رشد، لا لنعيد استنساخه، أو لنستحصر فلسفته، وإنما لنحييها كمرشد عمل، في معالجة مشكلاتنا المعاصرة، أي لنقرأها قراءة معاصرة من موقعنا، وفي وضعيته ووضعيتها الاجتماعية التاريخية، وذلك في كتابه المفقود في المكتبات العربية، " شرح جمهورية أفلاطون".‏

هذا الكتاب الذي غاب وغُيّبَ إثر محنة ابن رشد عام 1190م، ثم ظهر بالإنكليزية بعد أن ترجمه روزنتال عام 1956م. وهناك ترجمة أخرى ل ليرنر عام 1974م.‏

ولهذا، غاب ابن رشد عربياً، كما غاب العديد من كتبه ردحاً طويلاً من الزمن، فعدنا لنتلقفه أوروبياً، حيث حصلت على نسخة من كتابه (شرح جمهورية افلاطون) بالانكليزية، من جامعة كمبردج عام 1980، وقمت بترجمته إلى العربية.‏

بين يدي البحث:‏

سأتناول في بحثي هذا عدة محاور متكاملة، تبيّن الغاية الأساسية التي استهدفها ابن رشد من كتابه:‏

أولاً: ماهية الإنسان وهويته.‏

ثانياً: النشاط الإنساني نشاطٌ غائي.‏

ثالثاً: العدالة والمقدس شرطا تحقق الغائية الإنسانية.‏

بلغت الفلسفة العربية الإسلامية الاندلسية ذروة نضجها في القرون الوسطى، إلاّ على يدي ابن رشد، وذلك بانعطافها الكبير، من الفهم الفلسفيّ للطبيعة إلى الفهم الفلسفي للتاريخ.‏

فإذا كان الفلاسفة (- العرب والمسلمون-) قد تناولوا مسألة العالم، من أجل فهمه وتفسيره، فإنَّ ابن رشد قد تناول هذه المسألة، من أجل تغييره لصالح الذات الإنسانية.‏

فمع ابن رشد ارتقت فكرة التطور، لتشمل مفهوم التقدم الاجتماعي التاريخي، وذلك بعد أن أصبحت هذه الفكرة، مدركة لا على أساس المبدأ الطبيعي فحسب؛ وإنما على أساس المبدأ الاجتماعي التاريخي.‏

وقد جاء هذا، بعد أن اتسع الاهتمام- وعلى نحوٍ ضروري- من الطبيعة ليشمل ذات الإنسان، في وضعه الاجتماعي- التاريخي، كذاتٍ ناشطةٍ، محوّلة للطبيعة والمجتمع ولذاتها، في سعيها المتواصل لتحقيق غايتها الإنسانية، عبر تحقيقها للعدالة الذاتية والاجتماعية، على نحوٍ تاريخي.‏

وقد تمثّل ذلك الإنجاز المعرفيّ العظيم، في تراث ابن رشد عامة، وفي شرحه لجمهورية أفلاطون خاصة. فعبّر بذلك عن مرحلةٍ حضارية كاملة، تميّزت بتحولات عميقة وشاملة، في أديم المجتمع العربي الإسلاميّ عامة، والمغربي الأندلسي في عهد دولة الموحدين خاصة، حيث نشأت الفلسفة- هناك- وتطورت بعلاقة عضوية مع بقية العلوم فكانت بذلك معبرة ومستجيبة لمقتضيات ومتطلبات التقدم المادي التكنيكي المتطور، ولضرورة التقدم الاجتماعي.‏

وهذا ما يدعونا لعرض أهم العوامل الأساسية لنشوء فلسفة عقلانية- اجتماعية - تاريخية، لدى ابن رشد:‏

- يتمثل العامل الأول: في الوضع الاجتماعي- الاقتصادي المتطور، في المغرب عامة، والأندلس خاصة، في عهد دولة الموحدين، فلقد أُحصيت الصناعة بمدينة فاس وحدها، في عهد الخليفة الموحدي الثالث، فكانت ((اثنيّ عشر مصنعاً للمعادن، وثلاثة آلافٍ وأربعةً وتسعين نولاً للنسيج، وسبعة وأربعين معملاً للصابون، وستة وثمانين مصنعاً للدباغة، وثمانمئةٍ وستة عشر مصنعاً للصباغة، وأحد عشر مصنعاً للزجاج، ومئة وخمسة وثلاثين مصنعاً للحبر، وأربعمئة مصنعاً ل..؟..، هذا عدا المطاحن والمعاصر والحرف اليدوية والتقليدية (1))).‏

هذا الوضع الذي تميّز بالنهوض الشامل لقوى الإنتاج الرأسمالية الناشئة، في صراعها المحتدم مع الإقطاعية- القبلية، في علاقاتها المتفسخة والمتحجرة، والتي شكلت- هذه الأخيرة- كابحاً حقيقياً أمام ضرورة سيادة العلاقات الرأسمالية فيما بعد.‏

أما العامل الثاني: فتمثل في البنية الفكرية، والتي عكست- بحدودٍ متفاوتة- البنية الاجتماعية- الاقتصادية السالفة الذكر، والتي تميزت بالتقدم العلميّ الواسع، في كافة المجالات النظرية والتطبيقية، وانتشار الفلسفة العقلانية، التي مثلت روح التقدم، فكانت المعبر عن مستوى طموحات القوى الاجتماعية الرأسمالية الناشئة وتطلعاتها. ويكفي أن نقول هنا: إن دولة الموحدين هي أولُ دولة تطبق التعليم الإلزامي والمجاني، للذكور والإناث، في القرون الوسطى. وإنه قد تربى وترعرع في كنفها أعظم فلاسفة هذه الأمة، وهما ابن طفيل- وابن رشد.‏

أمّا العامل الثالث، فقد تمثّل في حركات"العامة" والحامل الاجتماعي لطموحات القوى الرأسمالية الناشئة، ضد حكم المرابطين، الممثل والحامل الاجتماعي للقوى الإقطاعية- القبلية، في عملية تكريسها وتأييدها لعلاقاتها، وتجسّد ذلك بحركات"العامة" في قرطبة، حاضرة الأندلس، وكافة المدن والبلدان، أواخر حكم المرابطين، والتحركات الطموحة لابن حمدين، وابن العريف، وابن قسى وغيرهم... وقد انعكس ذلك فكرياً في الصراع الدائر بين الفكر العلمي والفلسفي، والتيار الإيماني التسليمي النصي، والمعادي لروح التغيير والتقدم.‏

رابعاً: العقيدة المهدية ذات المنحى الشوري التحرري، وتأثر ابن رشد بها وشرحه إياها بكتاب خاص أسماه"عقيدة المهدي ابن تومرت"، تلك العقيدة التي شكلّت- بالنسبة لابن رشد، بوتقة فكرية انصهر فيها:‏

أ- التراث الكلامي والفلسفي- العربي، الإسلامي- للقدريين الأوائل من المعتزلة، ومن جاء بعدهم من الفلاسفة الفارابي، وابن سينا، وابن باجة، وابن طفيل، بوجهه التاريخي التحرري، والمنشط لعملية التقدم.‏

ب- الفكر الفلسفي الإنساني عامة، وفلسفة أرسطو خاصة، مجذّراً ومتأصلاً بالوضعية المغربية الأندلسية، ومؤطراً بالفكر المهدوي.‏

وبهذا اغتنت فلسفة أرسطو، وتمّ الارتقاء بها، بما يتناسب ومتطلبات التقدم الاجتماعي للمرحلة التي عاشها ابن رشد، فيبرز ذلك كفاحاً متواصلاً له، في مواجهة الفكر"المثالي" لأفلاطون وأفلوطين وشيعتهم، وللجانب التسليمي الجبري والتبريري لفكر الجهمين والأشاعرة، والإمام الغزالي، وبذلك كان فكره مجسِّداً ومعبِّراً عن حركة القوى الصاعدة اجتماعياً- تاريخياً- في حينه، والمفعم بإرادة التغيير، لتحقيق العدالة الاجتماعية، والعامل الهام في إضعاف جذوة الفكر التسليمي الجبري، الممثل للعلاقات الاجتماعية- الإقطاعية- القبلية-، ومحاولة تكريسها وتأبيدها، من قبل حاملها وحاميها الاجتماعي. لذلك لم يعالج ابنُ رشد مُشْكِلَةَ الإنسانِ، كمفهومٍ مجرد، وإنما عالجها في تشخّصها الاجتماعي، أي أنه تناولها كمقولةٍ اجتماعيةٍ- تاريخيةٍ مشخصةٍ واقعياً، وعلى نحوٍ موضوعي. فالإنسانُ كائنٌ طبيعيٌّ، يتكون من العناصر الأساسية الأربعة، ترابٍ أوماءٍ- وهواءٍ- ونار، بتمازجٍ معينٍ، وبنسبٍ محددةٍ، في ظروفٍ مواتيةٍ. لذلك فهو من الوجهة البيولوجية خاضعٌ كبقية الموجودات للحتمية الطبيعية، لكنّهُ يتميزُ عنها بأنه عاقلٌ- يَعْقِلُ الموجودات الطبيعيةِ والاجتماعية. أي إنهُ يستطيع أنْ"يحاكي" صورَ الموجوداتِ من صُورٍ ماديةٍ حسيّةٍ إلى صُورٍ معرفيّةٍ في الذهن الإنساني، يقول في ذلك: "ولما كان بعضُ الحيوان- وهو الإنسان- ليس يمكن أنْ يوجدَ بهاتين القوتين - وكان يتحدث عن قوتي الإحساس والتخيل ع. ع- بل وبأنْ تكون له قوةٌ يدركُ بها المعاني مجردةً من الهيولى، ويركبُ بعضَها إلى بعضٍ، ويستنبطُ بعضَها عن بعضٍ، حتى تلتئمَ عن ذلك صنائع كثيرةٌ، ومهنٌ، هي نافعةٌ في وجودهِ، وذلك: إما من جهةِ الاضطرار. وإمّا من جهةِ الأفضل، فالواجبُ ما جُعِلتْ في الإنسان هذه القوة، أعني قوة النطق" (2).‏

وهنا تبرزُ مسألةُ العقل عند ابن رشد، وتفصح عن نفسها، فهي ليست مجرد محاكاة لصُور الموجودات من صُورٍ ماديةٍ حسيّةٍ إلى صُورٍ عقليةٍ، وإنما نتبين الكيفية والغاية من ذلك، حينما يعتبرُها قدرةً الإنسانِ على تعقّلِ الموجوداتِ وعقلنتها، أي قدرته على عقلنةِ الموجودات وتحويلها من الوجود بذاتها إلى الوجود لذات الإنسان.‏

لذلك، فمن عقال الجمل في محاولةِ عقلنتهِ، والسيطرة عليه، وتسخيره، إلى محاولة عقلنةِ الكون بكل موجوداته، وتحويلها عن ذاتها لذاتنا، اتسعَ مفهومُ العقل- عند ابن رشد ليشمَلَ الإنسانَ في وجوده الطبيعي والاجتماعي والذاتي، عبر امتداد وتطاول حواسه شمولاً وعمقاً- وهذا ما نجده ساطعاً أمامنا اليوم، حيث خطت قدما الإنسان وتخطت سطح القمر، ونفذتْ يداهُ أغوارَ الوجودِ، وغيرتُه صُنعاً وتحويلاً، عبر استجلاء أسبابِ تكوّن موجوداته، وامتلاكِ قانونيةِ صيرورتها، من صُورٍ محسوسةٍ وبذاتها، إلى صورةٍ معقولةٍ، إلى صُورةٍ محسوسة مصاغةٍ مجدّداً ولذاتِنا، بما يحقق غاية الإنسان من وجوده.‏

ويُبْرِزُ ابنُ رشد أكثر العلاقةِ الجدلية بين المعرفيّ والمادي المصاغ في النشاط الإنساني قائلاً: "ولم تقتصر الطبيعةُ على هذا فقط، أعني أنْ تعطيه مبادئ الفكرة المعينة في العمل، بل ويظهر أنها أعطته مبادئ أخر،... وهي مبادئ العلوم النظرية، وإذا كان ذلك كذلك، فإنما وجدت هذه القوة من جهةِ الوجود الأفضل مطلقاً، لا الأفضل في وجوده المحسوس فقط... وأنّ فعلها واستكمالها بمعانٍ صناعية" (3).‏

وتفصحُ العلاقةُ عن نفسِها أكثر في قوله حينما يقول: "إنَّ أولَ الفكرةِ آخرُ العمل، وأولَ العمل آخرُ الفكرة" (4).‏

بهذه المقولةِ الهامة، تبرزُ عبقريةُ ابن رشد، كفيلسوفٍ جدلي، تجاوز أسلافه، وعبّر عن تطلعاتِ مرحلةٍ اجتماعيةٍ حضاريةٍ كاملة، تميزت بتحولاتٍ عميقةٍ في بنى المجتمع العربي الإسلامي الوسيط فهذه المقولة تبيّنُ - وبشكلٍ لا لبس فيه- العلاقة الجدلية المتنامية، وعياً- وغايةً، وإنجازاً عملياً، بين الذاتِ الإنسانيةِ الناشطة، وأدواتِ نشاطها، ومستوى إدراكها، والعالم الماديّ، كموضوعٍ للنشاط ضمن إطار الخضوع لمنطق التطور التاريخي.‏

فعملية عقلنةِ الموجودات وتحويلها من ذاتها لذاتنا، تستلزم وعياً غائياً من قبل الذاتِ الإنسانية، ينبثق- الوعي- عبر عملية العمل، وقبلها وبعدها، فالمعرفيُّ الواقعيُّ الغائيُّ يتحولُ إلى ماديٍّ، والماديُّ المحولُ يشترط وجودَ المعرفيّ الغائي. وتتحول العملية إلى موضعةٍ للذات، وتأنيسٍ للموضوع، مع الحفاظ، على أولوية الماديّ وثانوية المعرفي لهذا: فالمعرفي الغائي ينبثق من المادي- كمحاكِ له- عبر ضرورة الفعل الإنساني. والماديُّ يعادُ صوغُه وتجسيدهُ عملياً معرفياً، لتحقيق حاجيات الذات الإنسانية"على جهة الضرورة" ولتحقيقِ غايتَها الحياتية"على جهة الأفضل" فتتجسدُ بذلك صيرورة العلاقة الجدلية بين ما هو ماديٌّ ومعرفيٌّ في الذات الإنسانية الفاعلة على نحوٍ غائي، من خلال فهم الطبيعة وقوانين صيرورتها، وتحويلها. وبتحويلها تحولُ الذاتُ الإنسانية ذاتها وتصوغُها بما يحققُ الغايةَ الإنسانية اجتماعياً تاريخياً ولكن: "الناس لا يتمُ وجودُهم إلاّ بالاجتماع" (5).‏

لم يكن فهمُ ابن رشد للإنسان من بابٍ فرديٍّ انعزاليّ، وإنما من كونه ذاتاً إنسانيةً ضمن وجودٍ اجتماعيٍّ معين، وعلاقاتٍ اجتماعيةٍ معينةٍ: "إن اكتساب الإنسان لأي من فضائله محال، دون معونة الآخرين، إذ إن الإنسان لا يحتاج الآخرين من أجلِ كمالاته الإنسانية فحسب وإنما من أجل ضروراتِ الحياةِ أيضاً" (2). خاصة وأن الوجود الاجتماعي هو المحدد لمستوى الذات الإنسانية، ويمكن له أن يفقد الإنسانَ إمكانيةَ وجوده الفاعل، في ظروفٍ معينةٍ، وضمن نظام اجتماعي معين، ويمكن- أيضاً- أن يكونَ عاملَ دفعٍ وتحريضٍ لفعاليةِ الإنسان، وصيرورته لتحقيق إنسانيته. وهنا يقول ابن رشد حكمته المأثورة ليس مؤكداً ألوية الوجود الاجتماعي وثانوية الوجود الذاتي: "ليس الخيرُ والشرُ في طبيعةِ النفوس، وإن الخير والشرَّ في الاجتماع" (3).‏

لذلك فالوجود الاجتماعيُّ هو المحدد في العلاقة مع الذات الإنسانية، وإمكانية فعلها، وتطورها من أجل تحقيق إنسانيتها. خاصةً وأنهُ ينظرُ إلى الذاتِ الإنسانية بمنظارين:‏

أولاً: وجودها في وجودٍ اجتماعي لاختيار لها فيه، فهي منفعلة فيه أولاً، وعلى هذا النحو يمكن تعريفها بأنها"جملة العلاقات الاجتماعية السائدة في المجتمع.‏

ثانياً: ولكونها عاقلةً صانعةً، فهي قادرةٌ على عقلنةِ وجودها الاجتماعي وتغييره مما هو بذاته إلى ما هو لذاتها.أي إلى ما هو مناسب لاستكمال ذاتها كذاتٍ إنسانية.‏

فابن رشد هنا يعتبرُ الذاتَ الإنسانية، محركةٌ للعملية الاجتماعية التاريخية، لكونها تستهدف استكمال ذاتها إنسانياً باستكمالها الفضائل الإنسانية. وبذلك تحقق عدالتها الذاتية، لكن تحقيقها لعدالتها الذاتية مشروط بتحقيق العدالة الاجتماعية، وهذا مرتبط بتحقيق المجتمع العادل، أي المجتمع الأمثل حسب تعبير ابن رشد.‏

وعلى هذا يظهرُ أنَّ مفهومَ العدالةِ لدى ابن رشد ليس منفصلاً عن مفهومِ التقدم الاجتماعي- التاريخي، فالمبدأ الجوهريُّ ليكونَ الإنسانُ عادلاً، هو مبدأ الشخصية الفاعلة ضمن ذواتٍ اجتماعيةٍ فاعلةٍ، وأنَّ دخولَ الإنسانِ حياته الفاعلة هذه، إنما هو نتاجُ النشاط الإبداعي للذات الإنسانية الوارثة لنتاج الجهد البشري الماضي والمستفيدة والمعممة للتجربة الحالية، والهادفة لاستكمال ذاتها- على جهة الأفضل- مستقبلاً: "وإن ذلك لا يتم إلا"بمعاونةِ السالفِ منها الخالف، فلولا السالف لم يكن الخالف (6) " لذلك، فالوجود الاجتماعي عند ابن رشد- ليس الوجودَ المصاغَ دون تغييرٍ مرةً واحدةً وإلى الأبد، وإنما هو الوجودُ المحولُ"من القوةِ إلى الفعل" بحسب قوانين تحوّلهِ، من قبل الذات الإنسانية- ماضياً- وحاضراً- والقابل للتحوّل مستقبلاً.‏

على نحوٍ يحقق الغائية الإنسانية، بتحقيقها العدالةَ الذاتيةَ والاجتماعية.‏

وعلى هذا، يتوقفُ تحقيقُ الغايةِ الإنسانية على تحقيق العدالة الذاتية والاجتماعية فالعدالة هي الشرط الأساسي لتحقيق الغاية الإنسانية. فهل يمكن للعدالة أنْ تتحقق؟..‏

وهنا يَرْبِطُ ابنُ رشد بين تحقيقِ العدالةِ الذاتيةِ والعدالةِ الاجتماعية على نحوٍ جدليّ، معتبراً أنّ الذاتَ الإنسانية تأتلفُ من ثلاثِ قوى أساسية، لكلٍ منها فضيلتُها الخاصة بها، وتؤلفُ بمجموعِها العدالةَ الذاتية.‏

أولها: القوة الغاذية، ومكانها البطن، وفضيلتها العفة، وهي وسطٌ بين رذيلتي الإفراط والتفريط، إذْ إنّ الفضيلةَ هي الوسطُ بين رذيلتين.‏

أمّا القوةُ الثانيةُ: فهي القوة الغضبية، ومكانُها الصدر، وفضيلتُها الشجاعة، وهي الوسط بين الإقدام بلا تروٍ، والإحجام أو الجبن والتخاذل.‏

والقوة الثالثة: وهي القوة الناطقةُ، ومكانُها الرأس، وفضيلتُها الحكمة.‏

وتفصحُ العدالةُ الذاتية عن نفسها، من خلال العلاقة الجدلية بين فضائل القوى الثلاث. فالعدالة الذاتية- بهذا المعنى- هي نتاج العلاقة الجدلية بين الثالوث من الفضائل السالفة.‏

لكنّ العدالة الذاتية لا تتحقق إلاّ ضمنَ علاقةٍ اجتماعيةٍ، وبالتالي فإن مفهومَ العدالةِ الذاتيةِ يندمجُ مع مفهوم التطور الذاتي للإنسان القائم على عملية العمل، ضمن وجودٍ اجتماعيٍّ يحققُ العدالةَ الاجتماعية للجميع. لذلك فالعلاقة بين العدالة الذاتية والاجتماعية علاقة تلازمٍ جدليٍّ وجودي، تمثل العدالة الاجتماعية الأساس في هذه العلاقة. يقول: "والاعتدال في المجتمع كالاعتدال في الذات" (7). ويماثل بين قوى النفس الإنسانية، والقوى والفئات الاجتماعية، فالفئة الاجتماعية المنتجة من زراعٍ وصناعٍ، تشبه القوة الغاذية، وفضيلتها العفة، وفئة الجنود تشبه القوة الغضبية، وفضيلتها الشجاعة، وفئة العلماء تشبه القوة الناطقة، وفضيلتها الحكمة، والعدالة الاجتماعية هي: نتاج العلاقة الجدلية بين الفضائل الاجتماعية السالفة.‏

ويستنتج من هذا التشابه، وجوب حكم الفلاسفة للدولة والمجتمع، وخضوع كافة الفئات لما يرسمه الحكماء، فيحقق المجتمع عدالته الاجتماعية. يقول: "ستكون الدولة حكيمة، إذا ما الحكماء حكموا كافة الفئات، كما يكون الرجل حكيماً، إذا ما العقل حكم سائر القوى" (8)، من هنا وجب أن يكون"حكام هذه الدولة- أي الدولة المثلى- هم الحكماء" (9) وحدد ابن رشد المهمة الأساسية للحاكم بقوله: "إنّ غاية الحاكم في الدولة هي: إيصال الدولة إلى الأفضل، وإبعاد ما هو سيء عنها، ولا يوجد أكثر سوءاً من أن يجعل الدولة تنقسم إلى عدة دويلات، والأكثر حسناً أن يخلق الانسجام بين هذه الدويلات، ويجعلها دولة واحدة، ولذلك، فالمواطنون في هذه الدولة، إمّا أن يعيشوا جميعاً، أو يموتوا جميعاً، لأنّ أفراحهم وأتراحهم واحدة" (10). ويعتبر الحكام قدوة لمواطنهم ومثالاً يحتذي"بإدارتهم... وأعمالهم... ومعتقداتهم." (11) ‏

هذا هو الشرط الأول لتحقيق مجتمع العدالة.‏

أمّا الشرط الثاني فهو: التنشئة الاجتماعية، ويعتبرها شرطاً حاسماً لتحقيق العدالة الذاتية والاجتماعية. ويقدم لنا حكمته القائلة: "حتى لو كانت بذور النباتات من نوعٍ جيد، ولم تلقَ مناخاً مناسباً، وتربة صالحة، فستتحول إلى نباتاتٍ سيئة" (12) لذلك، فإنه يهتم اهتماماً خاصاً بنوعية النظام الاجتماعي والعلاقات الاجتماعية السائدة، وأهميتها للتنشئة الاجتماعية، وأثرها على الفرد، خاصة وأنّ"غاية الإنسان وسعادته، سيحققها بفعاليته الخاصة به" (13).‏

لذلك يجب تنشئة وتنمية وتربية هذه الفعاليات، بشكل مناسب، وبما يخدم العدالة الذاتية منسجمةً ومحققةً للعدالة الاجتماعية.‏

- ويثني على أهمية القصص والموسيقا والرياضة في التربية، ودورها في توجيه وإرشاد الناشئة، وبما يتناسب مع الفئات الاجتماعية والقدرات الذاتية يقول: "كلُّ الثناء للتربية الجيدة، القائمة على الموسيقا وألعاب الرياضة... فالإنسان يفعل وفقاً لتربيته"الاجتماعية، خاصةً وأن" الخير والشر ليسا في النفوس وإنما في الاجتماع" أي في نوع العلاقات الاجتماعية، وشكل النظام الاجتماعي.‏

ويختار- ابن رشد- أسلوب"الإقناع" الهادف، من بين الأساليب التربوية الناجعة، ذلك لأنه"يجب أن يعرف المواطن غاية الإنسان من وجوده، فالذي لا يعرف الغاية، لا يعرف طريق تحقيقها". وينصح القائمين على الحكم وتربية الناشئة، وتوجيه المواطنين، بضرورة "اتباع أساليب غرس الفضائل في نفوس الناشئة، بحيث تنمو فيهم تدريجياً، حتى يبلغوا الكمال، وكيفية صيانتها، بعد أن تبلغ مرتبة الكمال" فالغاية الأساسية للتربية، ليس أن يعرف المربي والمتربي ماهية الفضائل فحسب، وإنما كيفية غرسها، وتحقيقها، وصيانتها عملياً "ليست الغاية القصوى في معرفة الفضائل وإنما في العمل بها" بهذا ينكشف مفهوم العدالة الذاتية- الاجتماعية، بأنه استكمال الذات الإنسانية وجودها الإنساني، كهدف أساسي للتنشئة، وهي المهمة الأولى للحكماء والمشرفين التربويين والمتربيّن أيضاً.‏

على الرغم من أهمية ما قدمه- ابن رشد- فإنهُ إذا توقفنا عند هذا المستوى من طرحه للمسألة، نستطيع القول: إنه مازال يغوص في المجالين النفسي والخلقي، والمعرفي المفهومي للعدالة الذاتية- الاجتماعية.‏

ولكنْ، وبانتقاله إلى تقديم الشرط الثالث، تبرز عظمته كعالمِ اجتماعٍ فذّ وهو:‏

ضرورةُ إلغاء الملكية الخاصة، وتحويلها إلى ملكية جماعية، وهذا ما جعل من فلسفته فلسفةً واقعيةً. ذاتَ منحى تقدمي، جديرةً بالبحث والتمحيص، خاصةً وأنه كرّس لهذه المسألة العديد من صفحات كتابه هذا، فهو يرى أنْ"لا شيء يجلبُ السوء والاضطراب للدولة، أكثر من أنْ تجعلَ المواطنَ يقول(هذا لي وذاك ليس لي) فكما أنَّ الدولةَ يجبُ أنْ تكون لفردٍ واحدٍ يجبُ أن تكونَ للمجموع" (14).‏

ويبين الآثار السلبية للملكية الخاصة على الذات الإنسانية "تجعلُ صاحبَها أنانيَّ التفكير، يهملُ العلم، والتدريب على الجهاد" فالملكية الخاصة تغرّب الإنسان عن حقيقة ذاته، أي عن إنسانيته، وتسلبه تفكيره، وتوجهُ نشاطهُ لجمعِ الثروة، بأيِّ شكلٍ كان، فتصبح عمليةُ استملاكهِ الأشياء ثمناً لفقدان ذاتهِ الإنسانية، وبديلاً عنها، وتصبحُ الأشياء ليست شرطاً للعيش، وإنما بديلاً للذات الإنسانية، ليس هذا فحسب، وإنما"تنّمي بذورَ الشرِ لديه" (15).‏

ويعتبرُ ابن رشد: أن سبب تفكك المجتمعات الإنسانية، وانحطاطها واندثار الحضارات، يكمن بشكل أساسي في الصراع على الملكية الخاصة"وهذا إذاً، سبب الصراعات التي تحصل بين المواطنين في الدولة الواحدة" وبين الدول.‏

ويحددُ معنى الملكية الخاصة- تجنباً للخلط بينها وبين الملكية الشخصية، بقوله: "الملكية الخاصة التي يمكن للإنسان أن يستفيد منها كما يشاء" (16) وبتحديده هذا، يبرزُ مستوى إدراكه وبُعدُ نظرهِ للعلاقاتِ الرأسمالية الوليدة آنذاك، والتي أخذت تنمو في أحشاء المجتمع الأندلسي، حيث استطاع أن يدركَ أبعادها وأفاقها السلبية، المأساوية، والمغربةِ للإنسانِ عامة، المالكِ وغيرِ المالك، فحذّرَ منها، وأكدَ ضرورة"أنْ لا يكون في هذه الدولة ملكيةٌ لأي شخصٍ كان".‏

وبرز فهمه العميق للعدالة الاجتماعية، في تصويره أثر الملكية الخاصة التي يمكنُ استغلال الآخرين بواسطتها، في تفكك المجتمع، وانقسامه إلى طبقاتٍ متصارعة "في دولةٍ كهذه الدول، ينقسم المجتمع إلى دولتين: الأولى فقيرة، والثانية ثرية. وفي كل قسمٍ من هذه الأقسام، أقسامٌ أخرى وإذا استعادَ المواطنون الفقراء بعضَ الممتلكاتِ من الأثرياءِ، عندها ستنشبُ الحربُ وستكونُ حرباً كالحروبِ بين دولتين منفصلتين" (17).‏

بهذا النص الهام نرى أنَّ ابن رشد قد توصل إلى حقيقة منشأ الصراع الطبقي داخل المجتمع القائم على أساس الملكية الخاصة التي يمكنُ استثمارُ جهود الآخرين بواسطتها. وأطلقَ اسم"الدولة" على الطبقة الاجتماعية، وصنفها إلى طبقتين"دولتين" رئيستين متناقضتين، يدورُ في فلكِ كل منها طبقاتٌ أخرى ثانوية ومرافقة، وصوَّرَ أيضاً سبب وحالة احتدام وتأزم هذا الصراع فحددها في تحرك العامة الفقيرة، ومحاولتها العامة إعادةِ ما سلبه الأثرياءُ من منتجاتِهم وممتلكاتِهم، وضغطِهم من أجل إعادة توزيع الثروة.‏

وبهذه الناحية بالذات تكمن قدرةُ ابن رشد، ونقطةُ ضعفه، فعلى الرغم من تأكيده ضرورةَ تحوّلِ المجتمعات الطبقية أخيراً، إلى مجتمعات لا طبقية وإدراكهِ حقيقة الصراع الطبقي كقانونٍ لتحول المجتمعات الطبقية إلى مجتمعات لا طبقية، إلاّ أنه لم يستطعْ الإحاطة بالأشكال المتعددة للصراع الطبقي. وبهذا قصُرَ فهمُه الاجتماعي، عن مستوى فهمهِ للعلوم الطبيعية"والقائم أساساً على حركة الموجودات في تكونها وصيرورتها" من القوة إلى الفعل"بفاعل جوهري هو تناقض وصراع الأضداد في مادتها، ومن ثم من خارج، كعامل ثانوي، علماً بأنّهُ كان قد ألمح إلى شيءٍ من هذا، في إجابته عن سؤال كان قد طرحه على نفسه قائلاً: "كيف تتحول هذه الدول؟... وما العلاقة بينها وبين الدولة المثلى؟... وضرب مثالاً على ذلك، نلمس من خلاله شيئاً من التقية الاجتماعية، والعمق المعرفي يقول: "بين اللون الأبيض والأسود ظلالٌ مشتركةٌ، هذه الظلال لها اللونان معاً، فيها الكثير من البياض نستطيع ضمه إلى الأبيض، وفيها الكثير من السواد نستطيعُ ضمهُ إلى الأسود، فمن الواضح أنه إذا كان هذا هو حال بناء هذه الدولة، فتحول شيئين إلى بعضهما، يكون في النقيض الأقصى بالذات، فالنقيض يتحول إلى ضده، خطوةً خطوةً، حتى يصلَ إلى النقيض الأقصى" (18).‏

على الرغم من إشارته هذه، إلاّ أنه- أي ابن رشد- ابن بنية اجتماعية- اقتصادية- تاريخية- غير متمايزة- بحدودٍ كافيةٍ- تسيطر فيها العلاقات الإقطاعية القبلية المتفسخة ولكنها المكرسة في محاولة تأبيدها، والتي تتضمن إلى جانب ذلك علاقات رأسمالية وليدة صاعدة، بنية تتميز بوجود فكر علمي فلسفي، وسيطرة للفكر الإيماني التسليمي التبريري، ممثلاً بفقهاء المالكية، والمكرَّس في رؤوس العامة على نحوٍ تاريخي مديد.‏

فانتزعوا بذلك- أغلب العامة- فكرياً من موقعها الحقيقي، كصاحبة مصلحةٍ حقيقةٍ في فهم التغيير وممارسته.‏

ومن هذا بالذات تجلتْ واتضحتْ أهميةُ فلسفة ابن رشد في نقضه - فكراً وممارسة- الفكر النصي التبريري، بحدود ومستوى وآفاق القوى الطبقية. الصاعدة تاريخياً- في حينه- وبذلك كانت فلسفته فلسفةً واقعيةً تغييرية- نقدية، من موقع النقيض التقدمي والمستجيب لمستوى الآفاق الموضوعية والذاتية لعوامل التقدم الاجتماعي.‏

وقد برز ذلك، في بحثه ومعالجته الواقعَ الاجتماعي للدول ذات الأنظمة الجائرة حسب تعبيره القائمة على أساس الملكية الخاصة التي يمكن استثمار جهد الآخرين بواسطتها، وكيفية الانتقال منها إلى مجتمع العدالة"الأمثل".‏

وأول هذه الأنظمة"نظام الحكم الملكي"الثيموقراطي" وعماده الطغيان المعنوي والشرف.‏

ويضرب مثالاً على ذلك حكومة المرابطين، فحقيقة الحكام تقول: "إنهم سادة من جانب واحد... لا يعنيهم إلا السعادة المادية الحسية والثراء" (19) لذلك فحكمُهم قائمٌ على الطغيانِ والاستغلال، وغايتُهم بعيدةٌ عن العدالة.‏

أما النوع الآخرُ من الحكم فهو حكمُ الأثرياء- أو حكم القلة الثرية"الأوليغارشية" يقول فيهم: إنهم بعيدون عن تحقيق العدالة لأن"أكثر الناس في دولتهم فقراء" (20).‏

أما النوع الثالث من الحكومات الضالة: فهي حكومة الجمهور وهنا يسهب في الحديث عنها لأنها يمكن أن تكون أداة تعمية للجماهير، يقول: "إنها تقوم على أساس: أن كلَّ إنسان حر وهذا يعني أن يفعل ما يريد ويملك ما يريد" (21) وهذا بشكل عام مطلب إنساني عظيم ولكن بحدود الملكية الخاصة التي يمكن استثمار جهد الآخرين بها" ستنشأ عن ذلك طبقتان: طبقة العامة وطبقة الجبابرة، كما هو الحال في دولة الفرس، وفي الكثير من دولنا الآن، في مثل هذا الوضع تُحكم العامة من قبل الجبابرة والجبابرة يفعلون ما يشاؤون من أجل التملك، وهذا يقودهم إلى الطغيان، وإذا رفض الحكام إعادة توزيع الثروة التي سلبوها فستحدث صدمة قوية، يهتزُ على أثرها الأمراءُ والحكام ويتحولون إلى طغاة".‏

بهذا لم يبق من دولة حكم الجمهور القائم على أساس الملكية التي يمكن استثمار جهود الآخرين بها سوى أنها أداة تعمية وإفقار للجماهير وهي بالحقيقة"دولة العبودية".‏

ويخلص إلى القول: "إنه لا توجد دولةٌ على الإطلاق إلا تلك التي نحاول تأسيسها، فالدول الأخرى هي في الحقيقة عدة دول، حتى وإن كانت في منطقة واحدة، لأن الإدارة السياسية قائمة فيها من أجل الاقتصاد، وليس الاقتصاد من أجل السياسة".‏

لذلك: فنوعية النظام الاجتماعي ومستوى العلاقات الاجتماعية هي المحددة لعملية التقدم الاجتماعي، ولهذا فكافة العلاقات الاجتماعية وأشكال النظم الاجتماعية القائمة على أساس الملكية الخاصة التي يمكن استثمار جهد الآخرين بها، لا تحقق سوى تغريب الإنسان عن ذاته الإنسانية، وتكرسُ عبوديته.‏

بهذا: استطاع ابن رشد أن يتجاوز أسلافه، وأن يحقق قفزةً نوعيةً في علم الاجتماع، وذلك من خلال تحليله العميق للشروط اللازمة لقيام مجتمع العدالة- الذاتية الاجتماعية- أخذ يصف هذا المجتمع ودولته المثلى فقال: "إنّ الدولة التي نعزم قيامها، هي بذاتها عظيمةٌ وقوية، لأنها لا تقوم على القسر. وسلطتُها السياسية منبثقة عنها". وهذا يعود لشرط أساسي وهو إلغاء الملكية الخاصة، التي يمكن استثمار جهود الآخرين بواسطتها. لأنها السببُ الحقيقي لنشوء الصراع الطبقي وتفكك المجتمعات. ولذلك"يجب أنْ لا يكون- في هذه الدولة- ملكية لأي شخص كان"ومع إلغائها وتحويلها إلى ملكية جماعية" لن يكونَ بين الناس عملياتُ بيعٍ وشراءٍ، بالذهب والفضة، فنحنُ لا نحتاجهما في هذه الدولة على الإطلاق "وبإلغاء التبادل التجاري القائم على الربح وفضل القيمة" سنحتاج إلى مخازن كبيرة، لخزن المنتوجات، التي توزعُ على المواطنين بحسب الحاجة إليها" والتوزيعُ على حسب الحاجةِ مشروط بتربية الإنسان وتنشئته، بحيث لا يأخذ إلا حاجته بعد أن حقق عدالته الذاتية هذا أولاً أما الشرط الثاني فهو توفير العمل لكافة المواطنين" فالجميعُ يعملون بالعمل الذي يناسب ميولهم وطبيعتهم" والمتناسب مع الخطة العامة للدولة والمبرمجة من قبل الفلاسفة الحكام. بما يحققُ إنسانية الإنسان بتحقيق عدالته الذاتية والاجتماعية" إنهُ لمن المناسب لكل فرد في هذه الدولة أن يخلص بالولاء لإحدى قدراتها وبشكل خاص، للقدرة التي تناسب طبعه".‏

فالجميع يعملونَ العملَ المناسبَ لطبيعتهم، والمتناسب مع توجهات الدولة الهادفة لتحقيق إنسانية الإنسان، فيحلُ الرجلُ المناسب مكانَهُ المناسب، ويحصل على ما يحتاجُ إليه، فلا وجود للطفيليين والعاطلين عن العمل، الذين يعيشون على جهد الآخرين، كذكور النحل حسب تعبير ابن رشد.‏

فتزول الطبقات الاجتماعية، وبزوالها يتلاشى الصراع الطبقي، وتتحقق العدالة الاجتماعية، وتتلاقحان، وبتلاقحهما تُنجب أجيالٌ سعيدةٌ، بتحقيق إنسانيتها، ويتعاونُ الجميع في مجتمع الإلفة والمحبة، لتحقيق غاية الإنسان من وجوده. يقول"فالحكام والعامة يساعد بعضهم بعضاً لتحقيق غاية الإنسان من وجوده. يقول: "فالحكام والعامة يساعد بعضهم بعضاً لتحقيق غاية الحكمة وهي الكمال الأقصى، وبذلك، يصبح الحكام قادة" وتصبح الدولة"كالجسد الواحد" إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائرُ الجسد بالسهر. فتحافظ الدولة على وجودها على نحوٍ أبديٍّ متطور"فلا يمكنُ أن تفنى".‏

وتتوجه الجهود لتحقيق الغاية القصوى للوجود الإنساني. وهنا نتساءل مع ابن رشد، ما الغاية القصوى لوجودنا؟... يجيب ابن رشد"غاية الإنسان- ككائن طبيعي- أن يرقى إلى الوجود الذي يلائم طبيعته (22) " فإذا كانت كافة الموجودات الطبيعية تتحرك من الوجود بالقوة إلى الوجود بالفعل، فهي في صيرورة مستمرة نحو الكمال، فحري بالإنسان- وهو أرقى الكائنات- أن يتحرك لتحقيق كماله، بامتلاكه الفضائل الإنسانية.‏

وهنا يصنف الفضائل الإنسانية إلى"فضائل صنائعية، وفضائل علمية، وفضائل أخلاقية، تتوافق مع قواه الطبيعية، الغاذية، والغضبية، والعقلية، والاجتماعية، وتمتاز- هذه الفضائل- بعلاقتها التكاملية مع بعضها"إن الفضائل الإنسانية موجودة من أجل بعضها لتحقيق الفضيلة القصوى. والسعادة القصوى" (23). ويحدد الفضيلة القصوى، والتي هي غاية الإنسان من وجوده، تبرز عظمته كعالم نفس واجتماع، وكفيلسوف حكيم، يقول: "إنّ الإنسان- وإنْ كان موجوداً من قبل عللٍ كثيرةٍ- فإنّ علته التي هو بها موجود بذاته هي: إنسانيته، لأنه إنسان بذاته" (24).‏

تلك هي الفضيلة القصوى، والكمال الأقصى، والغاية القصوى، التي يسعى الإنسان لتحقيقها، وهي ممكنة التحقق.‏

وقد استطاع ابن رشد أن يرسم وبوضوح معالم الطريق، والشروط المحققة لهذه الغاية، بشكلٍ واقعي، وبالعلاقة مع المقدس، كفضيلة أخلاقية تدرك بالشوق العقلي، وبذلك تتشبه صورة الإنسان بالصورة الإلهية. يقول: "إنّ المحرك الأول الغير متحرك؛ إنما هو محرك من جهة ما هو بالفعل، والمتحرك هو متحرك من جهة ما هو بالقوة التي فيه لأن يتحرك" (25) فيستكمل الإنسان ذاته أخلاقياً- اجتماعياً، وتتحقق الآية الكريمة: "إن الله لا يغير ما بقومٍ، حتى يغيروا ما بأنفسهم".‏

بهذا، نخلص إلى القول: أن ابن رشد قد تلمّس أسباب التناقض في المجتمع، بين رايات الإنسانية والوجود الاجتماعي، ورأى أنّ مهمة الفلسفة هي: تحقيق الذات الإنسانية، وذلك بإلغاء هذا التناقض عبر تنشئة الأجيال ضمن وجودٍ اجتماعي، أُلغيت فيه الشروط الموضوعية والذاتية لتكوين الأنانية، وإيجاد ذاتٍ إنسانية اجتماعية متكاملة، تعمل على استكمال ذاتها، من خلال استكمال ذوات الآخرين، بنشاطٍ عملي- نظري- أخلاقي، خاضعٍ لتقويم وتقييم مستمرين على نحو غائي، بالعلاقة مع المقدس، وبذلك تتحقق إنسانية الإنسان في وجوده الإنساني.‏

المصادر المعتمدة في البحث:‏

1- تلخيص السماع الطبيعي، رسائل ابن رشد، مطبعة حيدر آباد الدكن،، ط1 عام 1947.‏

2- تفسير ما بعد الطبيعة، أربعة أجزاء- تقديم وتحقيق موريس بويج، بيروت، أعوام 1938- 1942- 1948- 1952م.‏

3- تلخيص كتاب النفس، رسائل ابن رشد، مطبعة حيدر آباد- الدكن- عام 1947.‏

المصادر الأجنبية:‏

1- ROSENTAL, E, T, J.‏

“AVERROES COMMENTARYON.” “PLATO,S REPUBLIC CAMBRIDGE, AT THE UNIVERCITY PRESS, 1969.‏

(1) عبد العزيز عبد الله: مظاهر الحضارة المغربية، ج2، ص33.‏

(2) تلخيص كتاب النفس، ص/69/.‏

(3) تلخيص كتاب النفس، ص69.‏

(4) تلخيص كتاب النفس، ص65.‏

(5) ابن رشد: تفسير ما بعد الطبيعة، ج1، ص43.‏

(6) ابن رشد: تفسير ما بعد الطبيعة، ج1، ص10.‏

(7) ابن رشد: شرح جمهورية أفلاطون، ص193.‏

(8) ابن رشد: شرح جمهورية أفلاطون، ص114.‏

(9) ابن رشد: شرح جمهورية أفلاطون، ص170.‏

(10) المصدر السابق نفسه، ص205.‏

(11) المصدر السابق نفسه، ص182.‏

(12) المصدر السابق نفسه، ص182.‏

(13) المصدر السابق نفسه، ص182.‏

(14) ابن رشد: شرح جمهورية أفلاطون، ص171.‏

(15) ابن رشد: شرح جمهورية أفلاطون، ص150، المعطيات السابقة نفسها.‏

(16) المصدر السابق، ص172.‏

(17) المصدر السابق، ص152.‏

(18) المصدر السابق، ص141.‏

(19) ص، /210/.‏

(20) ص،/212/.‏

(21) ص،/214/.‏

(22) المصدر السابق، ص192.‏

(23) المصدر السابق، ص190.‏

(24) ابن رشد: تفسير ما بعد الطبيعة، ج2، ص636.‏

(25) ابن رشد: تلخيص السماع الطبيعي- ست رسائل- مطبعة حيدر آباد، ص117.‏

8%http://awu- dam.org/trath/74/turath74- 011.htm

alalkoora1990
عضو فاعل
عضو فاعل


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى