أنثروبولوجيون في العالم Anthropologists in the world‎‏
عزيزي الزائر الكريم
انت لم تسجل في المنتدى بعد، عليك الضغط على زر التسجيل ادناه لتتمكن من مشاهدة ‏جميع الصور والروابط في المنتدى، والمشاركة معنا.ان امتناعك عن التسجيل يعني ‏حرمانك من مزايا المنتدى الرائعة .‏

في نقد مقدمة «تكوين العقل العربي»

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

في نقد مقدمة «تكوين العقل العربي»

مُساهمة من طرف alalkoora1990 في 14/8/2012, 13:33

في نقد مقدمة «تكوين العقل العربي»(2/2)

عبد الجليل الكور
الاثنين 13 غشت 2012 - 14:24
يُستكمَل، في هذا الجزء الثاني، الاستعراض النقديّ لما بَقي من فقراتِ مُقدِّمة كتاب «تكوين العقل العربيّ»، بعد أن سبق في المقال السالف عرضُ خمس فقرات منها (الباقي ستّ). ولا بُدّ من تأكيد أنّ الإلمام بفحوى هذه المُحاوَلة لا يتمّ إلا بقراءتها في مجموعها بصفتها ٱستدلالا أُريد له أن يكون مُترابِطًا في أجزائه.

§ 6- يقول "الجابري": «أما في القسم الثاني[،] فقد انصرفنا إلى البحث، [في] مكونات الثقافة العربية، [عن] النظم المعرفية التي تؤسسها وتتصادم داخلها. وكان هدفنا في هذه المرحلة الأولى من البحث استخلاص هذه النظم بوصفها مناهج ورؤى، وليس دراستها لذاتها- الشيء الذي سيكون موضوع الجزء الثاني من الكتاب. وفي عملية "الاستخلاص" هذه سلكنا [مسلكًا تكوينيًّا]، فتتبعنا "تطور" الثقافة العربية ككل، من البداية التي اخترناها، حريصين على النظر إلى فروع هذه الثقافة (نحو، فقه، كلام، بلاغة، تصوف، فلسفة...) كغرف في قصر واحد، متصلة مترابطة، يقود بعضها إلى بعض عبر [أ]بواب ونوافذ... وليس كخيام منعزلة مستقلة منصوبة في ساحة غير ذات سور ولا سياج، كما هو حال النظرة السائدة. لقد قمنا برحلة داخل أروقة الثقافة العربية، رحلة نقدية، انصرف اهتمامنا خلالها إلى [أ]سس هذه الأروقة و[أ]عمدتها، وليس إلى معروضاتها.» ؛

§ 6. 1- وَضَعتُ، في هذه الفقرة السادسة، فاصلةً في الجُملة الأولى بعد لفظ "الثاني" لأنّ "أمّا" تُفيد معنى "التّمييز" و"التّفصيل" ولا بُدّ من فصل القول الأوّل عن الثاني بالفاصلة كعلامةٍ للوقف، خصوصا أنّ القول الثاني يُرتَّب في الغالب على الأوّل بأداةِ العطف "فَـ". وَوَضَعتُ لفظيْ "في" و"عن" بين معقوفين للإشارة إلى أنّ هناكـ ٱلتباسًا تركيبيّا ودلاليّا للمُجاوَرة بينهما، ٱلتباسًا يُدرِكُه من كان يعرف أنّ فعل "بَحَثَ" له معنيان أساسيّان ومُتميِّزان: أوّلُهما يكون باستعمال "في" لتعديته إلى مفعوله، وثانيهما يكون باستعمال "عن" لتعديته. ولأنّ "في" تُفيد أساسا معنى "الظرفيّة" و"عن" تُفيد معنى "المُجاوَزة"، فإنّ عبارة «بَحَث فيه» ليست هي نفسها «بَحَث عنه». وبما أنّ "الجابري" قد ٱستعمل في الجُملة الأُولى لفظ "بحث" مقرونًا إلى لفظيْ "في" و"عن"، فإنّ معنى ٱتِّخاذ «مُكوِّنات الثقافة العربيّة» موضوعا للبحث لا يكاد يَتميّز عن معنى ٱتِّخاذ «النُّظُم المعرفيّة» المُؤسِّسة لهذه الثقافة غرضًا للطّلَب. وبالتّالي، يبدو أنّ «البحث عن النُّظُم المعرفيّة» هو الذي يُوجِّه مُسبقًا «البحث في مُكوِّنات الثقافة العربيّة». فلا يبحث "الجابري"، داخل الثقافة العربيّة، عن شيء آخر سوى «النُّظُم المعرفيّة». أليس هذا ضربًا من التّركيز على شيء يُفترَض سَلَفًا ويُطلَب "ٱكتشافُه" أو "البرهنة عليه"؟ ألا يُمكن أن يكون البحث في «الثقافة العربيّة» بحثًا فيها بما هي ثقافة وليس بحثا عن شيء مُعيَّن يُسمّى «النُّظُم المعرفيّة» وفقط لأنّ فيلسوفا ما (هو، في حالتنا، "مِشّيل فُوكو") بَحَث في الثقافة الأروبيّة/الغربيّة وٱنتهى إلى ما سمّاه "الجابري" «النُّظُم المعرفيّة»؟

§ 6. 2- يَتحدّث "الجابري" عن «النُّظُم المعرفيّة» التي تُؤسِّس «الثقافة العربيّة» وتَتصادم داخلها. فهل حقًّا «النُّظُم المعرفيّة» هي التي تُؤسِّس «الثقافة العربيّة» أمْ أنّ الأمر يَتعلّق بشيء آخر؟ وهل التّصادُم هو العَلاقة الأساسيّة (ورُبّما الوحيدة) القائمة بين تلكـ النُّظُم المُفترَضة داخل «الثقافة العربيّة»؟ لماذا لا يكون الحديث عن مختلف أنواع العلاقة وليس فقط التّصادُم؟ لماذا لا تكون العلاقة بين هذه النُّظُم المُفترَضة تفاعُلًا أو تكامُلًا أو تداخُلًا؟

§ 6. 3- يذهب "الجابري" إلى أنّ هدفه - في القسم الثاني من «تكوين العقل العربي»- كان ٱستخلاص «النُّظُم المعرفيّة» بصفتها مَناهج ورُؤى، في حين أنّ دراستَها لذاتها (أو، بالأحرى، «في ذاتها») سيكون موضوعَ الجزء الثاني من مشروعه («بنية العقل العربي») ؛

§ 6. 4- يقول "الجابري" بأنّه سَلكـ في ٱستخلاصه تلكـ النُّظُم مَسلكًا "تكوينيّا" فعَمِل، بالتّالي، على تتبُّع "تطوُّر" «الثقافة العربيّة» كلِّها ٱنطلاقا من البداية التي ٱختارها نقطةً مُؤسِّسةً (عصر التدوين). ونُلاحظ أنّه لم يجد سبيلا لتوضيح صفة "تكوينيّ" إلا بإتْباعها بلفظ "تطوُّر". فكيف لم يَنتبه إلى أنّ التّدقيق في صيغتي "تَكْوين" (أصل صفة "تكوينيّ") و"تطوُّر" يُثبِت تبايُنَهما (الأُولى "تَفْعيل" والأُخرى "تفعُّل") على النحو الذي يُوجب حفظ المُناسَبة بينهما: «تكوين/تطوير» أوْ «تكوُّن/تطوُّر»؟!

§ 6. 5- يَتحدّث "الجابري" عن أنّه كان حريصا، في خلال ٱستخلاصه تلكـ النُّظُم، على النظر إلى فُروع «الثقافة العربيّة» (نحو، فقه، كلام، بلاغة، تصوف، فلسفة...) باعتبارها مُتّصلةً ومُترابطةً، كما لو كانت غُرَفًا في قصر واحد يقود بعضها إلى بعض عبر أبواب ونوافذ ؛ أيْ بخلاف ما تُكرِّسه النظرة السائدة التي تجعل تلكـ الفروع كخيام منعزلة منصوبة في ساحة لا يُحيط بها سُور ولا سياج. ونُلاحظ، هُنا، أنّ "الجابري" لم يَستطع عَرْض الكيفيّة التي يَنظُر بها إلى فروع «الثقافة العربيّة» إلا من خلال تشبيهٍ تُمثِّل فيه "الثقافة" قَصْرًا وتَكُون فيه فُروعُها مجموعةً من الغُرف التي تَتّصل فيما بينها عبر أبواب ونوافذ. لكنّه، في المستوى الثالث، ذكر "المُشبَّه به" (الأبواب والنوافذ) ونَسِيَ "المُشبّه" (فما الذي يُمثِّل، في فروع «الثقافة العربيّة»، الأبواب والنوافذ؟). كما أنّه أعطى تشبيهًا مُقابِلا للكيفيّة التي تُمثِّل بها النظرة السائدة «الثقافة العربية» وفُروعَها ("الثقافة" مثل ساحةٍ غير ذات سُور ولا سياج، أيْ كصحراء ؛ وفُروعها كخيام منصوبة بعضها منعزل عن بعض). ولُجوءُ صاحبنا إلى "التّشبيه" وغيره من أوجُه البلاغة لا غرابة فيه، بل المُستغرَب أن يَتعاطاه من يَرى أنّ "البيان" أدنى درجةً من "البُرهان" الذي يَحتّل عنده المرتبة العُليا في العقلانيّة! فلماذا لم يُخْرِج صاحبُنا أقوالَه في صُورةِ أدلةٍ بُرهانيّة لا مجال فيها للالتباس أو الاشتباه ما دام يَنتصر لـ"البُرهان" على "البيان" كما هو معروف عنه؟

§ 6. 6- ثُمّ يُواصل "الجابري" تَعاطي "التّشبيه" و"الاستعارة" فيجعل ٱستعراضه النقديّ لفُروع «الثقافة العربيّة» كرحلة داخل أروقةِ قَصْرٍ، حيث أكّد أنّ ٱهتمامَه ٱنصرف - في أثناء رحلته النقديّة- إلى مُلاحظةِ أُسس تلكـ الأروقة وأعمدتها، وليس إلى معروضاتها. إنّه، بطريقة أُخرى، يُريد أن يُظْهر أنّ توجُّهه البنيويّ و"التكوينيّ" كان مُنْصبًّا على عناصر البناء وصُورتها وليس على مادّتها.

§ 7- «ومع ذلك[،] فلقد كان لا بد، ونحن نتحرك في [أُ]فق تكويني، من التعامل مع المادة المعرفية وبطانتها [الإدْيولوجيّة] [نوعًا] من التعامل. [إنّ] البحث في "تكوين العقل العربي"، موضوع هذا الجزء من الكتاب، يتطلب كما قلنا استئناف النظر في تاريخ الثقافة العربية، في أصولها وفصولها، في أسسها ودروبها. وإذا كانت الثقافة، [أيّ] ثقافة، هي في جوهرها عملية سياسية، فإن الثقافة العربية بالذات لم تكن في يوم من الأيام مستقلة ولا متعالية عن الصراعات السياسية و[الا]جتماعية، بل لقد كانت باستمرار الساحة الرئيسية التي تجري فيها هذه الصراعات. [إن] الهيمنة الثقافية كانت النقطة الأولى، و[أحيانًا] الوحيدة، المسجلة على جدول [أ]عمال كل حركة سياسية [أو] دينية[،] بل كل قوة اجتماعية تطمح إلى السيطرة السياسية [أو] تريد الحفاظ عليها. ومن هنا تلك العلاقة العضوية بين الصراع [الإدْيولوجي] والصدام [الإپستمولوجي] في الثقافة العربية، وهي علاقة ما كان يمكن لنا قط إهمالها [أو] التقليل من أهميتها ومفعولها، وإلا فقد التحليل بعده التكويني، [أ]عني ما [يمنح] موضوعه تاريخيته.» ؛

§ 7. 1- وُضع، في هذه الفقرة السابعة، أكثر من لفظ بين معقوفين لتصحيح "الهمزة" أو الوقف. ووُضع لفظ "إديولوجيّ" في موضعين بين معقوفين لأنّه أُزيلت منه ياء المدّ (إ[يـ]دْيولوجي) التي تُغنِي عنها الكسرة. ووُضعت، في الجملة الثالثة، "أيّ" بين معقوفين لأنّ القاعدة تقول إنّها إذَا أضيفتْ إلى ظاهر وجب إفرادُها وتذكيرُها («وسيَعْلَمُ الذين ظلموا أيَّ مُنْقلَبٍ يَنقلِبُون» [الشعراء: 227] ؛ «[...]، في أيِّ صُورةٍ ما شاء ركَّبَكَـ.» [الانفطار: 8])، ولا تُؤنَّث إلا لضرورة شعريّة كما في شطرَيْ "المتنبي" المعروفين («عيدٌ بأيَّةِ حالٍ عُدْتَ يا عيد!|» و«مِنْ أيّةِ الطُّرق يأتي نَحْوَكـ الكَرَم|»). وفي الجملة الأخيرة منها، وُضع لفظ "الإپستمولوجي" بين معقوفين لأنّ الصُّورة التي كُتب بها لا ينطقها "الجابري" نفسه ("الإيبيستمولوجي": ياء المدّ بعدها باءٌ ممدودة!)، مِمّا يُوجب ٱستبدال "پ" مكان "باء" وحذف ياء المد الموجودة قبلها وبعدها (وسيَأتي تفصيلٌ بعدُ بخصوص سبب تفضيل "الجابري" لهذا المُصطلح المُعرَّب بدلا من ٱستعمال مُقابله العربيّ: "مَعْرفيّ"!) ؛ كما وُضع فعل "يَمْنَح" بين معقوفين لأنّ "الجابري" وَافق الاستعمال الشّائع الذي يجعله مُرادِفًا في معناه لـ"أَعْطَى"، في حين أنّ معناه يُفيد «أعَارَ ووَهَب»، أيْ أنّه أخصّ من "أعطى" (ليس كل عطاء منحةً) ؛

§ 7. 2- يرى "الجابري" أنّ تحرُّكه فيما يُسمِّيه «أفقا تكوينيًّا» لم يَمنعه من التّعامُل مع «البِطانة الإديولوجيّة» للمادّة المَعْرفيّة، لأنّ ٱستئنافَ النظر في تاريخ «الثقافة العربيّة» يَتطلّب - حَسَب رأيه- النظر في أُصولها وفُصولها وأُسسها ودُروبها. لكنّ ما يُسمِّيه "الجابري" بـ«البِطانة الإدْيُولوجيّة» يُعَدّ، بالأساس، ظِهارةً في كل مادّةٍ معرفيّة، إذْ أنّ "المعرفة" تَتحدّد في بنيتها بما هي "ٱعتقاد" (صادق ومُعلَّل)، مِمّا يجعل البحث في «مُضمرَات المعرفة» لا يَمتاز كثيرا عن البحث في مُظهَراتها إلا حينما يُراد تخصيصُه بصفة "إديولوجيّ" قدحًا فيه وكأنّ "المعرفة" في أصلها لا صلة لها بما هو "ٱعتقاديّ"!

§ 7. 3- يُؤكِّد "الجابري" أنّ "الثقافة"، في جوهرها، عمليّةٌ سياسيّةٌ. غير أنّ مثل هذا التّأكيد يَمِيل إلى ٱختزال "الثقافة" فيما هو سياسيّ، ولا يكشف عن حقيقة العلاقة بين "الثقافة" و"السياسة". إنّ للثقافة، بكل تأكيد، علاقةً بالسياسة من حيث إنّ الإنسان لا يَتحدّد بأنّه كائن ثقافيّ إلا بالقدر نفسه الذي هو كائن سياسيّ. كما أنّ للثقافة آثارَها السياسيّة وأغراضَها غير الثقافيّة (على الرغم من إرادةِ مُنتجِيها تجريدها من ذلكـ). لكنّ هذا كلَّه لا يجعل "الثقافة" مجرد عمليّة سياسيّة كما أرسل قولَه "الجابري". ويَكفي أنْ تكون "الثقافة" في آثارها السياسيّة غير قاصدة ولا واعية ليَتبيّن الفرقُ الجوهريّ بينها وبين "السياسة". وبالتالي، فليست "السياسة" كل شيء على الرغم من أنّها تُؤثِّر غالبًا في كل شيء. وقد يَكفي، أيضا، أن يُشار هنا إلى أنّ للثقافة سياستَها التي لا تقوم، بالأساس، على "المنفعة" و"النزاع" كما هو الحال في "السياسة" بمعناها الضيق. ولهذا، فإنّ قول "الجابري" بأنّ الثقافة العربيّة بالذات لم تكن قطّ مُستقلةً ولا مُتعاليةً على الصراعات السياسيّة والاجتماعيّة يجب أن يُفهَم في تلكـ الحُدود (فضلا عن كونه يُعَدّ، بالأساس، تحصيل حاصل)، وإلا فإنّ تذويبَ «الثقافة العربيّة» في مياه "السياسة" لا نتيجة له سوى تَبْخيس "الفكر" و"الثقافة" و"العقل" بصفتها مجرد تَوابِع للسياسة! وبالتالي، فإنّ قولَ صاحبنا بأنّ «الثقافة العربيّة» كانت باستمرار الساحة الرئيسيّة التي تَجري فيها الصراعات السياسيّة قولٌ لا يَصِحّ على إطلاقه. وكونُ إرادة الهيمنة الثقافيّة (أو الرمزيّة) مَثَّلت النقطة الأُولى أو الوحيدة المُسجّلة في جدول أعمال أيّ حركة سياسيّة أو دينيّة أو قُوّة ٱجتماعيّة تطمح إلى السيطرة السياسيّة أو تُريد الحفاظ عليها لا يعني أنّ «الثقافة العربيّة» كانت تابِعةً أو مُستتبَعةً لغيرها من المَجالات بِقَدْرٍ يَزيد عمّا عرفته الثقافات الأُخرى ؛

§ 7. 4- يبدو أنّ إرادةَ جعل «الثقافة العربيّة» مُتفرِّدةً بتبعيّتها تاريخيّا وٱجتماعيّا للسياسة لا يَظهر إلا من خلال ما يَنتهي إليه "الجابري" من تأكيدِ وُجود علاقة عضويّة بين «الصراع الإديولوجيّ» و«الصدام الإپستمولوجيّ» في الثقافة العربيّة. فهل يُعَدّ هذا خاصًّا بالثقافة العربيّة أمْ أنّه مُلازِم للمُجتمعات البشريّة كلها؟ وهل حقًّا حِرْصُ "الجابري" على حفظ تاريخيّة «التحليل التكوينيّ» هو الذي جَعله لا يُهمِلُ تلكـ العلاقة المُفترَضة خاصِّيّةً في «الثقافة العربيّة» ولا يُقلِّل، بالتالي، من أهميّتها ومفعولها أمْ أنّ في الأمر شيئًا من ظلال التّأثير الماركسيّ الذي أمعن في جعل "الثقافة" و"العلم" تابِعَيْنِ للنِّضال السياسيّ إلى الحدّ الذي أصبح من مُقتضيَات "المعرفة" أنْ تكون خادِمةً للمُمارَسة السياسيّة؟!
§ 7. 5- لم يَكْتفِ "الجابري" بالحديث عن «الصراع الإديولوجيّ» داخل «الثقافة العربيّة» (وهو أمر عاديّ وضروريّ)، بل أجرى مُقايَسةً عليه فانتقل للحديث عن «الصدام الإپستمولوجيّ» على النحو الذي سيجعل ما يُسمِّيه «النُّظُم المعرفيّة» مُتصادِمةً على غرار المذاهب والفرق والطوائف في تناقُضها الاعتقاديّ وتنازُعها السياسيّ. فهل المنظور "التكوينيّ" كما تصورّه "الجابري" لا يسمح بإدراكـ شيء آخر غير "الصراع" و"الصدام" و"النِّزاع" أمْ أنّ التّعارُض والتّناقُض البنيويّ قد يَتّخذ أشكالا مُتبايِنةً فيها من "التّفاعُل" و"التّداخُل" و"التّكامُل" ما لا يَصِحّ أن يُختزَل ويُبسَّط في مجرد "التّصارُع" و"التّصادُم"؟

§ 8- «[إنّ] أخذنا بعين [الا]عتبار الكامل هذه العلاقة العضوية بين [الإديولوجي] و[الإپستمولوجي] في الثقافة العربية، على الصعيد التكويني، جعلنا نستحضر في كل لحظة [أ]طراف الصراع، الشيء الذي مكننا، فيما يخيل إلينا، من التحرر من التاريخ "الرسمي" للثقافة العربية الذي يُعْنَى فقط بالثقافة التي تشرف عليها الدولة [أو] تدور في فلكها ويهمل [أو] يغفل الثقافة "المضادة"، ثقافة المعارضة، وفي أحسن الأحوال يعرضها منفصلة معزولة، على هامش "التاريخ"، هذا في حين [أن] الواحدة منهما إنما كانت تتحدد، في كل لحظة، من خلال علاقتها مع الأخرى. لقد كان لا بد إذن من النظر إليهما [معًا] من زاوية الفعل ورد الفعل. وهنا نرجو [أن] يفهمنا القارئ المتحزب، [أ]عني الذي ما زال [مُنخرطًا]، بصورة [أو] أخرى بوعي أو بدون وعي، في صراعات الماضي. لقد تحدثنا هنا بدون عقد، وبدون مسبقات. ولم يكن هدفنا، وليس في نيتنا [أ]بداً، [الا]نتصار لطرف على آخر، فنحن نعتبر الماضي [ملكًا] للجميع ونرى [أن] صراعاته يجب [أن] تكون وراء الجميع، لا معهم ولا أمامهم.» ؛

§ 8. 1- يذهب "الجابري" إلى أنّ حُسن تقديره لِما يَعُدّه علاقةً عُضويّةً بين "الإديولوجيّ" و"الإپستمولوجيّ" في تكوُّن «الثقافة العربيّة» جَعَله يَستحضر دائمًا الأطراف المُتصارِعة والتّحرُّر، بالتالي، من التاريخ الرسميّ الذي يَكتفي بإظهار الثقافة المُوالية للدّولة ويعمل، في المُقابل، على إغفال وإهمال الثقافة المُضادّة (التي هي - في ظنِّه- ثقافة المُعارَضة)، إنْ لم يَعرضها مُنفصلةً ومعزولةً، على "هامش" التاريخ، في الوقت الذي كانت كل منهما تتحدّد دائما من خلال علاقتها بالأخرى في إطار التّلازُم بين الفعل ورَدِّه. لكنّ إرادةَ الانفكاكـ عن «التاريخ الرسميّ» بإعادةِ الاعتبار إلى ثقافة الهوامش بصفتها ثقافةً مُضادّةً أو مُعارِضةً ليس معناه الغفلة عن ٱشتغال الضرورة الاجتماعيّة والتاريخيّة من خلال منطق الغَلَبة/السيطرة الذي يَحكُم مُختلِف أنواع التّفاعُلات والتّبادُلات بمجالات الإنتاج الثقافيّ الخاصة بالمُجتمعات العربيّة/الإسلاميّة، وإلّا فإنّه قد يَؤُول - باسم الانتصار للمُعارَضة- ليس فقط إلى "تَرْسيم" تاريخ الهوامش، بل أيضا إلى "ٱختلاق" تاريخ لمن يُعرَفُون - في كل المجتمعات- بأنّهم لا تاريخ لهم ؛

§ 8. 2- يُلاحَظ أنّ "الجابري" يُقدِّم نفسَه، هُنا، بصفة من تَنَزَّه عن "التّحزُّب" في هذا الاتِّجاه أو ذاكـ، فلم يَعُدْ مُنخرِطًا في صراعات الحاضر، ولا بالأحرى في صراعات الماضي ؛ مِمّا قد يَجعلُه يَتحدّث بدون عُقد أو مُسبقات. كما أنّه يُعلن أنّ نِيَّتَه ليس فيها الانتصار لطرفٍ على طرف لأنّه يَعتبر الماضي مِلْكًا للجميع، وهو ما يُوجب في نظره التّخلُّص من صراعاته وٱلتزام الحياد تُجاهها. ولقد كان سيُقبَل «عَرْض الذّات» على هذا النحو لو كان من المُمكن إثبات الانقطاع التامّ بين منظور المُؤرخ أو فيلسوف المعرفة وبين تحيُّزه تاريخيّا وٱجتماعيّا وسياسيّا. نعم، قد لا يكون تحيُّزه بنفس الحدّة المُميِّزة لتحيُّز الإنسان العاديّ ؛ لكنّه يبقى حاضرا، إِنْ لم يَتحوّل حيادُه المُعلَن إلى عَمًى ظاهر أو تواطُؤٍ ضمنيّ. وقد لا يذهب المرءُ بعيدا حتّى يَكتشف أنّ إبداء عدم الانتصار لطرف مُعين يَصير مُناهَضةً لتوجُّه مُحدَّدٍ وٱنتصارًا له من خلال التّفانِي في الإعلاء من شأنه وإثبات مشروعيّته (مثلا، الانتصار للعقلانيّة بلا قيد ولا شرط، ولـ"ٱلبُرهان" على كل من "البَيان" و"العرفان" بحسب فهمه لهما) ؛

§ 8. 3- لا يَكفي رفعُ شعار أنّ الماضي مِلْكٌـ للجميع، لأنّ أشياء الماضي ليست أبدًا مِلْكًا لجميع الناس باختلاف فئاتهم ومَراتبهم. كيف يكون ذلكـ والتّفاوُتُ حاصلٌ بين الناس حتّى في ٱمتلاكـ الحاضر، القريب منهم في الظاهر؟! وهل يكون الماضي مِلْكًا مُشاعًا بين جميع الناس في الوقت الذي نجد أنّ الطُّرُق إليه مُتعدِّدة ومُتبايِنة، بل إنّ بعضَها مقطوع على فئات معينة بحيث لا يعود موضوعا لتَملُّكٍـ فِعْليٍّ يَتساوى فيه الجميع؟!

§ 9- «وكما [أ]نه ليس من الممكن فصل الثقافة عن السياسة في التجربة الثقافية العربية، وإلا جاء التاريخ لها [عرضًا] لأشلاء متناثرة لا روح فيها ولا حياة، لم يكن من الممكن كذلك، ونحن نبحث في تكوين العقل العربي، إهمال اللامعقول و[الا]هتمام بالمعقول وحده، بل لقد تتبعناهما [معًا] في نموهما وتأثيرهما المتبادل، وأكثر من ذلك وأهم، في نظرنا، لم نحاول التماس المعقولية، بصورة من الصور، لهذا القطاع [أو] ذاك من قطاعات اللامعقول في الثقافة العربية، بل لقد احترمنا في كل قطاع طبيعته وربطناه بالبنية-الأم التي منها تفرع وإليها ينتمي.» ؛

§ 9. 1- يرى "الجابري" أنّه ليس من المُمكن فصل "الثقافة" عن "السياسة" في التجربة الثقافيّة العربيّة. لكنّ فَصْلَ "الثقافة" عن "السياسة" غير مُمكنٍ في أيّ تجربة إنسانيّة (وليس فقط في التجربة الخاصة بالعرب). وبالتّالي، فلا يُمكن فصل عمل "الجابري" نفسه عن مُمارَسته السياسيّة (حتّى بعد تخلِّيه الرسميّ)، بل يُمكن ٱعتبار عمله في النقد مُواصَلةً للسياسة بطريق آخر أشدّ نُجوعًا من طُرُق السياسيِّين نفسها، إنْ لم يَكُنْ بكل بساطة تمهيدًا لعملِ هؤلاء في مجالٍ كان ولا يزال مصدر مُقاوَمة شديدة لكل ما يَتحدّد بصفة المُناوِئ والمُخاصم لاختياراتٍ تَتبنّى الاستناد إلى ما هو "أصيل". ولهذا، فليس فصل "الثقافة" عن "السياسة" في التجربة العربيّة/الإسلاميّة هو وحده الذي قد يجعل التاريخ بلا رُوح ولا معنى، بل أيضا جعل "الثقافة" تابِعةً (وخادِمة، ولو بالنيابة) للسياسة!

§ 9. 2- يقول "الجابري" بأنّه لم يَكُنْ من المُمكن، في إطار بحثه في «تكوين العقل العربيّ»، أن يَهتمّ بـ"ٱلمعقول" وحده ويُهمل "ٱللّامعقول"، بل كان عليه أن يَتتبّعهما معًا في تطوُّرهما وتفاعُلهما. كما يُؤكّد أنّه لم يُحاول ٱلتماس "ٱلمعقوليّة"، بأيِّ صُورةٍ، لهذا القطاع أو ذاكـ من قطاعات "ٱللّامعقول" في «الثقافة العربيّة»، وإنّما ٱحْتَرمَ في كل قطاع طبيعته ورَبَطه بالبنية-الأمّ التي منها تفرّع وإليها يَنتمي. ومن البيِّن أنّ هذا مبدأٌ منهجيّ بالغ الأهميّة. فـ"ٱللّامعقول" مُلازِمٌ لـ"ٱلمعقول" على النحو الذي يَقتضي الاهتمام بهما في ترابُطهما الوثيق وتداخُلهما المُعقّد. لكنْ، هل عدمُ ٱلتماس "ٱلمعقوليّة" لـ"ٱللّامعقول" في قطاع ما يُوجب الوُقوف عند مظاهر "ٱلمعقول" في قطاع عُرِف بادِّعاء "ٱلمعقوليّة"، بل بالنُّزوع إلى ٱحتكارها (أقصد، بالخصوص، الفلسفة)؟ وهل هناكـ، في الواقع، قطاعٌ بشريّ يَخْلُو من "ٱللّامعقول" إذَا كان "العقل" يُنتج منه بقدر ما يُنتج من نقيضه إلى الحدِّ الذي يجعل "المعقول" لا يَتولّد إلا من رَحِم "ٱللّامعقول" حيث إنّ مبدأ الصواب نفسه ليس سوى وُجود الخطأ؟!

§ 10- «ولا بد من الإشارة [أخيرًا] إلى أننا قد اخترنا بوعي التعامل مع الثقافة "العالِمَة" وحدها، فتركنا [جانبًا] الثقافة الشعبية من [أ]مثال وقصص وخرافات وأساطير وغيرها، لأن مشروعنا مشروع نقدي، ولأن موضوعنا هو العقل، ولأن قضيتنا التي ننحاز لها هي العقلانية. نحن لا نقف هنا موقف الباحث الأنتروبولوجي الذي يبقى موضوعه [ماثلًا] أمامه كموضوع باستمرار، بل نحن نقف من موضوعنا موقف الذات الواعية، [موقفها] من نفسها. [إنّ] موضوعنا ليس [موضوعًا] لنا إلا بمقدار ما تكون الذات [موضوعًا] لنفسها في عملية النقد الذاتي.» ؛

§ 10. 1- في هذه الفقرة العاشرة، وَضَعتُ عدّة ألفاظ بين معقوفين للإشارة إلى تصحيح الهمزة أو التّنوين. كما أضفتُ، بين معقوفين، لفظ "موقفها" في القول الثاني من الجملة الثانية (بعد "بل") لأنّ عبارة "الجابري" مُلتبسةٌ في تركيبها: إذْ نفهم منها أنّه رُبّما أراد إمّا «نقف من موضوعنا موقف الذات الواعية بنفسها» وإمّا «نقف من موضوعنا موقف الذات الواعية من نفسها» وإمّا الأمرين كليهما فجعل «من نفسها» بعد الفاصلة، أيْ أنّ موقفه من موضوعه يُعَدّ موقف الذات التي تعي نفسها أو موقف الذات بالنِّسبة إلى نفسها أو هُما معا ؛

§ 10. 2- يُؤكّد "الجابري" أنّه تَركـ «الثقافة الشعبيّة» (من أمثال وقِصص وخُرافات وأساطير وغيرها) وٱختار بوعي التّعامُل مع «الثقافة العالِمة». ويُبرِّر ٱختيارَه هذا بأنّ مشروعه نقديٌّ وبأنّ موضوعه هو "العقل" وبأنّه مُنحازٌ إلى "العقلانيّة" وحدها. وكلامُه هذا يُوحي بأنّ «الثقافة الشعبيّة» لا تُناسب «نقد العقل»، بل تنتمي إلى مجال "ٱللّامعقول". لكنّ هذا لا يُسلَّم له مُطلقا، لأنّ «الثقافة العالِمة» لا تختصّ بـ"العقل" و"المعقوليّة"، بل إنّ تركيزها على «العقل النظريّ المُجرّد» لا يُعطيها أيَّ ٱمتياز في هذا المجال. وأكثر من هذا، فإنّ نقدَ هذا النوع من "العقل" لا يَكتسب مشروعيّته الكاملة إلا من خلال البحث في «العقل العمليّ المُجسَّد» كما يَتمثّل في المُمارسة العاديّة واليوميّة. ولهذا السبب، فإنّ أشدّ الأبحاث تجديدا في الفكر المُعاصر إنّما هي تلكـ التي تَناوَلت «الثقافة الشعبيّة» وساءَلتْ من خلالها «الثقافة العالِمة» كما فعل "جورج دُوميزل" في دراسته للأساطير الهنديّة-الأُروبيّة، و"جون-پيير ﭭرنان" بالنسبة للأساطير اليونانيّة، و"كلود ليـﭭـي-ستروس" بالنّسبة للأساطير في أمريكا الجنوبيّة، و"پيير بُورديو" في دراسته لحُكم الذّوق الفنيّ في «الثقافة الشعبية» (التمييز/التميُّز [1979]) أو لمنطق المُمارَسة العمليّة ٱنطلاقا من الثقافة القبايليّة (الحس العمليّ [1980]) ؛

§ 10. 3- ولتبرير موقفه من «الثقافة الشعبيّة»، يُؤكّد "الجابري" أنّ موقفه يَتميّز عن موقف الباحث الأنثروپولوجيّ الذي يبقى موضوعُه - حسب ظنّ "الجابري"- ماثلًا أمامه كموضوع باستمرار من حيث إنّه يَلتزم بموقف المُشاهد/المُلاحظ غير المُتحيِّز (كما يُؤكِّد "ليـﭭـي-ستروس")، في حين أنّ صاحبَنا يدَّعي أنّه يقف من موضوعه موقف "الذات" التي تعي نفسَها أو موقفها من نفسها. ويُوضِّح موقفه هذا بالقول إنّ موضوعه ليس موضوعًا له إلا بمقدار ما تَكُون "الذات" موضوعًا لنفسها في عمليّة «النقد الذاتيّ»، كما لو أنّ طرح الموضوع تابِع لعلاقة "الذات" بنفسها من حيث إنّها بقدر ما تنعكس على نفسها فتَنقُدها بقدر ما تُدرِكُـ موضوعَها. ويَنبغي ألّا يَخفى، هُنا، أنّ ما ظنَّه "الجابري" توضيحا لموقفه إنّما هو تبسيطٌ لإشكالٍ يُمكن القول بأنّ تناوُلَه، في إطار الفكر المُعاصر، قد ٱنتهى إلى تجاوُز مفهومي "ٱلذات" و"ٱلموضوع" كليهما باعتبارهما مفهومين مُلتبسين خصوصا أنّهما لا يَكادان يُدركَان إلا كثنائيّة تقاطُبيّة. وقد يَكفي، في هذا المَقام، التّذْكير بأنّ الإنسان لا يُوجد إلا بصفته مفتوحًا على العالَم ومفتوحًا أمام نفسه فقط على هذا الأساس، فلا هو بـ«ذات مُتعالِيَة خالِصة» ولا هو بـ«موضوع مُتنزِّل خالِص» على النّحو الذي يَقُود إلى إدراكـ أنّ "التّذَوُّت" سيرورةٌ "تَذَاوُتيّةٌ" و"تَوْضيعيّةٌ" لا تنتهي أبدًا. وهذا معناه أنّ موقف "الجابري"، بهذا الصدد، غير مُؤسَّس من الناحية الفلسفيّة والمعرفيّة رغم ٱدِّعائه المُتكرِّر بأنّه يَتبنّى المنظور الإپستمولوجيّ في أرقى عطاءاته (وهو ما سَنتبيَّن حقيقتَه فيما سيَأتي من مقالات بإذن اللّـه تعالى).

§ 11- «مشروعنا هادف إذن، فنحن لا نمارس النقد من أجل النقد، بل من أجل التحرر مما هو ميت [أ]و متخشب في كياننا العقلي وإرثنا الثقافي، والهدف: فسح المجال للحياة كي تستأنف فينا دورتها وتعيد فينا زرعها[.] ولعلها تفعل ذلك [قريبًا].» ؛

§ 11. 1- أخيرًا، يَعُدّ "الجابري" مشروعَه النقديّ هادفًا، فهو يَزعُم أنّه لا يَتعاطى النقد حُبًّا فيه وإنّما يَأتيه مستهدفا به التّحرُّر ممّا هو ميّت أو مُتخشِّب في كياننا العقليّ وإرثنا الثقافيّ على النحو الذي يفسح المَجال للحياة لكي تستأنف حركتَها ونُموَّها الدائبين. ومن البيِّن أنّه لا يَكفي أن يكون المشروع هادفًا أو أن يُمارَس النقدٌ لأهداف تَتجاوَز في الظاهر اللِّعب الفنيّ أو النظريّ في ٱنغلاقه المدرسيّ، بل لا بُدّ من بُلوغ الغاية في الاجتهاد لتحقيق الأهداف النظريّة وَ/أوْ العمليّة بأشرف ما هو مُتاح أو مُمكن من وسائل العصر. وطبعًا، من المُقرَّر - في مجال التّداوُل الإسلاميّ/العربيّ- أنّ لكل مُجتهد نصيبًا حتّى لو أخطأ الصواب ؛

§ 11. 2- يَتمنّى "الجابري" أنْ تَستأنف فينا الحياةُ دورتَها قريبا. ولعلّه كان يُعوِّل، بالأساس، على مشروعه في لَعِب دور الباعِث للحياة في الفكر العربيّ الإسلاميّ. وإذَا كانت الأعمالُ مَشروطةً صحّتُها بالنِيّات، فإنّ تمامَها لا يكون إلا بصلاحها في العاجِل والآجِل كليهما. فطُوبى، إذًا، لمن صحَّت نِيَّتُه وصَلُح عملُه!

مُلاحَظات ختاميّة:

أ- عَرضتُ في هذا المقال بجُزأيه الفقرات المُكوِّنة لمُقدِّمةِ «تكوين العقل العربيّ» وأبديتُ مُلاحَظاتي عليها شكلًا ومُحتوًى. وإذَا كانت المُقدِّمةُ تتكوّن من إحدى عشرة فقرةً، فإنّ نقدِي لها أتى في ٱثنتين وأربعين مُلاحَظةً (سبعٌ منها حول أُمور شكليّة وخمسٌ وثلاثون في مَسائل تَتعلّق بالمُحتوى الدّلاليّ والفكريّ للفقرات). ولهذا، فإنّ ردَّ هذا النقد لن يَستقيم بإرسال الكلام على عَواهنه ٱستسهالا أو ٱستخفافًا، بل بالعمل المنهجيّ على دَحْض مضمون كل مُلاحَظة على حِدَةٍ سواء أكانت حول الشّكل أمْ حول المُحتوى ؛

ب- رُبّما يَكفي لبيان عدم توجُّه رُدود بعض القُرّاء أن يُشار إلى مِثالين: أوّلهما أنّ دفعَ النّقد المُوجَّه إلى فكر "الجابري" لا يُمكن أن يَتأتّى بالاسترسال في الثّناء على شخصه بصفته كان كذا أو فعل كَيْت ولا باتِّهام فهم الكاتب النّاقد أو طريقته، وإنّما قد يَتأتّى بفحص مُحتوى كل مُلاحَظة في علاقتها بموضوعها المُحدَّد وبالكيفيّة التي وُجِّهتْ بها ؛ وثانيهما أنّ الأُمور الشكليّة - رغم قلّة ما وُقِفَ عليه منها هنا- لا يَستخفُّ بها إلا من جَهِل أنّ المُحتوى الدّلاليّ والفكريّ، خصوصا المَصُوغ في اللُّغة الطبيعيّة، يَبقى أوثقَ صلةً بالشكل التّعبيريّ والكتابيّ (هل، مثلا، ٱستعمال نُقطتين مُتتابعتين يَقبل أن يُبرَّر بأنّهما يَدُلّان على توتُّر غير مُعيَّن أمْ بأنّه دليل على ٱستهانة كُتّاب العربيّة بأهميّة علامات الوقف المُتعارَفة عالميًّا في تحديد العَلاقات الدّلاليّة والمنطقيّة بين الأقوال والجُمل في المكتوبات فصلا ووصلا بينها؟ وهل وحدهم كُتّاب العربيّة هُم الذين سَما بهم ذكاؤُهم المُرهَف إلى ٱستعمال تَيْنِكَـ النُّقطتين المُتتابعتين من دُون كُتّاب لُغات العالَم أمْ أنّ ٱستخفافهم بعلامات الوقف كمجرد أمر شكليّ هو السبب في ذلكـ الاستعمال عديم المعنى؟!) ؛

ت- وهكذا يُمكننا، بِناءً على ما سبق في هذين المَقالين، أن نَخْلُص إلى أنّ الفحص النقديّ لمُقدِّمة كتاب «تكوين العقل العربيّ» يُؤدِّي إلى تبيُّن أنّ هناكـ أسئلةً إشكاليّةً أكثر وأعقد من التي حاول "الجابري" أن يَبْنِيَ بها وعليها مشروعيّةَ عمله في «نقد العقل العربيّ» إلى حدِّ أنّ ما تُعطيه القراءةُ المُتأنِّيَةُ لهذه المُقدِّمة يُقوِّي التّساؤُلَ في ٱتِّجاهِ مَزيدٍ من الفحص النقديّ لعمل "الجابري" برُمّته لتبيُّن مدى جدارته بما كان ولا يزال يُحاط به من التّقدير والإجلال كما لو أنّه حقًّا عملٌ مُؤسِّس ومُجدِّد بما لا كُفُؤ له
.

elgourat@g
mail.com

alalkoora1990
عضو فاعل
عضو فاعل


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى