أنثروبولوجيون في العالم Anthropologists in the world‎‏
عزيزي الزائر الكريم
انت لم تسجل في المنتدى بعد، عليك الضغط على زر التسجيل ادناه لتتمكن من مشاهدة ‏جميع الصور والروابط في المنتدى، والمشاركة معنا.ان امتناعك عن التسجيل يعني ‏حرمانك من مزايا المنتدى الرائعة .‏

الفساد الإداري والمالي بين السياسات والإجراءات

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

الفساد الإداري والمالي بين السياسات والإجراءات

مُساهمة من طرف طالبة دكتوراه في 25/4/2009, 05:01


:00099:

هناك وهم شاع في أوساط المهتمين بدراسات النظم الاقتصادية، خصوصاً تلك القائمة على خلفية فكرية مؤثرة، عندما تصوروا أن الفساد المالي والإداري مقترن تاريخياً بالنظم الاشتراكية وحدها حيث يبدو القطاع العام مرتعاً خصباً للانحرافات الإدارية والسرقات المالية، لأن الحافز الفردي غائب والمصلحة الشخصية للقائمين على النشاط الاقتصادي غير متوفرة. فيكون التعويض دائماً هو ذلك النمط من توظيف العام لصالح الخاص وتحويل المواقع إلى "دكاكين" يجلب أصحابها المنافع ويستغلون المواقع من أجل أهداف لا علاقة لها بأن تربح الشركات أو تخسر ما دامت الدولة هى المالك الوحيد القادر على تعويض الخسائر وتغطية السرقات بل وربما التستر على فساد الكبار أحيانا. ولكن الأمور اختلفت تماماً في ظل تقلص اقتصاديات التخطيط القائمة على السيطرة المركزية للدولة وتوارى النظم الاشتراكية حيث اتضح للخبراء والباحثين والمعنيين بالشأن الاقتصادي من حيث علاقته بالنظام السياسي أن المسألة تتجاوز ذلك كثيرا. ففى ظل الاقتصاد الحر ومع إعمال قوانين السوق فإن الفساد يظل ظاهرة مستمرة يتفاوت حجمها بين دولة وأخرى بل وربما بين قطاع وآخر داخل الدولة الواحدة. لذلك ظهرت مفردات جديدة مثل حوكمة الشركات والتى تعنى مزيداً من التدخل والإشراف من جانب المساهمين وجمعياتهم العمومية على مجالس الإدارة وأجهزتها التنفيذية. وإذا كانت مقالات هذا العدد تدور في مجملها حول حوكمة الشركات في بعض النماذج الدولية و الشرق الأوسط مثل مصر ولبنان إلى جانب إيضاح دور جمعيات رجال الأعمال وهيئات المجتمع المدني في مكافحة الفساد عموماً، فإن الأمر يقتضي هنا أن نبحث في جوهر القضية من خلال محاور ثلاث هى العلاقة بين السلطة والثروة ثم أثر التحول الاجتماعي في تفشي الفساد حتى يأتي المحور الثالث من خلال البحث في وسائل تحجيم الفساد.
السلطة والثروة

إن الذين قالوا أن "التزاوج بين السلطة والثروة يولد الفساد" كانوا على حق لأن كثيراً من النظم السياسية خصوصاً في العالم الثالث قد اعتمدت على أساليب تخرج عن نطاق دورها ومارست تأثيراً قوياً على دوائر المال ورجال الأعمال وأصحاب الثروة حتى أصبحت رائحة ذلك التزاوج تزكم الأنوف وتمثل مصدر خطر كبير لأن المنافع المتبادلة تجعل رجال السلطة يقومون بحماية رجال الأعمال بينما يقوم الآخرون بدورهم عندما يقدمون كل أسباب الدعم المالى لمن يحكمون. وهذه في ظني صورة للفساد المزدوج في الحياة السياسية والحياة الاقتصادية معاً ولذلك ندق ناقوس الخطر في المجتمعات الآخذة في النمو – ومن بينها معظم المجتمعات العربية – حيث يمارس أصحاب السلطة والمدعمون منهم دوراً يساعد على الاحتكار ويحمى الفساد ويستنزف إمكانيات المشروعات الاقتصادية وعوائد الشركات التجارية. وقد يقول قائل إن العلاقة بين السلطة والثروة مشروعة ما دامت تحميها القوانين وتضع حدودها القواعد الملزمة حيث يكون المثل في ذلك هو النظام السياسي في الولايات المتحدة الأمريكية حيث تمول القوى الاقتصادية المختلفة مرشحي الرئاسة ويدعمون الأحزاب السياسية التى يؤمنون ببرامجها ويعتنقون سياستها. وهنا لابد من وقفة فالنظام الأمريكي من أكثر النظم في العالم حساسية من الفساد ورغبة في محاربته ويكفى أن نتذكر نماذج مثل "ووترجيت" و ""إيران جيت" وغيروهما من القضايا التى وقف أمامها الضمير الأمريكي بقوة ليضع سوابق جديدة تفرق بين الحرية والفوضى وبين مرونة الحركة في جانب والفساد في جانب آخر. كما يجب أن لا ننسى أن الولايات المتحدة الأمريكية دولة ديمقراطية في أدق تعريفاتها الحديثة باعتبارها "دولة القانون" State of Law.
التحول الاجتماعي والفساد

عانت المجتمعات الانتقالية من ظاهرة تفشى الفساد بسبب غيبة الرؤية وتداخل القضايا بل وازدواج النظرة أحياناً. فالدول التى لم تحسم أمرها وقبلت لنظامها الاقتصادي أن يتأرجح بين التخطيط المركزي وبين آليات السوق الحر ضرب فيها الفساد بشدة أدواتها الإدارية خصوصاً في نظاميها الضرائبى والجمركي، وليس ذلك أمراً غريباً لأنه لا يمكن أن نتحدث عن اقتصاد حر مع استخدام ذات الأدوات بل والآليات التى جرى استخدامها في ظل الاقتصاد المركزي المخطط إذ تكثر في هذه الحالة الثغرات وتتعدد الفجوات ويتسلل الفساد إلى المجتمعات. كذلك فإن التحول الاجتماعى يحمل معه منظومة من القيم تختلف من واقع إلى واقع حيث تسود ثقافة ترتبط بطبيعة النظام السياسي ونوعية النشاط الاقتصادي. ففى النظم الشمولية تنتشر قيم المحسوبية والتسيب واللامبالاة. كذلك فإن الاقتصاديات الحرة ترتبط هى الأخرى "بثقافة البازار" تقوم على منظومة مختلفة من القيم والتقاليد منها الإفراط في الإحساس بالفردية وسطوة التأثير المادي على الحياة وغيبة القضية المركزية التى يلتف حولها الناس بحيث تخلق ظاهرة رأى عام رشيد له أهميته في تحديد ضمير الأمة ووجدانها. لذلك فإنني ممن يعتقدون أن المشكلة في كثير من المجتمعات الجديدة تكمن في ضرورة التركيز على الإصلاح الاجتماعي وليس مجرد التوقف عند الإصلاح الاقتصادي إذ أن المناخ العام في كل مجتمع هو الذى يحدد درجة تقبله للفساد من عدمه ويطرح أيضاً أسلوب مواجهته، سواء تم ذلك بالطرق القانونية أو الجهود الثقافية. ولكن تظل في النهاية قضية السلوكيات الاجتماعية قضية حاكمة في النشاط الاقتصادي بل والسياسي أيضاً.
تحجيم الفساد

إن قدرة الدول على مكافحة الفساد قد تأتي من خلال أجهزة رقابية يجرى الاعتماد عليها في رصد جيوب الفساد وكشفها بينما قد تعتمد مجتمعات أخرى على توسيع مساحة المشاركة في النشاط الخاص وتمكين الجمعيات العمومية من ممارسة دور ناجح يضع مجالس إدارة الشركات، على سبيل المثال، في موضع مسائلة عند اللزوم على اعتبار أن موضوع الحوكمة يعتمد على عدد من القوانين منها قانون سوق المال وقانون الإيداع المركزي فضلاً عن قانون الشركات. ونحن نعتقد أن الإطار القانوني الصارم هو الذى يحمي النشاط الاقتصادي ويضمن الجدية ويضرب بشدة مظاهر الاستغلال فيه. كما لا نتجاهل أيضاً العوامل التعليمية والثقافية والإعلامية لأن مكونات عقل الفرد هى في النهاية القادرة على كشف وسائل الفساد ومحاربته بشرط ألا يكون محمياً من السلطة.. أية سلطة. ومع ذلك فإن المسألة ليست بهذه البساطة، إذ أنه يحدث فيها أحياناً تداخل كبير بين عوامل اقتصادية وأخرى قانونية و ثالثة سياسية واجتماعية أيضاً. ولو أخذنا بلداً مثل لبنان حيث تبدو الديمقراطية أكثر ازدهاراً والمشاركة السياسية أكبر حجما، إلا أنه تبقى هناك مسألة الموازنة بين الرقابة على ما يدور وبين احتفاظ النظام السياسي والواقع الاقتصادي بدرجة عالية من الاستقلالية والارتفاع فوق أساليب الترجيح الذى يمكن أن تتبادله أطراف مختلفة في ظل اقتصاديات السوق وآليات تطويع الظاهرة الاقتصادية لخدمة أهداف معينة قد لا تبدو بريئة في الغالب. بقى أن نضيف هنا أن الرقابة السابقة أجدى دائماً من سياسة الكمين عندما يكون الهدف الحقيقي للأجهزة الرقابية هو تسجيل أهداف في مرمى النشاط الاقتصادي على حساب حيويته. ولقد لاحظنا في السنوات الأخيرة حالات الفساد تطفو على السطح مرتبطة بنزعات انتقامية تبدو ذات صوت مرتفع يشترك فيها الرأى العام ويتأثر بها النشاط الاقتصادي في الدولة بينما يكون الأصل هو ترشيد القرار الاقتصادي وتجنب النكسات والاحتفاظ بمؤشرات للإنذار المبكر بالخلل الواضح في إحدى مراحل النشاط الاقتصادي المتاحة أمام الجميع. ونحن إذ نطالب بنوعية محددة من الإصلاح فإننا لا نملك إلا التعاون مع أجهزة الضبط والرقابة الموثوق فيها... وهنا يثور تساؤل حول أدوات السوق المطلوبة لمكافحة الفساد ومحاربة آثاره.

وفى هذا العدد من المجلة تعالج المقالات بعض الأفكار وتقترح من الوسائل والأساليب ما يقف أمامها ويضمن ألا تتمكن مظاهر الفساد من أركان النشاط الاقتصادي المختلفة، كذلك فإن انهيار الاتحاد السوفيتي السابق وقيام روسيا الاتحادية في ظل انفتاح سياسي واسع لا تدعمه ركيزة اقتصادية قوية كان له آثاره هو الآخر في تحديد درجة الفساد في الحياة الروسية خلال تلك الفترة الانتقالية وليست الشرق الأوسط أو أفريقيا أو أمريكا اللاتينية بمعزل عن هذه القضية لذلك أفرد أحد الكتاب للنموذج اللاتيني مقالاً له أهميته بين مقالات هذا العدد من مجلة الإصلاح الاقتصادي، ويبقى هنا أن نشير إلى أن الفساد دائماً هو ظاهرة متكاملة لا تقف عند حدود معينة ولا تظل حبيسة أنشطة بعينها.

..إن خلاصة ما نريد أن نذهب إليه بعد استعراض مقالات هذا العدد من المجلة هو أن الفساد كظاهرة يمكن حصاره من خلال تفاصيل واضحة وأساليب محددة وتشريعات رادعة اختلفت من دولة إلى أخرى ومن نظام إلى آخر ولكن ظل المرض واحداً لأن الفساد كل لا يتجزأ كما أنه أحد الأمراض المعدية التى لا يمكن تحجيم آثارها وضرب مصادرها دون اللجوء إلى إجراءات واعية وقوانين ملزمة وأفكار مدروسة.

طالبة دكتوراه
مشرفة قسم الانثروبولوجيا التربوية
مشرفة قسم الانثروبولوجيا التربوية


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى