أنثروبولوجيون في العالم Anthropologists in the world‎‏
عزيزي الزائر الكريم
انت لم تسجل في المنتدى بعد، عليك الضغط على زر التسجيل ادناه لتتمكن من مشاهدة ‏جميع الصور والروابط في المنتدى، والمشاركة معنا.ان امتناعك عن التسجيل يعني ‏حرمانك من مزايا المنتدى الرائعة .‏

منهجية الدكتور علي الوردي في مجال علم الاجتماع /2

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

منهجية الدكتور علي الوردي في مجال علم الاجتماع /2

مُساهمة من طرف إبراهيم حسن في 17/7/2009, 00:59

د. لاهاي عبد الحسين(*)



وفي رسالة الدكتوراه الوحيدة التي أهتمت بالدكتور الوردي(1)، نقع على تهكم ٍ وتجاوز وتحيز لم يسبق له مثيل قط فيما سبق من كتاباتٍ تناولت أعماله بالنقد والتقويم. فالدكتورة منى العينةجي تستهل أطروحتها المصممة لنيل شهادة دكتوراه فلسفة في مجال علم الاجتماع بالقول: إفترض د. علي الوردي بناءاً عراقياً جديداً لم يبرهن على صحته ولم يجعله حتماً منهجياً"(2). وكتبت أيضاً: ومن منطق العقل والواقع والفكر المنظم ظهرت فجوات في الأفتراض الوردي وبدأت صراعات المحافظين التقليديين والمعارضين والمحدثين ومن مسّهم فكره بدفعه الى عملية تبرير بأيجاد أدلة وبراهين لم تستطع أن تحوّل الفرض المرفوض الى نظرية ولم تخضع نواميسه الحياتية للتحقق... بل رفضت ورفض معها بلا أسس علمية كما لم يكن فرضه علمياً"(3). وكتبت عن حياته: يذكر أنّه ولد في عائلةٍ فقيرة... وقد نال فيما بعد المجد والشهرة والجاه فوجد أفانين المجاملة والخدمة وقدم له الأحترام من أولئك أنفسهم الذين سبق لهم أن أحتقروه وآذوه"(4). وكتبت في مكان ٍ آخر: على رغم المعلومات المتوافرة التي تلقي الضوء على نشأة الوردي الأولى في الكاظمية مصدر معلوماته ومختبره الاجتماعي الا أنّ طبيعته الأنسانية وغرائزها وما تبطن بين الغاطس والظاهر بقيت وقفاً عليه لم يستطع دخولها والغور فيها غيره"(5).

وفي معرض مناقشتها لـ"فرضيات" الوردي، التي تحرص كما فعل معن خليل عمر، على التأكيد على تسميتها بـ"فرضيات" وليست "نظريات"، كما دأب الوردي على تسميتها، والتي لم تكن من بنات أفكاره وإنّما إقتبسها من علماء غربيين وعرب، تراجع مفهومات الحضرية والتحضر والنمط الحضري ومستوى التحضر ومعدل التحضر(6)، دون أن تلاحظ – العينةجي- أنّها بمجموعها تختلف تماماً عن مفهوم الحضارة كنقيض للبداوة لدى الوردي. وإمعاناً في افتراض أنّ الوردي لم يكن ليمتلك منهجاً علمياً خاصاً به، كتبت في نهاية فصل الدراسات السابقة واصفةً أطروحتها بأنّها الأولى من نوعها في المجتمع العراقي، واعدةً بأستخدام مقياس لهذا الغرض "وبذلك يمكن أن نتحقق أيضاً من صحة آراء الوردي غير المنسوبة الى منهج معين أو نتحقق من خطأ ما جاء بها"(7). لا يحتاج القارئ الى كبير عناء ليلاحظ الأحكام المسبقة والتحيز البيّن على الفور. أضف الى ذلك أنّه على الرغم من إستهداف العينةجي لمنهجية الوردي، فقد فاتها أن تلاحظ أنّه لا وجود لطالب علم، يحترم عمله ويفهم دور ووظيفة المنهج، يقوم بأستخدام أكثر من منهج في دراسةٍ فرديةٍ واحدة في آن ٍ واحد. فقد أشارت الباحثة الى أنّها أستخدمت أربع مناهج رئيسية في آن ٍ واحد في أطروحتها وهي: المنهج التاريخي؛ المنهج المقارن؛ المنهج الوصفي؛ والمنهج الأحصائي(8). بالحقيقة، فأنّ كل ما فعلته العينةجي أنّها قرأت بأنتقائية أعمال الوردي وكتبت الأطروحة وفق ذلك. حتى لكأنّي بها تكتب للدردشة وقضاء الوقت بدلاً من أن تكتب بصورةٍ علمية وعلى وفق مبدأ استخدام الوقت استخداماً فعالاً. ولم يكن ما فعلته العينةجي ليتجاوز الطريقة الشخصية الذاتية في القياس. يستدل على هذا من خلال المقياس الذي صممته معتمدةً في ذلك على مصادر حددتها على الوجه التالي: الملاحظة على أساس الخبرة والأطلاع، مقابلات مع أفراد ذوي خبرة ودراية، الأجتهاد والخبرة الذاتية. وفي اختيار العينة أعتمدت العينةجي على عوامل لم تحدد مؤشراتها الميدانية(Empirical Indicators) على الأطلاق، كما في درجة تحضر المناطق السكنية، الأطار المظهري للمباني والطرقات، ملاحظة السلوك الفعلي للأفراد(9). كما حددت الأختلاف في مستوى حضرية المدن المشمولة بالدراسة على أساس العوامل التالية: مدى سيطرة المد البدوي على المدينة، سعة أسواقها وكثرة الغرباء المسافرين اليها، شدة انعزالها عن العالم الخارجي، مدى سيطرة الحكومة فيها، كيفية مجئ الحضارة الحديثة اليها(10). وقد خلت هذه العوامل أيضاً من أي نوع ٍ من المؤشرات التي يمكن أستخدامها للتحقق من مصداقيتها وعموميتها، مما يفتح الطريق واسعاً للتأمل والأسترسال الشخصي، اللاعلمي بالضرورة. وبعد أن خاضت الباحثة في بحر الأستنتاجات المصممة سلفاً، توصلت الى نتيجةٍ مفادها أنّ ما قاله الوردي في الخمسينات والستينات لا ينطبق على المجتمع العراقي حالياً(تسعينات القرن العشرين) وأنّ ممارسة العادات التقليدية كأطلاق العيارات النارية في الفرح والحزن ونصب الخيام ورفع البيارق إنّما هي عاداتُ سمحت بها جهاتُ عليا، وعليه فأنّها بحاجة الى دراسة"(11). ومن حيث لا ندري نفت الباحثة أن يكون هناك صراع قيم لدى المهاجر الى المدينة، مفترضة ً أنّ ما يحصل"عملية مسايرة لبعض القيم المفروضة لمصلحةٍ شخصية وإعتبارٍ اجتماعي". وأضافت: إنّ ما يحدث ليس الا إضطراباتٍ بسبب ضعف الوعي والجمود القوقعي على القيم... وأنّ ما تبقى من القيم هو عملية مسايرة لا صراع"(12). وفي النقطة السادسة من الأستنتاجات أكدت الباحثة ما بدأت به من "أنّ فرضية الوردي – صراع الحضارة والبداوة- التي كانت تنطبق في ذلك التاريخ على المجتمع العراقي أصبحت غير قادرة على الصمود بعد ثلاثين سنة من كتابتها"(13).

وفي أحدث ما كتب في هذا المجال – بحسب علمنا- وصف الأستاذ سليم مطر الدكتور الوردي بأنّه "مؤرخ كبير وعالم اجتماع سئ"(14). موضحاً أنّ الوردي تأثر بما أسماه النزعة الأستشراقية بطريقةٍ شخصية، والتي كانت لديه أقوى من النزعة العلمية الموضوعية(15). وكتب الأستاذ مطر موجزاً رأيه في هذا المجال من أنّ "مشكلة الوردي أنّه في تحليله لطبيعة المجتمع العراقي بقي سجين المفاهيم الغربية التي حاولت أن تلوي معاني المفاهيم بما يتلاءم مع رؤاها العرقية العنصرية"(16). ليس لدينا الكثير مما نقوله في هذا المجال بأستثناء أن نلفت الى أنّ الأستاذ مطر صرح منذ البداية بأنّ المرجع الأساسي لمقالته هذه كان واحداً فقط، من كتب الوردي هو كتاب،"دراسة في طبيعة المجتمع العراقي". وأنّ الوردي – حسب علم الكاتب- برز في مجالين مهمين هما التاريخ وعلم الاجتماع. وكتب مؤكداً "ويبقى التاريخ هو المجال الأول والأكبر الذي أبدع به وخصوصاً في عمله الكبير"لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث". ويتضح من خلال هذه الملاحظات، أنّ الكاتب لم يضطلع بالوردي وأعماله بما يستحق من الأضطلاع. فقد غفل الأستاذ مطر أنّ الوردي كان أحد أهم رواد علم الاجتماع في العراق، وأنّه لم يكن مؤرخاً قط ولم يرغب في أن يكون كذلك. بل إنّ الوردي كتب واصفاً كتاب"اللمحات" بأنّه كتابُ "يهتم في الدرجة الأولى بما تنطوي عليه الأحداث من دلالة فكرية واجتماعية... أني لست مؤرخاً وإنّما أعتمد فيما أكتبه على المؤرخين"(17).

هذه نماذج مختارة لمن كتب عن الوردي وعن منهجية الوردي، على وجه التعيين. كتاباتُ أقل ما يقال فيها إما أنّها لم تكن عالمة مطلعة بما فيه الكفاية على أعمال الوردي (د.معن خليل عمر وسليم مطر)، أو أنّها كتبت من وجهة نظر ٍ منحازة سلفاً(د.سليم علي الوردي ود.منى العينةجي). والحق أنّ أحداً من هؤلاء الكتاب لم ينصف الوردي من حيث أنّه كتب للعراق والعراقيين وكان أكثر وعياً بحاجاتهم وتطلعاتهم مما عرف عنه وأشيع حوله.

إبراهيم حسن
المدير العام للموقع
المدير العام للموقع


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: منهجية الدكتور علي الوردي في مجال علم الاجتماع /2

مُساهمة من طرف إبراهيم حسن في 17/7/2009, 00:59

منهجية الدكتور الوردي

في تناول منهجية الدكتور الوردي، فأنّ من المناسب أن نمهد لذلك بعددٍ من الأفكار الأساسية التي ترقى الى مستوى المسلمات. ولنبدأ أولاً بفكرة أنّ هناك علاقة عضوية بين أي عمل علمي نظري وبين المنهجية التي يتبعها العالم أو الدارس المعني. وينطبق هذا على نحو ٍ دقيق على الوردي الذي طور نظرياتٍ اجتماعية ساهمت دون شك بفهم المجتمع العراقي ومشكلاته المتنوعة. فقد إجتمعت في أعمال الوردي، بحسّه السوسيولوجي العالي وقدرته المرهفة على التنظير وفق منهجيةٍ محددة، مزايا لم تكن لتتوفر لسواه من العلماء والمفكرين الاجتماعيين في العراق، مما إنعكس على البيئة العراقية، بوجهيها الاجتماعي والثقافي، بصورة حماس يتدفق حيوية من حيث الموقف مع أو ضد، الوردي. كما شجع ذلك على التأمل والتفكر بما قاله الوردي ولفت الأنظار اليه. الشئ الآخر أنّ المنهجية ذات دلالات نظرية بطبعيتها. فلا وجود لمنظر أو فيلسوف أو فقيه أو عالم لم يعن بالمنهجية أو لم يكن لديه منهجية من نوع ٍ ما. والا كيف نفسر وحدة الموضوع وظهور معالم الشخصية الفكرية أو العلمية لدى هذا العالم أو ذاك. بالحقيقة، هناك إجماعُ على أنّ الأهتمام بالمنهجية يعود الى زمن الفلاسفة الأغريق، حيث انطلق الجدل الساخن حول أفضلية أي ٍ من المنهجين الرئيسيين: المنهج العقلاني(Rationalism) أو المنهج الأمبيريقي- الميداني(Empirical) (18).

يفترض دعاة المنهج العقلاني أنّ هناك سبب(Reason) لحدوث الأشياء أو الحقيقة. بمعنى أنّنا نرى، نسمع، ونتذوق مما يساعدنا على أن نراكم المعرفة الضرورية للوصول الى القدرة على التعميم. وهذا يعني أنّ الحقيقة تقوم وتتجسد بقدر ما نستطيع أن نخبرها بالتجربة الحسية المباشرة. فيما عدا ذلك فلا وجود لشئ ذا معنى قطعي. وقد سار العالم في ضوء هذه المنطقية الأغريقية حتى بدايات عصر النهضة الأوربية، في حوالي القرن السابع عشر الميلادي، حيث تعاقب الفلاسفة المحدثون ممن مهدوا للثورة العلمية(Scientific Revolution) التي كان الوردي أحد أبرز حاملي ألويتها في العراق بعدما يقرب من ثلاث قرون من الزمان على ظهورها في أوربا. ولعلّ أهم ما ميز عصر النهضة الأوربية أنّه وضع الأساس لنشوء عالم عصري حديث متحرر من سطوة التفكير الكنسي الديني المتخلف. وقد مهد هذا بدوره الى ثورةٍ عارمة في مجال الفكر، والتي صار ممكنا فيها للأنسان أن يجول في فضاءات الفكر والعلم دون أن يحول بينه وبينها حائل، كائناً ما كان(19). وقد ظهرت معالم الثورة العلمية هذه أول ما ظهرت في مجال علم الفلك. إذ لم تعد أفكار دانتي مقبولة من أنّ للأرض مكاناً ثابتاً في الكون، وأنّ هناك مكانُ للجنة والنار. وكذلك رفضت فكرة القدر المحتوم للأنسان، الأمر الذي يحتم عليه أن يسير بحسب ما حدد له مسبقاً. الى جانب ذلك، بدأت في الظهور معالم أفكار جديدة حول"الأنسان"، كفكرة ومفهوم(20).

بالتأكيد، لم يتحقق الأنتقال من الماضي المتخلف الى الحاضر العلمي المتقدم بين ليلةٍ وضحاها. فقد كان كثيرُ من فلاسفة عصر النهضة ممن مهدوا بأفكارهم العظيمة للثورة العلمية، كانوا، أشخاصاً متدينين بالطبيعة، كما هو الحال لدى نيوتن وديكارت، ومن بعدهم المحافظين من أمثال توماس هوبز وشبينوزا(21). وتوالت الجهود في هذا المجال، فكان أن دعا الفيلسوف عمانوئيل كانت الى البحث عن منهج ٍ بديل للعقلانية والأمبيريقية وذلك من خلال تقديمه فكرة العقل الأنساني(Human Mind) أو الطريقة التي يبنى فيها العقل. فالناس يدركون ويفهمون الأسباب في ضوء الطريقة التي ينظم ويرتب العقل بها. بالعودة الى العقلانيين، فأنّ هناك حقائق عامة شاملة قاطعة حول ما هو صحيح أو خطأ. أما الأمبيريقيون فأنّهم يبحثون عن الحقيقة من خلال ملامستها والتعامل معها. وقد لفت كانت الأنظار الى الطريقة التي ينظر فيها الناس الى قضايا تلتبس بقيمهم وأفكارهم وتحيزاتهم من خلال التأمل على سبيل المثال بفكرة الأبادة الجماعية في مجتمع ما! هنا، يتكئ العقلانيون على فكرة محددة مسبقاً وهي أنّ الأبادة الجماعية بحد ذاتها عمل سئ وشنيع. أما الأمبيريقيون فأنّهم ينظرون اليها على أنّها شئ لابدّ من التحقق منه من خلال مشاهدته وتحسسه وجمع البيانات عنه. ويقترح كانت أن ننظر الى ذات الموضوع من خلال الطريقة التي ينظم عقل البشر فيها لدى هذه الشريحة أو تلك. فقد تكون الأبادة الجماعية وسيلة مشروعة من وجهة نظر القائمين بها على إعتبار أنّ ضحاياها يمثلون خطراً مباشراً عليهم. وعلى الضد من ذلك، فأنّ الفريق الآخر ينظر الى هذا الفعل بطريقة مختلفة بحسب رؤيته وتقييمه وموقفه العقلي منها.

وجاء جون لوك ليلفت النظر الى واحدة من أهم إشكالات الفهم الأنساني من خلال أطروحته المعنونة "مقالة تعنى بالفهم الأنساني"(Essay Concerning Human Understanding). وفيها يبين أنّ القدرة على مراقبة سلوك الكواكب السماوية أسهل وأوسع بكثير من القدرة على مراقبة وفهم سلوك الأفراد. مع ذلك، ففي الحالتين، فأنّنا بحاجة الى الأعتماد على مزيدٍ من الملاحظة والقياس والبحث عن الأسباب لنزيد من القدرة على إكتساب المعرفة والتضلع بها. وكذلك فعل ديكارت الذي دعا الى مبدأ الشك(Doubt) بكل ما سبق من المعارف للتوصل الى حقيقة الأشياء. لقد ترك أولئك الفلاسفة والمنظرون آثاراً عظيمة على الطريقة التي فكر فيها فيما بعد جيلُ من السياسيين والكتاب والصحفيين من أنصار الثورة الفرنسية. فقد عبر فولتير عن نصرته لفكرة نيوتن التي تقوم على الطريقة غير الدينية لدراسة الظواهر الطبيعية، الأمر الذي إنسحب فيما بعد على دراسة السلوك الأنساني. وفي مقالاتٍ عدة، دعا فولتير الى إعتماد العلم للكشف عن قوانين التاريخ. وساهم آخرون من أمثال ماريه جين دي كوندورسيه في وضع تاريخ ٍ للأنسانية في عشر مراحل يبدأ أولها في مرحلة الصيد والجمع، الرعي، الزراعة وأخيراً الثورة الفرنسية وتأسيس الجمهورية التي أعتبرها"عنوان المستقبل". وفي أعماله المعروفة، دعا روسييه الى وضع خطة على صعيد الدولة والمجتمع تقوم على فكرة المساواة والأتفاق بين الحاكم والمحكوم. وكذلك فعل بيكون الذي إتفق مع روسييه حول أستخدام"المعرفة، كوسيلة لتطوير الأنسانية وتخليصها من عذابات المدنية"(22). وهكذا تعاقب المفكرون والمشتغلون في طريق الثورة العلمية حتى جاء أوكست كومت وطور فكرة المدرسة الوضعية التي قدمها سانت سيمون ليفصلها في سلسلة من الأعمال التي توجت بـ"قانون المراحل الثلاث" لتطور المعرفة الأنسانية. فقد تقدمت المعرفة الأنسانية – بنظر كومت- من مرحلة السحر والخرافات الى الأفكار الدينية حتى بلغت المرحلة الحالية المعروفة بأسم المرحلة الوضعية(Positivist Stage) والتي أصبح السبب والمعلومة والطريقة الدقيقة وسيلةً حاسمةلأستنباط القوانين العلمية لتعليل الظواهر والأحداث فيها(23).

المغزى من هذه المراجعة المسهبة لتطور دور العلم في الحياة الأنسانية هو أن نتوصل الى أنّ الوردي فعل شيئاً شبيهاً بما فعله هؤلاء العلماء والمفكرون في محاولةٍ لتطوير رؤيتنا للأشياء وفق منهج ٍ علمي نقدي حديث. فقد وصف الوردي العراقيون بالأزدواجية، وفيما بعد بالتناشز الاجتماعي، بسبب ردود الفعل التي أظهروها في مواجهة الحداثة والعصرنة. وضرب على ذلك عشرات الأمثلة التوضيحية والبيانات التفصيلية. من الناحية السياسية، كان الوردي ديمقراطياً، دعا الى الأنتخابات الحرة المباشرة وتداول السلطة. وكان رؤوفاً بالمرأة، داعياً الى احترام رغبتها وإرادتها في التعليم والعمل والتحرر الذاتي. ولم يكن الوردي ليعبر بذلك عن قناعاتٍ شخصية وتفضيلات سياسية، وإنّما كان يذكر وينبّه على الدوام أنّه يفعل ذلك بدوافع الفهم الاجتماعي العلمي المتخصص للواقع الاجتماعي والثقافي في العراق، مستشرفاً آفاق تطوره. ومع أنّ الوردي عرف فيما يسمى بـ"الفرضيات الثلاث"، الا أنّ منتقديه غفلوا الكثير عن مساهماته العلمية المهمة الأخرى ومنها، أنّه وضع تظريةً في مجال علم الاجتماع السياسي تنبأ فيها بتطور دور الدولة عبر مراحل تبدأ بمرحلة السلطة القبلية التقليدية المتخلفة الى السلطة الأستبدادية، ومن ثم، السلطة الديمقراطية المتحررة(24).

بالحقيقة، فأنّ غزارة الأنتاج النظري للوردي، بحدّ ذاتها تشهد على تأصله في المنهج. أما أن نسأل أي منهج ٍ على وجه التعيين، وكيف أستخدمه، وبأي طريقةٍ برره، فأنّنا ننحو نحو من يحاجج طالباً مبتدءاً في مجال العلم. وفي هذا تجنّي، لابدّ أن تكون له دوافع معروفة أو غير معروفة، على الوردي. وقد يكون من المفيد أن نذكر هنا بأنّ الوردي تناول مسألة المنهج الذي إتبعه في معظم كتبه وأعماله والمقابلات التي أجريت معه. بل إنّ كتابه المعروف، "منطق إبن خلدون في ضوء حضارته وشخصيته"، كان كتاباً في المنهج، على وجه التعيين. ففي هذا الكتاب أعاد الوردي الى الأذهان الكثير مما إعتمل في أذهان القراء والنقاد والمريدين على السواء من أفكار وتساؤلات. وقدم هذا الكتاب بنظرةٍ نقدية لمنهج إبن خلدون من حيث أنّه – إبن خلدون- "لم يوضح منهجه توضيحاً مركزاً يجعل القارئ يفهم ما يرى من النظرة الأولى"(25). ثمّ أفرد حيّزاً واسعاً من الكتاب لعرض ومناقشة وتقييم المنهجين الرئيسيين اللذين شغلا العلم والعالم على مدى قرون وهما، المنهج العقلاني المثالي الأغريقي القديم، والمنهج العلمي الحديث. ولم يدخر الوردي وسعاً في التعبير عن نصرته للمنهج العلمي الحديث، الذي يقوم بنظره على أساس النقد والتقييم الواقعي للأشياء والظواهر وتعقبها والتحقق منها وذلك في ضوء ما يتوافر من البيانات والمعلومات مما لا يخفى على القارئ العلمي المحايد على الأطل

إبراهيم حسن
المدير العام للموقع
المدير العام للموقع


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: منهجية الدكتور علي الوردي في مجال علم الاجتماع /2

مُساهمة من طرف إبراهيم حسن في 17/7/2009, 01:01

وقد يكون من المناسب أن نعيد التأكيد هنا على أنّ الوردي لم يكن طالب علم ٍ إعتيادي تطبق عليه المقاييس العلمية بفجاجة. فقد بلغ الوردي مبلغاً من العلم تجد صداه الواضح والمؤثر في كتبه وأعماله وليس في شهادة الدكتوراه التي حصل عليها من جامعة تكساس الأمريكية عام 1950، فحسب. ولهذا السبب، فأنّ من الصعب على شخصية من هذا الوزن أن تعامل معاملة طالبٍ لمّا يزل يغذّ الخطى في طريق العملية العلمية ليسؤل عن الفرضية المحددة المعينة الدقيقة التي أستخدمها أو الطريقة التي أعتمدها أو النتائج المدعمة إحصائياً التي تمكن من التوصل اليها. فقد درس الوردي الواقع الاجتماعي العراقي برؤيةٍ شمولية. وكان بذلك الرائد بحق، مما جعل من مهمته أمراً صعباً على أية حال. يدرك المشتغلون في مجال المنهجية أنّ هناك جدلاً حول الطرق المناسبة للبحث العلمي، الا أنّه لا وجود لأحدٍ يقطع بأفضلية طريقة معينة على الطرق الأخرى. بل إنّ الموضوع وطبيعته وقدرة الباحث على تناوله والأمساك بجوانبه المتعددة تحدد، الى درجةٍ كبيرة، المنهج المناسب. فأختيار المنهج المناسب(Appropriateness of Methodology) من قبل الباحث المعني يعدّ أحد أهم المقاييس العلمية المتبعة في أي عمل علمي رصين(26). بل إنّه لا وجود لعالم ٍ إجتماعي أو نفساني أو أقتصادي جيد لا يمتلك منهجيةً واضحة ومحددة في عمله(27)فهل يشك أحد في جودة وكفاءة وأهلية الدكتور الوردي نظرياً ومنهجياً! لقد خاض الوردي في موضوعاتٍ شتى لم يكن قد تطرق اليها أحد من قبل. فكان من الطبيعي أن لا يتقيد بصيغةٍ أو أسلوب لأنّه أراد أن يضع أرضيةً لبحوث قادمة. كما أنّه لم يكن ليكتفي ببحث واحد على وجه التعيين. خذ على سبيل المثال أنّه استخدم المنهج التاريخي بطريقةٍ صحيحة، مدركاً تمام الأدراك أنّ المنهج التاريخي كأي منهج ٍ علمي آخر يقوم على أساس الأعتماد على فرضية أو مجموعة من الفرضيات التي يمكن أن تقود الباحث في العملية العلمية، وليس كما أفترض معن خليل عمر من أنّ المنهج التاريخي لا يحتاج الى فرضية. وكان كتابه "اللمحات" إنجازاً علمياً مبتكراً للدراسات العلمية الاجتماعية العراقية في هذا المجال. وأخذ الوردي من ماكس فيبر فكرة المعنى(Meaning)، والفهم(Understanding)، والفهم الذاتي(Subjective Meaning)، والنموذج المثالي(Ideal Tupe)، وما الضير في ذلك! فالأخذ من الآخرين والبناء على إسهاماتهم يعدّ أحد أبجديات العملية العلمية كما أسلفنا.

بالحقيقة، فأنّ فكرة منهجية الوردي يمكن أن تكون مشروعاً لكتاب أو دراسة توضع إنصافاً له ورغبةً في التعلم منه. هذا المشروع يمكن أن يرقى الى مستوى كتاب أميل دركايم الموسوم"قواعد المنهج في علم الاجتماع" أو"منهج العلوم الاجتماعية" لماكس فيبر. فقد إشتمل كتاب "قواعد المنهج في علم الاجتماع" لأميل دركايم(28)على ست فصول رئيسية بدأت بفصل حول ماهية الحقيقة الاجتماعي(Social Fact)، والتي تمثل أحد أبرز المفهومات النظرية التي قدمها في مجال العلم. وتناولت الفصول التالية تفاصيل أخرى في هذا المجال مثل، قواعد ملاحظة الحقائق الاجتماعية، قواعد التمييز بين الظواهر الأعتيادية والظواهر المرضية، قواعد تشكيل الحقائق الاجتماعية، قواعد تعليل وشرح الحقائق الاجتماعية وقواعد إظهار البرهان السوسيولوجي. وقد ألحق المحرر عدداً من المقالات لدركايم حول الماركسية وعلم الاجتماع، علم الاجتماع والعلوم الاجتماعية، جدل حول العلاقة بين الأنثروبولوجيا الوصفية وعلم الاجتماع، تعليل العلاقة بين التاريخ وعلم الاجتماع، الأقتصاد السياسي وعلم الاجتماع، مساهمة علم الاجتماع في مجال علم النفس والفلسفة. هذا الى جانب ملاحظاتٍ أخرى ورسائل كتبها أميل دركايم بشأن موضوعاتٍ أخرى مهمة منها توضيح الموقف من علم النفس بالعلاقة مع علم الاجتماع. فأذا أمعنت النظر في عناوين فصول هذا الكتاب لرأيت كيف أنّه كان بحثاً في النظريات المعروفة التي قدمها أميل دركايم في ميدان العلم إبتداءاً بمفهوم الظاهرة الاجتماعية وخصائصها والتي طبقها فيما بعد لتظهر في دراساته الرائدة مثل"الأنتحار"(Suicide)، تقسيم العمل(Division of Labor)، الحياة الدينية(Religious Life)، الخ. وكذلك فعل الوردي عندما إهتم بتعريف والأستفاضة على فكرة صراع البداوة والحضارة، إزدواجية الشخصية في المجتمع العراقي، والتناشز الاجتماعي، الخ. وكذلك الحال في كتاب"منهجية العلوم الاجتماعية" لماكس فيبر(29) الذي تضمن أربعة فصول هي: معنى الحيادية الأخلاقية في علم الاجتماع وعلم الأقتصاد، الموضوعية في العلوم الاجتماعية والسياسة الاجتماعية، دراسات مهمة في منطق العلوم الثقافية(الحضارية)، والأمكانية الموضوعية والتعليل الكافي في التعليل التاريخي. وكان محرر الكتاب أيضاً قد ألحق عدداً من المقالات التي عنيت بالعلاقة بين النظرية والمنهج والمشكلات الأساسية للنظرية السوسيولوجية واستراتيجية العلوم الاجتماعية.

على هذا المنوال يمكن أن ينظر في منهجية الوردي وتناول مفهوماته الأساسية والمراحل التي تطور اليها ابتداءاً من الأزدواجية، صراع البداوة والحضارة، التناشز الاجتماعي، القبيلة والدولة، الطائفية في العراق، دخول الحضارة الحديثة الى العراق، موقفه من الماركسية والأرث الآيديولوجي عموماً، وغيرها الكثير من الموضوعات التي شغلت اهتمام العراقيين والعقل العراقي برمته. عند ذاك فقط قد نكون قادرين على أن نفي الدكتور الوردي بعضاً من حقه علينا ونأخذ منه لنبني عليه، لا أن نتنكر لمساهماته المتميزة وإنجازاته العلمية الرائدة والخلاقة التي أسهمت بلا شك في إثراء مسيرة تطور علم الاجتماع والعلوم الاجتماعية الأخرى في العراق، ومن خلالها إغناء مسيرة التحول الثقافي التقدمي في العراق. ونختتم هنا بالأقتباس مما جاء في تقديم الأستاذ سعد البزاز في الحوار الذي أجراه مع الدكتور الوردي في عمان، قال: كان حرياً أن يسير خلف جنازة الدكتور الوردي، الذي قضى في صيف 1995 عن إثنين وثمانين عاماً، الآلاف من محبيه وخصومه ليودعوا أكبر عالم اجتماع في العراق بعد أن أستودعهم على تراثٍ ضخم كان مثيراً للجدل خلال نصف قرن ٍ من الزمان... لقد مات الوردي خائفاً من عقاب السياسيين وزاهداً في دنياه ووحيداً مجرداً من صولجانات الحكم ورضاه... حتى غدت هذه النهاية في حياة الوردي، شاهداً على ظلامية عصر ٍ لم يقم وزناً لأشجع مفكريه الاجتماعيين(30). وهكذا كان.



المصادر:
............................

1.الوردي، د. سليم علي، علم الاجتماع بين الموضوعية والوضعية: مناقشة لمنهج الدكتور علي الوردي في دراسة المجتمع العراقي (بغداد: مطبعة علاء، 1978)

2.الوردي، الدكتور علي حسين، لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث، الجزء الأول (إيران، قم: مكتبة الصدر، 2004)

الوردي، الدكتور علي حسين، لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث، الجزء الخامس (إيران، قم: مكتبة الصدر، 2004)

الوردي، الدكتور علي حسين، منطق ابن خلدون في ضوء حضارته وشخصيته (طهران: مؤسسة الصادق للطباعة والنشر، 1380هـ)

الوردي، الدكتور علي حسين، الطبيعة البشرية (تقديم سعد البزاز، 1996) (ايران، قم: مؤسسة المحبين، بلا تاريخ)

3.العينةجي، د. منى محمود، التحضر في المجتمع العراقي في ضوء فرضية الدكتور علي الوردي في الأنتقال من البداوة الى الحضارة (رسالة دكتوراه غير منشورة)، كلية الآداب، قسم علم الاجتماع، جامعة بغداد، 1998

4.مطر، سليم، النزعة الأستشراقية العنصرية في فكر الحداثة: علي الوردي وبداوة المجتمع العراقي، جنيف، 1999

5.عمر، د. معن خليل، رواد علم الاجتماع في العراق (ط1) (بغداد: دار الشؤون الثقافية العامة، 1990)



المصادر الأجنبية:
............................

1.Abraham, J.H., The Origins and Growth of Sociology, (England: Penguin Books, 1973)



2.Babbie, Earl, The Practice of Social Research (Third Edition) (Belmont, California: Wadsworth Publishing Company, A Division of Wadsworth, Inc., 1983)



3.Bernard, H. Russell, Research Methods in Anthropology (Third Edition), (New York: Altamira Press, 2002)



4.Durkheim, Emile, The Rules of Sociological Method and Selected Texts on Sociology and Its Method (Edited with an introduction by Steven Lukes, Translated by W.D. Hall) (New York: The Free Press, 1982)



5.Nerlinger, Fred, N., Foundations of Behavioral Research (Second Edition) (New York: Holt, Rinehart and Winston, Inc., 1973)



6.Theodorson, George A. and Achilles G. Theodorson, A Modern Dictionary of Sociology (New York: Barnes and Noble Books, 1969)



7.Weber, Max, The Methodology of the Social Sciences (Translated and edited by Edward A. Shils and Henry A. Finch with a Forward by Edward A. Shills) (New York: The Free Press, A Division of Macmillan Publishing Co., Inc., 1949)



(1) العينةجي، منى محمود، التحضر في المجتمع العراقي في ضوء فرضية الدكتور علي الوردي في الأنتقال من البداوة الى الحضارة، رسالة دكتوراه غير منشورة

(2) المصدر السابق، ص2

(3) المصدر السابق

(4) المصدر السابق، ص7

(5) المصدر السابق

(6) المصدر السابق، ص41- 44

(7) المصدر السابق، ص88

(8) المصدر السابق، ص 157

(9) المصدر السابق، ص158

(10) المصدر السابق، ص160

(11) المصدر السابق، ص196

(12) المصدر السابق، ص197

(13) المصدر السابق، ص200

(14) مطر، سليم، النزعة الأستشراقية العنصرية في فكر الحداثة: علي الوردي وبداوة المجتمع العراقي، ص5

(15) المصدر السابق، ص7

(16) المصدر السابق، ص14

(17) الوردي، الدكتور علي حسين، الجزء الأول، ص6

(18) Bernard, H. Russel., Research Methods in Anthropology, p.8, 2002

(19) Abraham, J.H., The Origins and Growth of Sociology, p44, 1973

(20) Ibid, p45

(21) Ibid, p46-47

(22) Bernard, 2002, p. 11

(23) Ibid, p 11

(24) الوردي، علي، (تقديم سعد البزاز)، الطبيعة البشرية،

(25) الوردي، علي، منطق إبن خلدون في ضوء حضارته وشخصيته، ص61

(26) NerlingerK Fred N., Foundations of Behavioral Research, 1973

(27)Bernard, 2002, p.12

(28) Durkheim, Emile, The Rules of Sociological Method, 1982

(29) Weber, Max, The Methodology of the Social Sciences, 1949

(30) الوردي، الدكتور علي، الطبيعة البشرية ، (تقديم سعد البزاز، 1996) ، ص7 وص15، بلا تاريخ

***** هذا الموضوع منقول من موقع الحضارية وعلى الرابط التالي :
[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]
[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

إبراهيم حسن
المدير العام للموقع
المدير العام للموقع


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى